الأب يوسف حبيّ شمس لا تعرف الغروب!

كُُنا نهم لدخول ( الكابلا) المصلى في سمنير الكلدان بالدورة لحضور صلاة المساء ( الرمش) إبّان إدارة سيادة المطران الجليل لويس ساكو حينها كان قد زارنا سيادة المطران متي متوكا ومعاونه الخوري روفائيل قطيمي ..... واذا بالاب ساكو يتوسط في المصلى ويحدثنا بصوت تخنفه دموع حزينة ...." مات ابونا حبّي مات مات ...." واذا بنا نصرخ دون وعي "لا لا ..... مستحيل ....."
فاصيب الجميع بالصدمة ..... لمكانت هذا العالم البحاثة في حياة تلاميذه ..... اذا كان الكثير منا يسميه ( يوسف حُبي)!

لقد مات الاب حبي ..... انطفئت شمعة حياته قبل اوانها ..... ووفاءًا مني لهذا الرجل الجليل الذي بصم بصمة خالدة في حياتي ... . وهذه هي خصال العظماء ..... فوحده العظيم الذي يعرف ان يترك بعده اثرًا في الحياة ..... وبقدر حجم وعمق هذا الاثر؛ بقدر ذلك سيكون حجم خلودنا في هذا الوجود العظيم .... وما هذه الكلمة الا شي من عمق الاثر الذي تركه الاب حبي فيّ!
فعلي افي العلامة الخالد بعض حقه! فهو صاحب فضل في مسيرتي الثقافية والكهنوتية ..... فهو اول من شجعني على الكتابة والتاليف وكان خير مرشدًا لي

الاب حبي اشهر من نار على علم ، يعرفه القاضي والداني .... ولاسيما ابنا جلدته الموصل الحدباء كان يؤمن بالحب ..... لان الله محبة ..... ولانه محبة قام برحلة حبّ خارج ذاته بيوع المسيح ويموت حبًا على الصليب من اجل الانسان .
كان يؤمن .بإهمية الاختلاف..... فتعلمت منه ان الاختلاف لا يعني خلاف وتصادم وصراع ؛ بل غنى وتكامل !
كان يؤمن بالإنسان ...... فعاش حياته كشمعة لا من اجل ان تحترق بل لكي تشتعل وتنير درب الاخرين ....
كان يؤمن بالعمل الجماعي ..... فنشى كوادر وجمع حوله المثقفين والمبدعين فعملوا معًا كخلايا نحل بلا ملل وبلا كلل!

عاش انسانيته .....وكان رحمة الله يوصينا دائمًا ....." يا كهنة المستقبل لا تنسوا انكم ،اناس بشر من لحم ودم ..... قبل ان تكونوا كهنة..... عيشوا انسانيتكم مثلما عاشها كاهننا يسوع الانسان"
فعاش انسانيته دون اي تمثيل وتصنع وخداع..... لم يمثل دور القداسة .... بل عرف عنه بحسه الانساني العالي!
كان يؤمن بالثقافة والمواصلة والمواكبة ..... فكان يوصينا : " واحدكم ما ان صار كاهنًا ليترك الكتب والثقافة لينغمس بالخورنة ....فيتجر ما تعلمه الى ان يتحول الى بركة راكدة ..... تعلموا ان تتواصلوا ثقافيًا"
كان يؤمن بدور العلمانيين بالكنيسة .... فنرى معظم اصدقائه والعاملين معه كانوا من العلمانيين .... ومنهم كتاب وادباء وفنانيين وفلاسفة ... وهو اول من نادى وعمل على تأسيس المجلس الخورني .....
كان اشبه بالمكتبة المتكاملة ..... محبًا للثقافة والتعلم ..... فبرز على الساحة الدينية والعلمية والثقافية والفكرية ..... فكان اهلا ليكون علم من اعلام مثقف العراق والعرب .كان مرجعًا ثقافيًا للكثير من علماء العر اق .... وكان الكثير من العلماء يتمنون ان يضع لهم الاب حبي مقدمة لكتبهم وابحاثهم لكيما تاخذ صداها لما كان يتمتع به الاب حبّي من صيت ومكانة بين مثقفي العراق . بل من اجل عيون د. حبّي كرس الكثير من اعظاء المجمع العلمي العراقي وكبار الاساتذة والفلاسفة في جامعات بغداد وقتهم للتدريس والقاء المحاضرات في كلّية بابل الحبرية للفلسفة واللاهوت التي تاسست وقامت بجهوده الجبارة كنت تؤمن بتسمية( كنيسة المشرق) او كنيسة العراق ..... كان من المنادين بالوحدة ...... ياليتك كنت اليوم لبكيت دمًا على تسميات ( الكلدان الاشوريين السريان) تسميات اضعفت قوانا وجعلتنا اقلية متمزقة ....
يؤلمني ايها الاب حبي ان اقرا في مواقعنا الالكترونية وعلى شاشات التلفاز تسمية أبنا شعبنا ( الكدان السريان الاشوريين) . ياليتك كنت موجود اليوم معنا ..... لكنت قلت معي ومع الكثير من الشرفاء: ابناء شعبنا المسيحي بدلا من هذه التسميات التي فرقتنا ..... فخلاصنا بيسوع وليس بقومياتنا واحزابنا ....!!
اتذكرك في صومعتك في كلية بابل واتحير بوصف تلك الصومعة اهي متحف؟ ام مكتبة متكاملة ......... اتذكرك رغم ضعف نظرك كنت تطالع اخر الابحاث والدراسات .....
وكنت تقول لي ولغيري :" طالعوا الى ان تنعمي عيونكم ..... ولا تكونوا من اصحاب الادمغة المتحجرة والكروش العالية..." وقد اصبت يا ابتي فما اكثرهم اليوم!!!!!
كان منفتحًا على الكل محبًا للجميع ..... محبًا للحوار ..... كنت ارك ملاكًا يعتلي المذبح ..... فعشت كرجل صلاة .... وعكست وجه الله المحب للاخرين ....

رغم كل مناصبه ومكانته الثقافية والاجتماعية والكنسية ... كانت يعرف بتواضعه .... ويمحلى تواضع العظماء!!!!

ذكرياتي مع الاب يوسف حبي

كنت في الثاني من الفلسفة ..... قدمت باشراف الاب حبي بحث عن هجرة المسيحيين من العراق ....... من خلال استفتاء عملته وعمله لي الاب حبي ..... فكان معجبًا به ونصحني بنشره بعد ان نقحه لغويًا .... ونشرته وقال لي ستقدمه لمرحلتك كمحاضرة بعد عودتي من السفر .... أن عدتُ! وكأن قلبه كان يعلم انه سيذهب ولم يعد!!

وقبل سفره كنا بمحاضرة بمادة ( فلسفة الاخلاق) وكان يحاضرنا من كتابه نشوة القمم .... وقبل ان يهم مغادرًا القاعة حدثنا قائلاً:" البارحة اتصل بي الكثير من الناس والكهنة من داخل العراق وخارجه ..... قالوا لي ابونا انت ما متت ..... يقولون ابونا حبي مات " فضحك رحمه الله ببراءة كعادته ..... وقال" هناك اشخاص امنيتم يشوفوني ميت .... وازاد فقيدنا الراحل: حبي ما يموت...." وضحك وختم حديثه قائلاً : احبكم ورحل الاب حبي الى الابد!لكنه سيبقى خالدًا للابد!
قبل احداث 2003 ذهبت بصحبة استاذي فيصل غازي مجهول وهو تلميذ الاب حبي والاب روبير الى بيت الحكمة العراقي بالقرب من منطقة الميدان ..... فما ان عرفوا انا من تلاميذ الاب حبي ..... حتى قدمت لي كل التسهيلات واعطيت لي اخر الاصدرات من الكتب الفلسفية ...... وقالوا لي : كلها من اجل عيون الدكتور حبي!
فكم كان له اثاره وبصماته على الآخرين وتحديدًا على بيت الحكمة العر اقي .
اتذكر في مطلع عام 2006 دعاني استاذي الراحل الحارث عبد الحميد لالقاء محاضرة في قاعة اتحاد وادباء العراق في شارع الاندلس في بغداد والذي كنت انا احد اعضائه .... فقدمني رحمه الله انه الاب يوسف جزراوي تلميذ الاب حبي ....فشهدت القاعة موجة تصفيق عارمة ..... تفاجئت !! فوقف احدهم وقال : " عذرًا .... هذه ليست لك بل للفقيد الدكتور يوسف حبي"!
ووقفنا دقيقة صمت على روحه ..... فقد حفر لا سمه البقاء المجيد..
في مؤتمر وجه الله قال احد الحاضرين من المجمع العلمي العراقي كلمة بحق الاب حبي واصفًا اياه " الفيلسوف الكبير النجم الساطع في سماء العراق ..... انه همزة وصل بين الاديان والحضارات والبلدان ...انه كنز من كنوز العراق .... بل نعمة العلي للعراقيين.".
كم كنا نتلذذ بمحاضراتك العميقة التي تخاطب الواقع وتبني سامعها وتفتح له افاق واسعة ...
اختير ضمن 6 علماء في العراق .... لترجمة كتاب نشوء الحضارات .... كم كنت ولاتزال عظيمًا!
اتذكرك في موتمر الكنيسة من اجل السلام في فندق بابل في ايار سنة 2000 عندما تحدث المذيع شمعون متي قائلا: الاخوة الحضور ( العراقيين) ارجو الخروج خارج القاعة لاتاحة المجال للوفود والضيوف المشاركة بالجلوس ..... واستطرد بعدها قائلاً: والان كلمة الكنيسة الكلدانية يلقيها عليكم الاب د. يوسف حبي المحترم .... ليتفضل ".
فانتصب الاب حبي وقال : " لا حد يخرج ويترك القاعة .... العراقيين ليسو مسحوتيين".... وقالها بانفعال .... واضاف رحمه الله:" كلمتي هذه لا تمثل الكنيسة الكلدانية بل كنيسة العراق .... لا بل شعب العراق باجمعه". كم كنت تؤمن بالوحدة.


بعدك رحيلك لدار الخلد ، للاسف كم اطلق عليك بعض الضعفاء اشاعات لتشويه اسمك العريق ..... فالذين صلبوا يسوع ظنوا انه بموته سيمحون اثاره ..... فانقلب الصليب من لعنة إلى بركة ..... وهكذا انت سطع نجمك اكثر مما كان عندما كنت على قيد الحياة ..... وخابت محاولاتهم بالفشل ..... وسيبقون يخافوك وانت في القبر.... يخافون ويخشون فكرك وتعالميك المتجددة البناءة.....
لم تكن من اصحاب المليارات .....و لم تكن متمسكًا بالمناصب ..... لم تكن من حائكي المؤامرات ..... لم تكن متزلفًا مجاملا باعًا لضميرك من اجل مناصب او امتيازات او من اجل الاف الدولارات كما يحصل اليوم ..... بل حملت الكنيسة كهم وقضية في داخلك ..... وكانت قضيتك الكبرى ....
عرفتك طيب القلب حلو اللسان سريع البديهية .... انساني للغاية ..... متفهم للاخرين ...تتقن فن التعامل مع الاخر و تؤمن بالتنوع والتعددية والاختلاف .... مثقفًا عالمًا فيلسوفًا لاهوتيًا مواكبًا متجددًا شابًا في اواخر الخمسين ... صاحب طلة خفيفة وابتسامة صادقة ونكتة ذات معنى .... طيوب خدوم .... اب بكل معنى الكلمة ....وصدق بك وصف استاذنا الجليل محمد الصندوق بقوله: " الأب حبي موسوعة لا بل مجموعة متكاملة من الثاقفة.... لقد خسره العراق...."
. اجمل ما قراته لك" خلجات ـ نشؤة القمم_ ملحمة كلمامش ( نصوص وتفاسير_ كنيسة المشرق افتاحية عمى اللوان في بين النهرين _ الانسان " وهذه الديباجة الاخيرة استعان فيها صديقك الفيلسوف حسام اللالوسي في كتابه:"فلسفة الإنسان".
كم كنت اتمنى ان تقوم كنيستي بوضع كتاب خاص عنك. كم كنت اتمنى ان ارى تمثال لك في كليتك ؛ كلية بابل ..... كم كنت اتمنى ان يكتب عنك باقلام من داخل اروقة الكنيسة .... ما خلا ما كتبه عنك استاذنا البحاثة الاب بطرس حدّاد زميل دراستك .....
ومهما حاول وسيحاول البعض من مسخ اسمك ومنجزاتك التي لا تحصى ..... ستبقى انت خالدًا في قلب كل من عرفك ومن عاشرك وتتلمذ على يديك ..... ومازال صوتك يجلجل في قاعات كلية بابل ..... ولا تزال كتاباتك وابحاثك تتلاقفها الاجيال ..... ولا تزال تعاليمك ..... زاد لحياتنا الانسانية وخدمتنا الكهنوتية ..... مازال شعبك في كل رعية خدت بها يتذكرك ولاسيما في كنيسة ما كوركيس وتلاميذك في كلية بابل والمعهد التثقيفي ......
في تشيعك قدم الناس من مختلف المحافظات بل من اكثر من بلد ..... وارسلت برقيات تابين ..... وكأنني امام تشيع بابا الفاتيكان !!!
لقد رحلت قبل اوانك ..... وانت في اوج عطائك .... لا سيما بعدما ان تحسن نظرك .... فربنا دعاك لتتمتع برؤية ملكوته البهي!
وتيمنًا بك ابدلت اسمي إلى يوسف ..... املا ان اٌقدم شيئا مما انت قدمته..... فحسنًا للتلميذ ان يكون مثل معلمه ..... ولكن العين لا تعلى على الحاجب .....
نم يا ابي واستاذي قرير العين ..... بسلام المسيح ..... صلي لاجلنا في السماء
فهذه الذكرى الثامنة لرحيلك ...... ولا يزال الفراغ الذي تركته برحيلك المفاجى شاغرًا ........
سيبقى تاريخ 15/10/2000 تاريخًا يشهد لك فيه الكثير ....
فأنك بحق :شمس لا تعرف الغروب ......

الأب يوسف جزراوي

  العودة الى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com