خبرتي الحبّّ والقبول

في البدء كلمة:
اثناء تواجدي في السويد التقيت بشباب كنيسة مار يوحنا المعمذان ، طلب مني البعض منهم تدبيج مقال عن خبرة الحبّّ وبعض المقالات التي تمس واقع حياتهم اليومي كشباب ..... فكانت هذه نقطة الانطلاق اليهم!ومن الله التوفيق.

نظرة مسيحيّة للحبّ:

موضوع المقال قديم كقدم الانسان، لكنه مُفيد وغني ،وكلّنا بحاجة اليه لذا كانت هذه السطور.

أومن ان الناس كلهم وبلا استثناء وفي جميع العصور يتوقون الى ان يُحبوا وان يُحَبوا. . وانساننا منذ اقدم الازمنة عرفناه بحاجة الى الاخر ليسير معه في الطريق، لان ليل الحياة دامس وطرقه وعرة! فكان الانسان بحالة جوع دائم ليد تقوده بحب في هذا الطريق. والهنا الصائر انسانا مثلنا (المتأنسن)، وحده هو الذي يدلنا على درب الحب والنمو فيه في هذا الوجود الجميل. وما هو ملفت للنظر في حياة يسوع المسيح، انه تقبل الاخرين على ما هم عليه وغيرهم نحو الافضل، لانه احبهم(لوقا19.1-10زكا) ، (يوحنا 8، 2-11 المرأة الزانية). ورسالته لم ينشرها بالاقوال وحسب، انما اتممها بأفعال حب؛ لذا نراه يموت حباً من اجل الانسان على خشبة الصليب؛ فعملنا ان الحب موقف وقبول ورسالة تجاه الاخرين.

المسيحية ليست ديانة كتاب وحسب، بقدر ما هي ديانة حياة؛ حياة اله تجسد بين البشر صائرًا انسانًا؛ إنسان اقتبل الضال، وعاشر الخطاة وعاش فيما بينهم ، تألم لالمهم، وفرحَ لفرحهم. أنه خبرة انسان أمن بالانسان، فاحتواه وقبله وغيره وقاده للسير في طريق الله؛ فعلمنا ان الانسان يصير انساناً، متى ما التقى بأاناس يحبونه ويقبلوه ؛ فيتمكن بواسطتهم من الانفتاح على الذات والاخر والله، فينمو بانسانيته.


بفضل حبّ الاخرين ومرافقتهم وتفهمهم؛ هناك اشخاص تغيرت حياتهم، لانهم اكتشفوا قيمتهم ومكانتهم في نظر الاخرين والله؛ فاخذوا ينظرون الى انفسهم نظرة مُغايرة عما سبق. نظرة ملؤها الثقة والفرح.

انسانية الحبّ ومعانيه:

كلنا يتذكر ( روز) البطلة الحقيقة لقصة الحبّ في باخرة تايتنك ..... إذ قالت: \"إن أجمل ايام حياتي كانت في تلك الباخرة حين طرق الحُبّ ابوابي.... اذا اكتشفت مع الحُبّ أن للحياة طعم اخر .... ولاتزال البصمات التي تركها فيّ جاك لاتنسى وستذكرها الاجيال عبر العصور .... انها بصمة الحبّ الصادق الذي يعش طويلاً"!
ومن خبرة بسيطة ومتواضعة اقول للقراء: طالما بقى على وجه الا رض اناس يحبون ويحبون ستبقى الحياة جديرة بأن تعاش وسيظل الوجود نعمة عظيمة !وستبقى خبرة الحبّ الاولى ،بل الجوهرية في حياة الإنسان ولانستطيع ان نعدها مجرد تجربة هامشية سطحية بل خبرة مركزية ومحورية في حياتنا.فانك تبقى ناقصًا وعلى عدة اصعدة دون الحبّ! وبمعنى ثانٍ انك من دون خبرة الحب الوجودية المُقدّسة لم ولن تكون انسانا لاننا خلقنا ودعُينا لنعيش بحبّ .
ّواروي قصة احد الفلاسفة عندما سالته حبيبته عن الحب فقال:إننا نميل في العادة إلى تعليل الحبّ أو ابحث عن اسبابه ولكن الانسان يحبّ لمجرد الحبّ دون ان يكون مبرر سوى الحبّ نفسه ................ ولو ألحيتي عليّ بالسؤال لما احببتني؟ لما وجدتُ ردًا على سؤالكِِ سوى قولي أني احُبكِِ لأنني انا من انا ولانك انت من انت!.
تبقى خبرة الحبّ تلك الخبرة المقدّسة الفريدة التي تجعلنا أنُاسا ونعي ان الحياة معنى وتستحق ان تعاش .
هي خبرة نكتشف بواسطتها لغة الله التي كشف رموزها لنا يسوع المسيح على الصليب ( ان الانسان هو حبييب الله ).
الله خلقنا للحبّ .والإنسان هو ثمرة حب الله ونحن مدعوون لنشهد لحب الله بين البشر!
كتب الاديب الفرنسي اسانت اوكزيري: "إن لم ينبض قلبك بالحب فانك لم ولن تعرف من هو الله".!
الحبّ هو الصليب . فعندما تحب يعني انك تستعد للالم. بواسطته تقوم برحلة حبّ خارج ذاتك في سبيل من تُحبّ........... لذا اقول : الحبّ هو الالم ! فلا وجود للحب ّ دون الالم ....
الحب يجعل من الكاهل فتى .... وان كان الحبّ يجعل من حياتك ربيع دائم ، لكنه خبرة لاتخلو من الالم والصراع وهذه هي لوعة الحبّ!.. الحب صفاء نفس من كل حقد وبغض، بل انه نسيان وغض نظر دائم ....... ونقولها من يحب لا يكره.
الحبّ عهد والتزم بالاخر ........ يستمد ديمومته من الوفاء والاخلاص ........ انه ارتباط روحي بين اثنين .......... ليشعرا من خلال خبرة الحب انهما باتا واحد ..... لذا اقول الحبّ قار مصيري!.!
الحبّ لا يعرف كبرياء وغرور وتكابر ، بل هو تسامح وغفرانًا وتواضع دون حدود.....الحبّ لايبحث عن اعتذار بل الغاية اسمى والهدف اكبر ........ ولكن وللاسف كم من علاقات حبّ انقرضت وانهارت بسبب كبرياء زائف ......... فالمحبيين غالبًا ما ينسون الايام الجميلة ويتمسكون باللحظات المؤلمة ....... لكن دعوة لهم أن يفكروا ويتاملوا ان الذي يجمعهم اقوى من كل المشاكل وان الذي يجمعهم اقدس من كل شي ! الحبّ: ان تترك بصمة في حياة من تحب ، فانك قد تفترق او تبتعد او تبُعد عن من قد احببته ولاسباب ارادية او غير ارادية ........ فلا اجمل من تحمل من تحبه في داخلك وان كان غائبًا لكنه حاضرًا معك وفيك ........... فهناك مواقف ترجعك للوراء لتتذكر من احببت واحبك ..... فتتحسر على تلك الايام .......... لذا اقول عندما تحب انسان ما يعني انك تقول له انت لن تموت ما زلت انا حيًا!
الحبّ مسيرة اساسها الثقة والصدق والمصارحة والحوار والوفاء ........... ومتى ماتضمنت هذه المعاني سيكون حبكما اشبه بالبحر له بداية وليس له نهاية!
الحبّ: لايعرف عمر محدد او دين او لون ........ لكننا تقيدنا في الشرق على ان يكون الرجل اكبر من الفتاة لاننا مجتمع رجولي .. لذا اعلن علنًا: الحب لايعرف عمر فيه اكبر واصغر وحواجز وقيود.
الحب خبرة وجودية لاتعرف التميزوالقيود والشروط ففي اوربا تجد حسناء بيضاء مرتبطة باسود زنجي قد لا يحلُ لك النظر اليه ..... وقد تتساءل وتتعجب .....! لكنها تقول لك تعال انظر اليه بعيوني ..... انها عيون الحبّ التي ترى كل شي ربيع دائم!
!الحبّ لا يعرف الشروط والقيود والغيرة وامتلك للاخر ....وليس الحب جريمة او عيبًا اجتماعيًا نخجل منه ، بل هو فعل مُقدس ويستحق ان نرحب به حينما يطرق ابوابنا ونستقبله بفرح.
الحب ان تؤمن بمن تحب؛ إن تثق به وتقبله كما هو وليس تريده كما انت تريد ...... فلا تحب نفسك في الاخر ...... الحب هو بنيان من تحب والعيش في سبيله.......عندما تحبّ ستتعلم ان تنظر إلى النقطة البيضاء في حياة من تحبه اخيرًا الحب خبرة وجودية نابعة من إنسانيتنا .......... فحق من حقوقنا كبشر ان نُحبّ وان نُحَبّ...... لاننا بدون الحبّ لانكتمل بانسانيتنا.........فمن لم يعيش خبرة الحبـ ّ ترى أن هناك نقص كبير في حياته! لاننا دعينا للحب ( احبوا بعظكم بعض ....) ختاما اذهب لاقول: لا اقوى من الحُبّ فهو يجعل من الوحش انسانًا كما حدث مع انكيدو .انك ان لم تدخل في رحاب الحبّ ..... فلا تدعي بأنك انسان!

فإنساننا بفضل خبرتي الحبّ والقبول، سيحلق عاليا كالنسر، وستكون عيناه مفتوحتين ثاقبتيين، وسيكون بوسعه ان يرى بصور ة اشمل وسيستقري حاجة الاخر بشكل افضل. ووحده من يري جيدا يتمكن من بناء ذاته والاخرين بحكمة .

من كتاب ( تأمّلات من حياة كاهن) للأب يوسف جزراوي هولندا 2008، ص 76 ـ 79.

  العودة الى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com