تأملات فى كنائس سفر الرؤيا

لقد سجل الرسول بولس، " خادم الكنيسة " (كو1 :25)، الحق الخاص بالكنيسة، في رسائل وجهها إلى سبع كنائس (هي رومية، وكورنثوس، وغلاطية، وأفسس، وفيلبي ، وكولوسي ، وتسالونيكي ). أما الرسول يوحنا فسجل لنا رحلة الكنيسة على الأرض في خطابات وجهها إلى سبع كنائس انظر الملحق؛ السؤال الأول. ونلاحظ أن الرقم سبعة هو رقم الكمال في الكتاب المقدس ويدل على كمال أفكار الله من جهة أمر معين. أيضاً، كانت موجودة في أسيا الصغرى ، وهي كنائس أفسس، وسميرنا، وبرغامس، وثياتيرا، وساردس، وفيلادلفيا، ولاودكية. هذه الكنائس تتفق حالتها تماماً، وبنفس الترتيب مع الأدوار المختلفة التي مرت بها الكنيسة من البداية إلى النهاية كالآتي :

1) أفسس: طابعها خدمة بلا محبة

فمع أنها تتميز بوفرة النشاط والخدمة، وعدم احتمال الأشرار، وكشف الرسل المزورين (أوالمدعين بالخلافة الرسولية)، وبغضة أعمال النيقولاويين ذكر المعلم المسيحي الشهير إيريناوس (نحو عام 200 م) أن النقولاويين هم جماعة فاسدة داخل المسيحية مارست الزنى وأكل ما ذبح للأوثان. وسار على دربه باقي المعلمين واعتبروهم أولئك الفجار الذين «يحولون نعمة إلهنا إلى الدعارة» (يه 4). لكن اعتباراً من القرن الثامن عشر اقتنع المعلمون بأن كلمة نيقولاوس هي ترجمة يونانية للاسم العبري بلعام، وكلاهما يترجم بالعربية «انتصر على الشعب». فكلمة النيقولاويين إذا تعني المتسلطين على الشعب، وتعتبر إشارة إلى طبقة الإكليروس. الذين تسلطوا على شعب الله، لكن نري بداية الانحراف، بل التحول الرهيب والسقوط المريع في تركها المحبة الأولى .

2) سميرنا: طابعها الضيق لأجل اسمه

ولوأننا فيها أيضاً نري بداية محاولة إدخال التعاليم اليهودية والمبادئ الطقسية إلى المسيحية من الداخل، كما ونري الاضطهاد العنيف عليهم من الخارج. في الأولى نجد الشيطان الماكر، وفي الثانية نجد إبليس كأسد زائر. وفي هذه الكنيسة لا يوجد لفيف كلمة " لفيف " تعني ما اجتمع من الناس من قبائل شتى . وقد وردت في الكتاب المقدس مرتين عن جماعة ليست من الأمة الاسرائيلية التصقت ببني إسرائيل وخرجت معهم من مصر وسببت لهم في البرية متاعب (خر12 : 38، عد11 : 4).، فحيث نيران التجارب الممحصة يختفي اللفيف.

3) برغامس: المنزلق الخطر

نجد الأمانة في التمسك بالإيمان القويم رغم المقاومات (أنتيباس الشهيد الأمين معنى اسمه " الكل ضده " ). لكن الحالة العامة رديئة، فملاك هذه الكنيسة يسكن حيث كرسي الشيطان. وهناك من يحبون الخدمة الدينية لأجل المنفعة كبلعام، مضحين بمصالح شعب الله في سبيل مصالحهم. كما أن مبدأ الرئاسة على الشعب قد رسخ فتحولت «أعمال النيقولاويين»(ع6) إلى «تعليم النيقولاويين»(ع15). وما أردأ أن يجتمع بلعام والنيقولاويون معاً؛ أعني الربح القبيح والرئاسة على قطيع الرب. يقول الرسول بطرس للشيوخ «أرعوا رعية الله التي بينكم نظاراً.. لا لربح قبيح بل بنشاط، ولا كمن يسود على الأنصبة بل صائرين أمثلة للرعية »(1بط2 :5،3).

4) ثياتيرا: الارتداد المريع والبقية الأمينة

فنجد في هذه الكنيسة أمانة عظيمة من أفراد كثيرين، ونجد أعمالاً كثيرة ومحبة. لكن الحالة العامة خطيرة ومخيفة. وإيزابل التي كان لها أسوأ الأدوار في تاريخ مملكة إسرائيل (1مل16-2مل9)، إيزابل هذه مضطهدة أنبياء الرب، والتي على مائدتها كان يأكل أنبياء البعل عادت إلى الظهور روحياً، وللأسف لها اليد الطولى ، فهي تقول إنها نبية؛ أي أن كلامها هو كلام الله، مع أنها تغوي عبيد الرب على العبادة الوثنية (عبادة البشر والملائكة، عبادة الصور والتماثيل)، كما أنها شجعت دخول الخرافات والأسرار الدينية، التي تميز العبادات الوثنية، إلى المسيحية. والرب تأنى عليها بلا نتيجة. لذا يتوعد الرب إيزابل وأولادها بالضيقة العظيمة، كما يحول خطابه إلى الباقين ويشجعهم بقرب مجيئه. وهي الإشارة الأولى في خطاب الرب للكنائس عن مجيئه.

5) ساردس: مظهر بلا جوهر

صورة التقوى مع إنكار قوتها، واسم بأنه حي وهو ميت. والأعمال ما أردأها. فرغم أنه أخذ وسمع فإنه -بالأسف- لم يستفد. ولهذا فإن الرب سيعامله في مجيئه إليه كما سيعامل العالم «أقدم عليك كلص ولا تعلم أية ساعة أقدم عليك»

6) فيلادلفيا: تشجيع بلا توبيخ

صورة مباركة، إذ أن كل شي ء مرتبط باسم الرب وبكلمته. ورغم أن القوة يسيرة، لكن سرور الرب بهذه الكنيسة لا حد له. ولا نجد توبيخاً مطلقاً، بل الرب يدافع عنها أمام القائلين إنهم يهود وليسوا يهوداً.

7) لاودكية: الفتور الروحي المقيت

طابعها الاعتداد بالذات، والافتخار، والشعور بالاكتفاء الذاتي ، وعدم الاحتياج حتى للمسيح. فالرب يري في هذه الكنيسة -وياللأسف- واقفاً خارج الباب يقرع. وهذه صورة ليست لناكري المسيح علناً، بل للمدعين بأنهم مسيحيون لكن بدون المسيح فعلا «فاتر ولست بارداً ولاحاراً» والرب مزمع أن يتقيأه من فمه.

وبمقارنة الكنائس السبع معاً نجد أمرين :

أولا : نمو وازدياد الشر مع تتابع الكنائس :

ففي كنيسة أفسس نجد أعمال النيقولاويين، والملاك يبغض هذه الأعمال. لكن في كنيسة سميرنا لا ذكر لهذه البغضة. وهذا أفسح المجال في كنيسة برغامس إلى أن يتحول أمر النيقولاويين من مجرد تصرف لبعض الأفراد إلى وضع مستقر وثابت، وهو ما يسميه الوحي «تعليم النيقولاويين»؛ فأصبح هناك بالفعل طبقة مميزة عن باقي الجماعة، أعني بها طبقة الاكليروس. واقترن مع هذا أيضاً تعليم بلعام الذي شجع على الأكل من الذبائح الوثنية والزنى من أجل الربح القبيح. أما في الكنيسة التالية فلا نجد فقط «قوماً متمسكين بتعليم بلعام» بل نجد نشاطاً شريراً إيجابياً، مع تسيب في الحالة العامة «تسيب المرأة إيزابل... حتى تعلم وتغوي ».

في سميرنا نجد تعبير «القائلين إنهم يهود وليسوا يهوداً، بل هم مجمع الشيطان» أي أن الشيطان وجد مقراً لرِجله في هذه الكنيسة. بينما في برغامس نجده يثبت عرشه فيها «تسكن حيث عرش الشيطان»، وأيضاً «حيث يسكن الشيطان» فليس أن الشيطان استضاف نفسه في الكنيسة، بل أنه استضاف الكنيسة في بيته. لكن في ثياتيرا نجد «أعماق الشيطان»!

ثانيا :تضاؤل الأمانة والأمناء مع تتابع الكنائس أيضاً :

ففي أفسس نجد القول «جربت القائلين إنهم رسل وليسوا رسلاً فوجدتهم كاذبين»، وأيضاً «إنك تبغض أعمال النيقولاويين التي أبغضها أنا» هذه البغضة لم تعد موجودة كما ذكرنا في سميرنا. فإذا وصلنا إلى كنيسة برغامس نجد أن البغضة بالأسف موجهة إلى الأمناء لا إلى أعمال النيقولاويين الذين رسخت أقدامهم. لذا يرد القول «أنتيباس شهيدي الأمين الذي قُتل عندكم حيث الشيطان يسكن».. على أن الصورة تزداد قتاماً في ثياتيرا، إذ نجد أن الأشرار أصبحوا فيها هم القاعدة، وبلغة الرب في المثل الرابع من أمثال ملكوت السماوات هناك تطابق جميل بين أمثال ملكوت السماوات السبعة في متى 13، وبين خطابات الرب لملائكة الكنائس السبع في رؤيا 2،3. «اختمر العجين كله»(مت13 :33)، فأصبح الأمناء هم الاستثناء. لذلك يتغير وضع النداء ابتداء من هذه الكنيسة؛ فيأتي القول «من له أذن فليسمع» بعد القول «من يغلب»، فلا أمل يرجي من الوضع العام.

لم ينته الأمر عند هذا الحد بل إنه حتى هذه البقية في تناقص مستمر! ففي ثياتيرا يوبخ الرب ملاك الكنيسة لأنه يسيب المرأة إيزابل، ثم يوجه كلامه إلى البقية «أقول لكم أيها الباقون في ثياتيرا كل الذين ليس لهم هذا التعليم ولم يعرفوا أعماق الشيطان» فالباقون هنا هم عدد لايستهان به.

أما في كنيسة ساردس فيقول عن البقية «عندك أسماء قليلة في ساردس لم ينجسوا ثيابهم»

أما كنيسة فيلادلفيا فالمؤمنون هناك هم أنفسهم البقية التي لها قوة يسيرة. وما أمجد الوصف الذي توصف به! وما أعظم سرور الله بها! ولكن إذ نصل إلى كنيسة اللاودكيين فإن البقية تتناقص إلى واحد، حيث الأمانة فردية «إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه»

التطبيق النبوي

وتطبيق هذه الكنائس السبع على الأدوار التي مرت بها الكنيسة خلال رحلتها فوق الأرض انظر كتاب " رحلة الكنيسة " للمؤلف. واضح جداً.

فكنيسة أفسس (وأفسس كلمة يونانية تعني محبوبة أو مشتهاة) تعطينا صورة العصر الرسولي وما تلاه مباشرة، حيث بدأ التحول والانحراف كما نقرأ في كثير من الرسائل، واستمر ذلك الدور لنحو عام 167م.

وكنيسة سميرنا (وكلمة سميرنا تعني مُر) تعطينا صورة لعصور الاستشهاد التي استمرت حتى سنة 313م وصدرت خلالها عشرة مراسيم اضطهاد قاسية هذه المراسيم هي كالآتي :

نيرون سنة 54
دومتيان سنة 81
تراجان سنة 98
انطونيوس سنة 117
سيفيروس 195
ماكسيمين سنة 235
ديسيوس سنة 249
فاليريان سنة 254
أورليان سنة 270
دقلديانوس سنة 284

(واستمر هذا المرسوم الأخير عشرة سنوات) ، (الأمر الذي يشار إليه بالقول «يكون لكم ضيق عشرة أيام مدلول آخر للضيق " عشرة أيام " ؛ أي على قدر احتمال الإنسان، كمدلول الرقم 10 (قارن 1كو10 : 13). والعشرة الأيام تعبير يستخدم أحياناً عن قصر المدة (تك24 : 55، دا1 : 12).» وانتهت هذه الفترة باعتناق الامبراطور قسطنطين الكبير المسيحية.

وكنيسة برغامس (ومعناها زواج بالإرغام) :تعطينا صورة لتحول الامبراطورية الرومانية إلى المسيحية اعتباراً من عصر قسطنطين (نحو 313م)، ثم ظهور الضلالات المختلفة أهمها بدعة أريوس الني تمس لاهوت المسيح، وتصدي الأمناء لذلك على رأسهم أثناسيوس الاسكندري وذلك في مجمع نيقية الذي عقد سنة 325 م، ذلك الدور الذي استمر إلى أوائل القرن السابع الميلادي تقريباً.

وكنيسة ثياتيرا (ومعناها مكتسية بالذبيحة) :تصور لنا العصور المظلمة عندما تسلطت البابوية بعنف على الناس وادعي البابوات الرئاسة والعصمة ابتداء من أواخر القرن السادس، ودخلت في ركاب البابوية شرور وبدع غريبة تماماً عن المسيحية. إن من يقرأ تاريخ الكنيسة ستأخذه الدهشة والعجب كيف مبكراً جداً غزت الوثنية الكنيسة، وكيف بعض ممن يسمون آباء الكنيسة دافعوا عن ذلك! وهذا الدور مستمر إلى مجيء المسيح، وينتظره بعد ذلك «الضيقة العظيمة»(رؤ2 :22).

ثم كنيسة ساردس (ومعناها بقية) :تصور لنا تاريخ المسيحية المحزن عندما دخلت البروتستانتية في المشهد بعد حركة الإصلاح المباركة. فساردس لا تمثل الإصلاح الذي حدث في أوائل القرن السادس عشر والذي قام به قديسون أفاضل أشهرهم لوثر من ألمانيا وزوينجلي من سويسرا وكلفن من فرنسا. لأن الإصلاح، أعني توضيح الحق ونشر كلمة الله، هو ما أخذه ملاك الكنيسة، والذي يوبخه الرب بالقول «فاذكر كيف أخذت وسمعت» لكنه لم يستفد. ودخلت البروتستانتية ببرودة الموت في ركابها والتي يقول الرب عنها «لم أجد أعمالك كاملة أمام الله». ويستمر هذا الدور أيضاً حتى مجي ء الرب.

وكنيسة فيلادلفيا (ومعناها المحبة الأخوية) :تمثل تلك النهضة المباركة في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر حيث تفتحت الأسفار النبوية أمام القديسين، تلتها باقي الحقائق تباعاً؛ مثل حضور الروح القدس في الكنيسة كجماعة وفي المؤمنين كأفراد، ورئاسة الرب يسوع لاجتماعات القديسين، وكهنوت المسيح الحإلى وكهنوت جميع المؤمنين، وثبات مركز المؤمن، والحق الخاص بكسر الخبز، وأيضاً مجي ء الرب لاختطاف الكنيسة، وملكه الألفي على الأرض.... إلخ. والرب مكافأة منه للأمناء على حفظهم لكلمة صبره سيحفظهم من الدخول في ساعة التجربة العتيدة أن تأتي على العالم كله لتجرب الساكنين على الأرض. وهذه التجربة هي ما نقرأه في رؤيا 13 :16،17.

وأخيراً كنيسة لاودكية (ومعناها حكم الشعب) :نجد فيها صورة للأيام الصعبة الني نحن فيها والتي لا يحتملها المسيح حيث استعيض عن المسيح الذي وحده فيه الغنى ، بأشياء لا حصر لها، مما نتح عنه قول الكبرياء والغرور «أنا غني وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء» رغم أن المسيح خارجاً! مما لا يدع مجالاً أمام الرب إلا أن يتقيأها من فمه. وهذا سيحدث عندما يأتي ليأخذ عروسه، الكنيسة الحقيقية إليه.

يمكننا أن نري في كنيسة برغامس نشأة الأرثوذكسية.

وفي كنيسة ثياتيرا نشأة البابوية.

ثم في كنيسة ساردس نري نشأة البروتستانتية.

وكنيسة فيلادلفيا تكلمنا عن النهضات الكتابية المتعددة، أبرزها حركة الإخوة.

وأخيراً نري في كنيسة اللاودكيين صورة المسيحية في دورها الأخير بتعدد البدع والتعاليم الكفرية؛ فبدع المورمون في أوائل القرن التاسع عشر، ثم جماعات العلم المسيحي ، وبدع الروحيين، ثم السبتيين الأدفنتست في منتصف القرن التاسع عشر، ثم جماعة فجر الألف سنة أو شهود يهوه في النصف الأخير من القرن التاسع عشر. ثم جماعات الملكوت، والضحك المسيحي (!) والوقوع على الأرض إدعاء ان هذا من عمل روح الله (!) وغيرها وغيرها من بدع القرن العشرين...، أليست شاهدة على ذلك. لقد أعلن بلي جراهام الواعظ الأمريكي الشهير منذ عدة سنوات أن في أمريكا الآن نحو عشرة آلاف شخص يدعي كل منهم أنه هو المسيح، فتأمل في أي عصر نحن نعيش!!

مقارنة بين صفات الرب في الكنائس السبع، وكذا وعوده للغالبين فيها

يقدم المسيح لكنيسة أفسس باعتباره الممسك السبعة الكواكب في يمينه، والماشي في وسط السبع المناير الذهبية. ومن هذا نستنتج أن أفسس من زاوية ما تمثل الكنيسة إجمالاً، فالرب هنا لا يشار بأنه ممسك أحد الكواكب، بل ممسك بها جميعاً، كما أنه ماش وسط المناير السبع تلك التي تضئ في ليل غيابه. ما أجمل أن الكواكب في يمينه، وأن الرب يمشي وسط الكنيسة. سيأتي عن قريب اليوم الذي فيه نعرف نتائج تحركات المسيح الباهرة في وسط المناير السبع!

أما وعده للغالب فإنه يتجاوب مع حالة الفشل التي ظهرت في هذه الكنيسة. لقد تركت الكنيسة محبتها الأولى ، أما من ينتصر على هذه الحالة المحزنة، فقد وُعد بالأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله. إنه شخص المسيح بهجة السماء وشبع القديس، يتمتع الغالب بالوعد بأنه سيشبع به إلى أبد الآبدين.

وأما لكنيسة سميرنا تلك الكنيسة التي كان عليها أن تواجه اضطهادات كثيرة، فإن الرب مُقدَم باعتباره «الأول والآخر الذي كان ميتاً فعاش» وما أجمل أنه من فم الذي واجه كل الأعداء حتى الموت نستمع لهذا القول «لا تخف البتة». لقد سبقنا، له المجد، في هذا السبيل ويقدر أن يعين المجربين. وهو بموته أبطل سطوة الموت ورعبه بالنسبة للمؤمنين. بهذه الصور يقدم الرب للمتألمين في سميرنا.

الغالب في هذه الكنيسة هو الذي يظل أميناً إلى الموت. والوعد له هو «لا يؤذيه الموت الثاني » ألا يتجاوب هذا الوعد مع قول الرب لتلاميذه «أقول لكم يا أحبائي لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، وبعد ذلك ليس لهم ما يفعلون أكثر» (لو12 :4).

ولكنيسة برغامس فإن الرب مقدم باعتباره «الذي له السيف الماضي ذو الحدين»، فأمام تيار البدع في هذه الكنيسة التي كانت تسكن حيث عرش الشيطان كم كانت الحاجة ماسة إلى كلمة الله التي هي أمضي من كل سيف ذي حدين (عب4 :12). والرب نفسه يشير إلى هذا السلاح عندما يقول للملاك «فتُب وإلا فإني آتيك سريعاً وأحاربهم بسيف فمي ».

أما الوعد للغالب في هذه الكنيسة، للشخص الذي غلب روح مصادقة العالم وعاش كالغريب رافضاً السكن حيث عرش الشيطان، فهو أنه بعد انتهاء سني الغربة سيعطيه الرب «من المن المخفي » كما يعده أيضاً بحصاة بيضاء؛ ولقد قيل في هذه الحصاة البيضاء أنه في الانتخابات كانوا يعطون من يريدون انتخابه حصاة بيضاء، وللاسم الذي لا يريدونه حصاة سوداء، ثم يتم في النهاية عدها لمعرفة من ارتاح له الشعب. هنا المسيح يقول إنه سيعطي حصاة بيضاء للغالب؛ دلالة على سرور الرب به واستحسانه له. وعلي الحصاة اسم مكتوب لا يعرفه غير الذي يأخذ؛ إنها علاقة شخصية وخاصة بين المسيح والمؤمن.

ولكنيسة ثياتيرا يقدم المسيح نفسه باعتباره ابن الله الذي له عينان كلهيب نار ورجلاه مثل النحاس النقي . فهو يذكرهم أنه هو ابن الله، هو أساس الكنيسة وليس بطرس (مت16 :16)، هو الابن على بيت الله (عب 3 :6)، وبهذا البيت تليق القداسة (مز93 :5). ولهذا فإنه يُقدَم هنا كمن يري كل شئ، وكمن يحكم على كل ما يخالف قداسته في بيته.

أما الوعد للغالب في هذه الكنيسة، لذلك الذي يحفظ أعمال المسيح لا أعمال إيزابل وأتباعها (ع22) فهو وعد مزدوج؛ أولاً سلطان على الأمم. لكم تاقت إيزابل أن تحكم الأمم، وتحقق لها هذا فعلاً كما سنري في أصحاح 17، لكن ما أسعد الغالب الذي وإن كان يصبر الآن لكنه سيملك معه (2تي 2 :12)، لكن الرب يعد الغالب أيضاً بشيء آخر أسبق من الملك والسطان، وأهم منهما، أعني به شخصه الكريم كرجاء حاضر «أعطيه كوكب الصبح»

ولكنيسة ساردس يقدم المسيح نفسه كمن له سبعة أرواح الله والسبعة الكواكب. فهو له كمال قوة الروح القدس، ويشير إلى هذا هنا لأن هذه الكنيسة فقدت التمتع بما للمسيح من قوة مطلقة. فخارجياً استندت هذه الكنيسة على قوة العالم لا قوة الرب في معاركهم الخارجية، وداخلياً فقدت القوة الروحية بالأنظمة الجامدة الميتة التي أنشأوها. ونلاحظ أن الرب لا يقول هنا إنه ممسك بالسبعة الكواكب، بل إنها له. وهو توبيخ مستتر لمن لم يكتفوا بأنهم في يده، وأرادوا الحماية من الآخرين.

لهذا فإنه للغالب في هذه الكنيسة؛ لكل من رفض مصادقة العالم التي هي زنا في نظر الله (يع4 :4)، يقدم الرب وعداً ثلاثياً :سيلبس ثياباً بيضاء هناك، ذاك الذي هنا حفظ ثيابه غير مدنسة بمصادقة هذا العالم. ولن يمحو الرب اسمه من سفر الحياة، حتى ولو محاه الناس من سجلات الكنائس هنا. وأخيراً سيعترف به الرب هناك، ذاك الذي لم يخجل في اتباعه هنا في الطريق الضيق، وسوف يكافئه الرب من جنس عمله(لو12 :8،9).

ولكنيسة فيلادلفيا يقدم المسيح نفسه في هذه المرة الفريدة لا في أمجاده الوظيفية، بل في صفاته الجوهرية كالقدوس الحق، وأيضاً كمن «له مفتاح داود الذي يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح». كم كان سرور الرب بهذه الجماعة حتى أنه لم يوجه إليهم أي لوم على الإطلاق. كان سلوكهم الفردي مقدساً، حتى أن القدوس لم يوبخهم على أي تصرف، وكانوا كجماعة لا يميزهم تعليم أو عقيدة، بل شخص المسيح نفسه الذي هو الحق. ثم إنهم عرفوا المسيح الذي له المفتاح؛ أي هو صاحب السلطان، فلم يعترفوا برياسة بشرية؛ رياسة أسقف أو مجمع أو سنودس، بل خضعوا لرياسة المسيح وحده صاحب السلطان. ففي سلوكهم عرفوه كالقدوس، وفي عبادتهم عرفوه كالحق، وفي تدبيرهم عرفوه كصاحب السلطان. وذاك الذي يفتح ولا أحد يغلق جعل أمامهم باباً مفتوحاً؛ ففتح البلاد أمامهم للتبشير، وفتح الكتاب أمامهم لمعرفة الحق وتطبيقه. فلم يكن يهمهم فقط قيادة الهالكين إلى المخلص، بل أيضاً قيادة المخلصين إلى هذا الكنز الثمين الذي هو كلمة الله.

لهذا فإن الوعد لهذه الجماعة ليس وعداً ثنائياً كوعده للغالبين في ثياتيرا، ولا حتى ثلاثياً كوعده للغالبين في ساردس، بل هو وعد خماسي لهذه الجماعة العزيزة على قلبه. فذاك الذي ما ادعي القوة في نفسه، بل كانت له قوة يسيرة، يعده الرب أن يجعله عموداً؛ ليس عموداً في أي مكان، بل في هيكل إلهي . وذاك الذي تميزت حياته على الأرض هنا بالخروج خارج المحلة يعده بأن لا يعود يخرج إلى خارج. وبعد ذلك يكتب عليه ثلاثة أسماء غالية وعزيزة «اسم إلهي » وأيضاً «اسم مدينة إلهي أورشليم الجديدة النازلة من السماء من عند إلهي » وأيضاً «اسمي الجديد».

وأخيراً يقدم المسيح نفسه لكنيسة اللاودكيين باعتباره الآمين، الشاهد الأمين الصادق، بداءة خليقة الله. فما أجمل أننا وقد وصلنا إلى آخر كنيسة؛ الدور الأخير للكنيسة على الأرض، أن نستمع إلى قول المسيح عن نفسه إنه هو الآمين، ومهما كانت مواعيد الله فهو فيه النعم وفيه الآمين لمجد الله (2كو1 :20). وما أجمل أنه في مشهد فشل الكنيسة وعدم أمانتها، نسمع عن المسيح أنه هو الشاهد الأمين الصادق. ثم يقول «بداءة خليقة الله» الذي عندما فشلت الخليقة بواسطة آدم، نجحت مسرة الرب بيده، ولابد أن تنجح دائماً.

ويأتي الوعد للغالب في هذه الكنيسة، الذي يغلب حالة الفتور واللامبالاة، حالة الاستغناء عن المسيح والدوران حول الذات والمشغولية بها، والذي يفتح قلبه للمسيح كيما يتربع على عرش القلب في أثناء رفض الجميع للمسيح. نعم يعده المسيح بأن يجلس معه في عرشه كما غلب هو وجلس مع أبيه في عرشه.

ألا هل نلبي نداء السيد ونفتح له القلب في زمان رفض الناس له كي ما نجلس معه على عرش الظفر؟!

وهل نحيا أمناء له حاملين عاره الآن، لنتأهل قريبا لثقل أمجاده؟!
صداقة القديسين

Copyright ©2005 marnarsay.com