أوريجانوس الشخصية المثيرة للجدل

حياته:
ولد حوالي عام 185 م من عائلة مسيحية صالحة، وقد أظهَرَ منذُ حداثته اهتماماً بالغاً بالدين. مات أبوه شهيداً عام 202/203 م. تحت اضطهاد الإمبراطور "سيبتّيموس سيفيروس".

أصبح مديرا لمدرسة الإسكندرية المسيحية وهو في سن الثامنة عشرة بعد أن عينه البابا ديميتريوس الأول (البطريرك الـ 12) رئيسا لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية خلفا لأكليمنضس الإسكندري.

فى حوالي سنة 228- 230. أرسله البابا ديميتريوس إلى (أخائية) ببلاد اليونان ليقاوم الهراطقة الذين أقلقوا راحة الكنيسة، ولما مر بفلسطين عند رجوعه أقنعه" ثيوكتيستوس" أسقف قيصرية بالاشتراك مع "اسكندر" أسقف أورشليم بضرورة رسامته كاهناً.. ويبدو أن أوريجانوس كان بسيط القلب فأقتنع بكلامهما وارتضى أن يقبل منهما درجة القسيسية وهو في سن 43- 45 من عمره.

غير أن "ديميتريوس" البابا الإسكندري اعتبر هذه السيامة تعديا على حقوقه. ومن ذلك الحين بدأ سوء التفاهم يجد مكانا بين أوريجانوس والبطريرك وتسبب ذلك في مشكلة كبيرة وصلت أصداؤها حتى روما، بسبب قبوله الدرجة الكهنوتية دون إذنٍ مُسبَق من أسقفهِ "ديميتريوس"، وعقد مجمعا بالإسكندرية سنة 231م حكم فيه بنفي أوريجانوس وبحرمه لأنه رسم من أسقفين غير تابعين للكرازة المرقسية ولأنه خصى نفسه الأمر الذى بالغ أوريجانوس في كتمانه وقد ساعده البطريرك على ذلك ولكنه اضطر إلى إشهاره رغما عنه ثم أرسل خطابات إلى جميع الكنائس يعلمها بحكمه على أوريجانوس.
وقد ثبَّت البابا "بونتيانوس" هذا التدبير، خاصة أن أوريجانوس كان قد ارتكب خطأً فادحاً بخَصْي ذاتهِ، مُفَسراً بشكل حرفي ما ورد في مت 19/12. لكن من المحتمل أن هناك أسباباً أبعد من ذلك، تتعلَّقُ بصحة تعليمهِ.

أما أوريجانوس فمع كونه عرف أن هذا الحكم في غاية القساوة إلا انه تدارك الأمر بحكمته ولم يشأ أن يمكث في الإسكندرية ليوسع هذا الخلاف بل غادرها ولم يعد إليها مرة أخرى .. وكان قد أكمل القسم الخامس من كتابة في إنجيل القديس يوحنا ففزع إلى قيصرية .. وفى تلك الأثناء عقد مجمع آخر في الإسكندرية وفحص كتاب "المبادئ" وحكم بأنه هرطوقي وحرم مؤلفه ...

ولما وصل "أوريجانوس" إلى فلسطين استقبل فيها استقبال القائد المنتصر فأستاء البابا "ديميتريوس" من كثرة تعدى أساقفة تلك الجهة على حقوقه .. ولحق به "أمبروسيوس" وعائلته وتبعه كثيرون من طلاب العلم ولهذا عزم على فتح مدرسة في قيصرية فلسطين يعلم فيها تفسير الكتاب المقدس حيث باشر بتأسيس مدرسة لاهوتية على شاكلة تلك التي كان عمل بها في الإسكندرية، بمساعدة صديقهِ "أمبروسيوس" الذي كان غنوصياً قد اهتدى إلى الإيمان. وأمضى "أوريجانوس" الباقي من حياتهِ هناك حيث علَّم ووعظ. وأكمل في تلك المدينة المذكورة تفسيره لإنجيل يوحنا.

خلال اضطهاد الإمبراطور "داسيوس" (249 ـ 251 م) سُجِنَ وعُذِّبَ بسبب الإيمان، ثم خرج حياً لكن لم بعش طويلاً ورقد حوالي عام 253- 254م تقريباً.

حرم أوريجانوس:

تم حرم "أوريجانوس" بواسطة البابا "ديميتريوس"، في أوائل القرن الثالث وتأكد حرمه أيضا في عهد البابا "ثاؤفيلس" البابا الثالث والعشرين، في أواخر القرن الرابع وتحمس لذلك قديسون كثيرون في القرنين الرابع والخامس منهم القديس "إبيفانيوس أسقف قبرص"، ثم "القديس جيروم" الذى كان من محبيه في البدء.

كانت هناك أعمال لجيروم منها قاموس الأسماء الكتابية والأصول اللغوية وتفسيرات كتابية اعتمد فيها بشكل كبير على "أوريجانوس" رغم أنهُ وقف ضدّه في الأمور العقائدية.
لم ترفع الحرومات عن "أوريجانوس". والكنائس الأرثوذكسية البيزنطية حرمت كل تعاليمه في مجمعيها الخامس والسادس.

كتاباته:

لم تشهَد المسيحية في تاريخها رجلاً غزير الإنتاج نظير "أوريجانوس". فقد طرق كل المجالات الفكرية من شرح للكتاب المقدس وتفسير العقائد ودحض البدع. فـ "أبيفانوس" أسقف سلمين ينسب إليهِ ستة آلاف مجلّد و "أوسابيوس" ألفين. بيد أن هذه الأرقام الخيالية تبقى موضوع تساؤل.

من أهم كتبهِ في شرح الكتاب المقدس "السداسي" و"السخولية" و"الفيلوكالية". أما في مجال الدفاع عن الإيمان فلدينا "الرد على كِلس". في الحقل العقائدي تفرَّد "أوريجانوس" في مؤلفاتهِ وكان أول لاهوتي أقحم الفكر المسيحي في قالبٍ منهجي منظَّم فترك لنا "الحوار مع هراقليذس" و"حول القيامة "و "كتاب البسط".
وهنالك كتابات أخرى لأوريجانوس مثل: "رسالة في التحريض على الاستشهاد" يدعو فيها كل مسيحي إلى التمسُّك بإيمانهِ حتى ولو أدى ذلك للاستشهاد، و"رسالة إلى تلميذه غريغوريوس العجائبي" يحثه فيها على الأخذ من الفلسفة اليونانية بما هو مفيد للمسيحية، مع التشديد على أولية الأسفار المقدسة كمرجع أول لك مسيحي، و"رسالة إلى يوليوس الأفريقي" وهي دراسة عن قانونية بعض الفصول اليونانية من سفر دانيال النبي.

تعاليمه:

تأثر" أوريجانوس" بالفلسفة الأفلاطونية فاستعارَ تحديد "أفلاطون" للكائن البشري المركَّب من ثلاثة عناصر، الجسد والنفس والروح، وطبَّقه على تفسير الكتاب المقدس بقولهِ أن للكتاب ثلاثة مفاهيم: المفهوم الحرفي والمفهوم الأخلاقي والمفهوم الروحي. وقد كان" أوريجانوس" أول من ابتكر علم التأويل والإستعارة محمّلاً النصوص الكتابية أبعاداً ورموزاً جديدة لا مثيل لها.

بالنسبة للعقيدة الثالوثية فقد شدَّد على المساواة بين الآب والابن لكنه كان يعتبر الروح القدس أدنى مرتبة من الابن. لا شك أن هذا يخالف العقيدة المسيحية كما أعلنت في المجامع المسكونية، لكن لا يغب عن بالنا بأن العقيدة المسيحية كانت في تلك الآونة تتلمَّس طريقها لتجد صيغة تسبك فيها الأسرار المسيحية على أساس سليم.

في مجال علم المسيح (الكريستولوجي) فقد ابتكر "أوريجانوس" مصطلحات ما نزال نستعملها في أيامنا هذه مثل "طبيعة" و "جوهر" و "مساوٍ في الجوهر" و "إله ـ إنسان". وقد لعبت هذه العبارات في النقاشات اللاهوتية دوراً مهمّاً خلال القرنين الرابع والخامس الميلادي.

من التعاليم الجديدة التي أنشأها "أوريجانوس" هي فكرة "الإصلاح النهائي الشامل". فهو يقول بأن الشرَّ بما أنه عنصر من عناصر العالم فهو زائل لا محالة، ولذلك فإن العالم مدعو برمتهِ إلى الخلاص الشامل. هذه النظرية مرتبطة بنظرية الوجود السابق للنفس، ككائن روحي، حكم عليها أن تعيش في الجسد كعقاب لها على خطيئة ارتكبتها. فالإصلاح النهائي هو إذاً إعادة الصورة القديمة للنفس إلى أصلها بمعونة المسيح مخلص العالم. لم تقبل الكنيسة هذا التعليم وشجبته في المجمع المسكوني الخامس (القسطنيطينية الثاني) وحكمت على أتباعهِ.

وفاته:

فيما بين 249 م - 251 م أثار الإمبراطور داسيوس الإضطهاد ضد المسيحيين فألقوا القبض على أوريجانوس وعذبوه تعذيبا شديداً فوضعوا طوق حديدي في يده وربطت قدماه في المقطرة، وضربوه فاحتمل الآلام في شجاعة منقطعة النظير ثم أطلق سراحه بعد ذلك.

وفى عام 254 م مات بعد فترة قصيرة متأثراً بآلامه وجراحاته وكان قد بلغ من العمر 69سنة وقد أرسل له البابا ديونسيوس البطريرك الـ 14 رسالة عن الاستشهاد يشجعه فيها على احتمال المشقات وأظهر تعاطفه معه.

المصادر:
موسوعة ويكيبديا العربية
http://ar.wikipedia.org/
الموسوعة العربية المسيحية
http://www.christusrex.org/

عن شبكة القديس سيرافيم ساروف الأرثوذكسية > القسم الديني > منتدى المسكونيات والتاريخ الكنسي

  العودة الى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com