|
الذبائح في سفر اللاويّين
إنّ سفر اللاويّين هو امتداد لوصايا الله العشْر، وانعكاس لروح
الأنبياء الذين ما برِحوا يذكّرون الشعب بمتطلّبات الله على
مستوى الأخلاق. غيرَ أنّ الكتاب ليس مقالةً في الأخلاقيّات،
رغم ما نقرأه في الفصول (18-26)، وليس خُطبة نبويّة رغم ما
نقرأه في الفصل (26)، وليس قانونًا وشريعة، بل هو كتاب يحتوي
القواعدَ المتّبعة لممارسة الطقوس، كالاحتفال بالعيد (23: 1
ي)، وشريعةِ الطُهر (14: 1 ي) والتكفير (16: 1 ي) وتنصيبِ
الكهنة (ف 8-9) وشريعةِ تقدمة الذبائح (ف 1-7). سنتوقّف عند
هذه الأخيرة فنذكر أنواعها بحسب التقليد الكهنوتيّ.
1- المُحرقة
هي ذبيحة قديمة في إسرائيل: تُحرق الضحيةُ كلُّها على المذبح
(ما عدا جلدها) فتعبّر عن عطاء الانسان الكامل لله فلا يستردُّ
شيئًا من عطائه. نجد ما يقابل المحرقة عند أهل أوغاريت
واليونان، لا عند سائر الساميّين ولا عند البابليّين. دخلت
مصرَ مع الملوكِ الرُعاة (الهكسوس 1700- 1600 ق. م)، ولكنّها
ظلّت غريبةً عن الشعب. مارس بنو إسرائيل هذا النوع من الذبيحة
فأعطاها سفرُ القضاة (19:6 ي؛ 19:13 ي) المَقام الأوّل،
ومارسها المؤمنون ليشكروا لله حضورَه بينَهم بطريقة ظاهرة. هي
ذبيحة "علة" (في العبريّة) أي ذبيحة رفيعة (راجع علا في
العربيّة) تُرفع على المذبح فيرتفع دخانها جامعًا المؤمن
بربّه. كانت المحرقة في القديم مجرَّدَ ذبيحة (تك 8: 20؛ قض
11: 31؛ 1 صم 6: 15)، ثم أخذت قيمةً تكفيريّة في سفر اللاويّين
(1: 1 ي). وبما أنّها ستحرق سميت وقيدة (اشة في العبريّة)
لأنّها توضع على الموقد فتحرق.
2- ذبيحة السلامة (3: 1 ي)
تسمّى أيضًا ذبيحةَ العهد، وذبيحةَ الاتّصال بالله والاتّحاد
به (بعد أن أعطانا سلامه)، وذبيحةَ التمام والكمال. إسمها في
العبريّة "ذبح" (راجع في العربيّة ذبح) "شلاميم" (راجع في
العربيّة السلام). قال بعض الشرّاح إنّ هذه الذبيحة تربط بين
الله والشعب، وتربط بين أفراد الشعب. وألمحَ الآخرون الى فكرة
كمال الذبيحة التي تعبّر عن فرح المؤمنين بسبب البركة التي
أخذوها عن المذبح. في أوغاريت كلمة "شليم " (الجمع) تدلّ على
هديّة مُرسلة كعُربون للسلام، أمّا المفرد "شلم" فهو سائل
يُسكب على الأرض ليؤمّن الخصب لها.
"ذبح" تعني نحْرَ كل حيوان للأكل. كان الحيوان يُنْحر على
المذبح الذي كان مجرّدَ حجر (1 صم 33:14) قبل أن يُرفع حسب
الأصول. كان الكاهن يسفُك الدم على الأرض، كما في "شليم"
أوغاريت، وكان الناس يأكلون اللحمَ فيدلّون على اتّحادهم بالله
واتّحادهم بعضِهم ببعض. ولما تركّزت العبادةُ في هيكل أورشليم،
صار تمييز بين ما يذبح للطعام، وما يذبح للولائم المقدسة.
كانت ذبيحة السلامة تقسم إلى ثلاثة أقسام: الشحم يحرق على
المذبح إكرامًا لله، قسمٌ من اللحم يأخذه الكهنة، وقسمٌ آخر
يأكله مقدِّم الذبيحة مع الأهل والأقارب والأصحاب. هذه الذبيحة
عرفها أهل أوغاريت واليونان، فكانت وليمةَ عيد بحسب سفر
التثنية (12: 1ي) الذي حدّد شروطَ الاشتراك فيها. أمّا سفرُ
اللاويّين (7: 1ي) فلم يُولها الاهتمامَ اللازم بسبب ما رافق
الاحتفال بها من فِسق وأعمال إباحيّة في زمن الملوك.
كانت الذبيحة المحرقة تقام في مناسبة من المناسبات، أمّا
ذبيحةُ السلامة فهي ذبيحة الأعياد الكبرى، وستطغى على سائر
طقوس الأعياد التي يحُجّ فيه بنو إسرائيل معابدَهم.
3- التقدمة (2: 1 ي؛ 6: 7- 11)
إسمُها في العبريّة "منحة" (راجع في العربية منح اي أعطى) وهي
تدلّ على الهديّة التي يقدّمها الصغير الى الكبير. في التقليد
الكهنوتيّ، "منحة" هي كلّ تقدمة تؤكل، وليست لحمَ حيوان. ولهذا
تكون من الحِنطة أو من بواكير ثمار الأرض، فتخصَّص للكهنة،
ويؤخذ منها عِينة لتحرق على المذبح.
المحرقة وذبيحة السلامة يمارسهما البدو الرحّل، أمّا التقدمة
فيمارسها الحَضَرُ المقيمون في مكان من الأمكنة. يقدّمون
قُربانهم من محاصيل الحقول، فيمزجون قسمًا منها بالزيت،
ويحرقونه إكرامًا للرب. هل كان الكاهن يملأ وعاء (راجع الزكرة
في العربيّة) فيكونَ له بمثابة مِكيال، فيكيلَ به الحنطة أو
غيرَها، أم كان يطلب الى الرب أن يذكره (أزكره في العبريّة)
ولا ينساه، فنسمعه يبدأ صلاته بهذه الكلمات: أريد أن أذكر (رج
تث 26: 1 ي )؟
4- ذبيحة الخطيئة
(راجع في العبرّية "حطا" 4: 1-5؛ 6: 17-23)
تهدَف كذبيحة الاثم التي سنذكرها الى إعادة العلاقات بالله،
بعد أن انقطعت بفعل خطيئة الإنسان، ولهذا نميّزها بصعوبة عن
ذبيحة الإثم. ولقد تساءل الباحثون: هل نحن أمام ذبيحة واحدة
عُرفت باسمَين مُترادفَين في المعنى، أم نحن أمام ذبيحتين
مختلفتين أصلاً، امتزجت الواحدةُ بالأخرى، فلم يعد الكهنة
يفرّقون بينهما.
في هذه الذبيحة تتنوّع الضحيّة بحسب صفة الخاطىء ووسائله
الماديّة. فيها يلعب الدم الدورَ الأهمّ، لأنّه يُرشّ فيغفر
الخطايا، أمّا الشحم فيُحرق على المذبح كما في المحرقة، وأمّا
اللحم فحصّة الكهنة. هذه الذبيحة لا تمحو الخطايا المتعمّدة،
بل خطايا السَهو والنسيان.
5- ذبيحة الإثم
(راجع في العبريّة "اشم " 5: 14-16، 7: 1-6)
هي ذبيحة تكفير تدلّ على أنّ الإنسان مسؤول عن خطيئته، وأنّه
يتحمّل تَبِعتها. نحن أمام خطايا السَهو التي فيها يتعدّى
الإنسان، لا على الوصيّة المتعلّقة بالقريب، بل على تلك
المتعلقةِ بالله. هذه الذبيحة معروفة عند سائر الساميّين،
وكانت تقوم بأن يدفع المذنب (في فينيقيا، في الجزيرة العربيّة)
غَرامة نقديّة. غير أنّ بني إسرائيل زادوا على هذه الغرامة
ذبيحة يقدّمها المؤمنون مقرّين بخطاياهم (5: 5)
6- ملاحظات حول الذبائح
الملاحظة الأولى: في البداية لم تكن ذبيحة الفصح ذبيحةً تقام
في الهيكل، بل ذبيحةً يحتفلون بها في إطار عائلي. غير أنّ
المشترع سيفرض بعد إصلاح الملك يوشيّا (621 ق. م) أن يُذبح
الخروف في الهيكل، ويسيلَ دمه على المذبح.
الملاحظة الثانية: تعني كلمة "قربان" (قربن في العبريّة 25: 12
، 13) التقدمةَ (أو الحيوان) التي نحملها الى الهيكل ونقرّبها
على المذبح. أما في المعنى الحصريّ فالقربانُ هو ما يقدّمه
المؤمنون لصيانة الهيكل. من هذا القَبيل يختلف "القربان" عن "
الأقداس " (5: 15) التي هي تقدمة تقوم بأَوَد حياةِ موظّفي
الهيكل، وعن "قُدْس الاقداس" الذي هو تقدمة مقدّسة كلَّ
التقديس (2: 3) ومختصّة بالكهنة دون سواهم.
الملاحظة الثالثة: إنّ ما يُرع من الذبيحة (ترومه في العبريّة.
راجع رام في العربيّة) هو حصة الكاهن الذي يحتفل بالذبيحة (7:
14، 32)، وما يحرّك منها (تنوفة في العبريّة، راجع في العربيّة
ناف) فهو حصّة الكهنة جميعًا (7: 35-34).
الملاحظة الرابعة: في الزمن اللاحق للجلاء كانوا يقدّمون
البخور (راجع "قطرت" في العبريّة، في العربيّة قتر اللحم أو
البخور: سطعت رائحته) فترتفع رائحته الى الرب. هناك رأي يقول
إنّ البخور دخل الى هيكل أورشليم بتأثير من العبادة البابليّة،
ورأي آخر يعتبر أنّ البخور جاء من مصر الى أرض كنعان قبل إقامة
بني إسرائيل فيها. ومما يكن من أمر فنحن لا نرى استعمال البخور
في شعائر العبادة كما كان يفعل الكهنة (رج 2 اخ 26: 16) قبل
رجوع بني إسرائيل من الجلاء.
الملاحظة الخامسة: إذا اطّلعنا على شعائر الديانات، رأينا في
الذبائح محاولةً للاتصال بالله بطريقة قويّة وثابتة. ولهذا
فدارسو الديانات ينظرون الى الذبائح من وُجُهات ثلاث. الذبيحة
هي عطيّة الإنسان لله، الذبيحة هي علّة اتحاد الانسان بالله،
الذبيحة تكفّر عن الخطايا وتلتمس الغفران والذبائح. في بني
إسرائيل تتضمّن الذبائح هذه الوُجهات الثلاث.
الملاحظة السادسة: إنّ سفر اللاويّين سينظّم كلّ أنواع الذبائح
حول فكرة الخطيئة والتكفير والغفران، دون أن ينسى جوّ الفرح
الذي يطبع بطابَعه أعيادَ الجماعة. لا شكّ أنّ عظمة الذبيحة في
بني إسرائيل بما فيها من تجرّد عن خير نقدّمه للرب، ومن تكفير
عن خطيئة أقترفناها. إلاّ أنّ سفر اللاويّين سيطلب من المؤمنين
أكثر من عمل خارجيّ. سيطلب منهم رجوعًا الى الرب وعطاء الذات،
تعبّر عنه الذبيحة أفضلَ تعبير. وهذا واضح من كلام الرب القائل
إنّه ليس بحاجة الى رائحة تُريحه، أو طعام يقتات به. "إن جعت
فلا أخبرك، فلي العالم وكلُّ ما فيه. أنا لا آكل لحم الثيران،ً
ولا أشرب دمَ التُيوس. فليكن الحمدُ ذبيحتَك لي " (مز 50:
12-14)، لأنّ القلب المتخشعّ المتواضع لا يرذله الله (مز 51:
19)، ولأنّ "الربّ يريد رحمة لا ذبيحة" ويفضّل معرفة الناس لته
على تقدمتهم المحرقاتِ له (عد 6: 6).
الملاحظة السابعة: إنّ الذبيحة في العهد القديم أخذت بغنى
ذبائح الأمم الوثنيّة، وألّفت منها مجموعة على ضوء معرفة الشعب
لله الواحد. وإنّ الذبيحة في العهد الجديد ستأخذ بغِنى ذبائح
العهد القديم، لتُدخلها في نِظْرةٍ يكون المسيح محورَها.
فذبيحة الإفخارستيّا هي ذبيحة شكر على مثال المحرقة التي
نرفعها الى الرب. وهي مشاركة في حياة المسيح عبرَ شكلَي الخبز
والخمر، كما في ذبيحة السلامة. وهي ذبيحة تكفير للخطايا، حيث
الضحية هي يسوع المسيح ذاتُه. نجد التقدمة عندما نقرّب الخبز
والخمر، ونفهم أنّ الذبيحة الدمويّة تمّت مرّةً واحدة، وصارت
تعاد ذبيحةً غيرَ دمويّة في القداس، لتجعل جميع الأجيال حاضرين
ذبيحة المسيح الوحيدة التي تُشْركهم في آلامه وموته، بانتظار
أن تشركهم في قيامته.
ج- الكهنوت في سفر اللاويّين
هناك ثلاثُ صور عن الكهنة في العهد القديم: الصورةُ الأولى
صورة كهنوتيّة، تتحدّث عن الكهنة بني لاوي؟ الصورةُ الثانية
صورة اشتراعيّة، تتحدّث عن الكهنة اللاويّين، الصورةُ الثالثة
نقرأها في سفر حزقيال (44: 15)، وهي تتحدّث عن الكهنة
اللاويّين الذين هم أبناء صادوق. والنتيجة: اللاويّون هم كلّهم
كهنة، أو اللاويّون المتحدّرون فقط من هارون هم كهنة، أو
اللاويّون المتحدّرون فقط من صادوق هم كهنة.
في بداية تاريخ الشعب العبريّ، كان الآباء (إبراهيم، إسحق...)
كهنةً في قبائلهم، وكان كلّ ربّ بيت كاهنًا لبيته. فلقد بنى
إبرام (تك 8:12؛ 22: 9 راجع عن نوح 8: 20) وإسحق (تك 26: 25)
ويعقوب (35: 7) المذابح، وقدّموا عليها ذبائحهم للرب. وإذ
نرافق تنقّلات الآباء عبرَ كنعان، نلاحظ أنّهم كانوا يبنون
مذبحًا حيث يحلّون، ويسمّونه باسم الرب: بيتَ إيل، فنوئيل...
هذا عند بني إسرائيل، أمّا في الخارج، فملكيصادق هو كاهنُ الله
العليّ (تك 14: 18)، ويتْرو حَمو موسى، هو كاهن بني مديان، وقد
قدّم لرب شعب إسرائيل محرقاتٍ وذبائح (خر 18: 1، 12). وعلى
مثال حَمِيه يفعل موسى في شعبه، فيصعدُ إلى الجبل (خر 19: 24)
تاركًا الكهنة والشعب بعيدين عن الربّ. بحسب الكتاب يبدو موسى
أعظمَ كاهن في تاريخ الشعب (خر 19: 14؛ مز 99: 6). فعلاقته
بالرب علاقةٌ حميمة، وهو يراه وجهًا لوجه. هو الوسيط الوحيد
بيت الله وشعبه، يحمل إليهم توصياتِ الله، ويرفع إليه طلباتِ
شعبه، وهو الذي يضع نظام الذبائح وكلّ ما يتعلّق بها.
كان الأمر في بني إسرائيل كما كان في باقي الشعوب، حيث الملوكُ
هم الكهنة الأوّلون. وكانوا ينتدبون من قِبَلهم من يقوم بهذه
المهمّة عنهم. فلقد قدّم الملك داود (2 صم 24: 25) وسليمان (1
مل 3: 15) وآحاز (2 مل 13:16) ذبائحَ للرب، واعتبر أدونيا بنُ
داود (1 مل 1: 9) أنّه إن قدّم ذبيحة حُقَّ له العرش. ويَروي
الكتاب أنّ بني داود كانوا كهنةً باسم والدهم (2 صم 8: 18)،
وأنّ زبود بنَ ناثان النبي وصديقَ الملك، كان كاهنًا (1 مل 4:
1-6).
كان كلّ ربّ بيت كاهنًا لأسرته، وكان يجعل أحد أبنائه كاهنًا
بعده. هذا ما فعله داود الملك كما ذكرنا، وميخا الإفرائيميّ (
قض 17: 15). ولكنّ الناس أخذوا يفضّلون أن يكون الكاهن من بني
لاوي. وهذا ما فعله ميخا عندما قال للاوي: "كن عندي أبًا
وكاهنًا" (قض 10:17).
إنّ العلاقة بين الكهنوت وقبيلة لاوي أمرٌ متشعّب، وما زال
موضوعَ جدال. ففي وقت من الأوقات لم يكن شيء يميّز قبيلةَ لاوي
عن سائر القبائل (تك 34: 30؛ 49: 5)، ولكن عندما نقرأ سفر
التثنية (8:33- 11) نفهم أنّها صارت فئةً كهنوتيّة، وإن ظلّ
اسمُها يذكر مع سائر القبائل. هل اهتمّ اللاويّون بالمعبد
وآنيته، لأنّ موسى كان من بني لاوي ، فارتبطوا بالعمل
الكهنوتيّ؟
كانت أسرة عالي أسرةً كهنوتيّة خدمت في مصر، قبل أن تخدم تابوت
العهد في شِيلو (1 صم 27:2-36)، لكنّ النكبة ستَحلّ بها يوم
سقط حفني وفنحاس، ابنا عالي (1 صم 4: 10 ي)، واخذ تابوت الله.
وكان بيت أَحيطوب كهنةً في نوب، فأمر شاول بقتلهم. لم يشأ
عبيده أن يمدّوا إليهم يدًا، فقتلهم دُوئج الأدوميّ، ولم ينجُ
منهم إلاّ أبياتارُ الذي كان كاهنًا في زمن داود (1 صم 22:
11-23). يبدو أنّ كهنة نُوب هؤلاءِ تركوا شيلو التي دمّرها
الفلسطيون بعد معركة أفيق (1 صم 4: 1 ي ). ولهذا ربطهم
الشُرّاح بسلالة عالي.
أقام داود لنفسه كاهنين، هما أبياتارُ الذي ذكرناه، ثم صادوقُ
الذي كان كاهنًا في يبوس (اي أورشليم)، وبقي كاهنًا بعد أنِ
احتلّ داود مدينة اليبّوسيّين. ولمّا تمّ الانقلاب الذي صار
سليمان بموجبه ملكًا، رُفع صادوقُ الذي ناصره، وأُرسل أبياتار
الى المنفى، إلى عناتوت (أيكون إرميا من نسل أبياتار؟ رج ار 1:
1)، لأنّه ناصر أدونيّا. وهكذا سيصبح كل كهنة أورشليم من نسل
صادوق، منذ عهد سليمان الى الجلاء.
أمّا بعد الجلاء، فيذكر تقليد كهنوتيّ دوّن في سفر العدد
(13:25) أنّ الله أقام عهدًا كهنوتيًّا دائمًا مع فنحاسَ بنِ
ألعازارَ بنِ هارون الكاهن. وألعازار هذا كان بكرَ ابنَي
هارونَ اللذين بقيا له، بعد أن قُتل بِكراه أبيهو وناداب، ومنه
تحدّر الصادوقيّون، كما يقول سفر أخبار الأيّام الأولى (24:
3). ورغم أنّ التقليد الكهنوتيّ يسمّي الكهنةَ أبناءَ هارون،
فسفر الأخبار يَعزُو إلى داود أنّه جعل ثلثَي الكهنة من نسل
صادوقَ بنِ ألعازار، والثلثَ الباقيَ من نسل إيتامار أصغرِ
أبناء هارون (1 أخ 24: 4). بالإضافة الى ذلك، ستكون رئاسة
الكهنة لأبناء صادوق الى زمن أونيا الثالث (175 ق. م).
قبل إصلاح يوشيّا كانت الحالة كما يلي: كان اللاويّون كهنة في
الجنوب ، وكان في الشمال كهنةٌ غيرُ لاويّين. فكان أبناء جرشوم
في دان (قض 18: 30) وأبناءُ هارون في بيتَ إيل (راجع خبر العجل
الذهبي وعلاقة هارون به؛ خر 32: 1ي، 1 مل 12: 28-29). وعندما
قام يوشيّا بإصلاحه الشهير جاء إلى أورشليم بالكهنة اللاويّين
المقيمين في الجنوب، وهذا ما جعل سفر التثنية يقول بالمعادلة
بين الكهنة واللاويّين. ولكن كيف يمكن أن يُجعل اللاويّون على
قدَم المساواة مع الكهنة أبناءِ صادوق، وهم المسؤولون عن كل
عبادة وثنيّة خارج أورشليم (حز 44: 4-12)؟ لهذا سلّمت إليهم
وإلى الكهنة الآتين من المناطق الأعمالُ الوضيعة في الهيكل،
كقطع الحطب وجلب النار.. تلك هي مكانة بني لاوي، كما ترشّح من
سفر اللاويّين (8: 1 ي ) وسفر العدد (18: 2-7) وسفر الأخبار:
تنظيمُ الخدمة المقدّسة في الهيكل. أمّا الكهنة فسيلعبون دورًا
مهمًّا في حياة الشعب، فيصبح رئيسهم الرئيسَ الفعليّ للبلاد،
فيرتدي الملابس الملَكيّة (8: 9) ويُمسح كالملك بالزيت المقدّس
(8: 12)، بانتظار أن يتّخذ لقبَ الملك (2 مك 1: 10)، كما فعل
أرسطو بولس في نهاية القرن الثاني ق. م.
مؤلفات الخوري بولس فيغالي
|