|
من المتفق عليه عالمياً بين المسيحيين – مع بعض الاستثناءات القليلة –
أن المسيح صُلب يوم الجمعة، وقام من الأموات يوم الأحد التالي له
مباشرة.
وعلى هذا يدّعي المعترض أن المسيح ظل في القبر يوماً واحداً هو يوم
السبت، فتكون المدة التي قضاها في القبر ليلتين فقط ( ليلتي الجمعة
والسبت ). وبهذا يحاول المعترض أن يدحض آية يونان بالنسبة لعامل الزمن
الذي ذكره المسيح. ويقول : نكتشف أيضاً أنه قد أُخفق في إنجاز عامل
الزمن. إن أكبر المتخصصين في الرياضيات في العالم المسيحي سيُخفقون في
الحصول على النتيجة المطلوبة، أي ثلاثة أيام وثلاث ليال ( ص 10 ).
و المعترض هنا مع الأسف يتغاضى عن الفرق الكبير بين الحديث باللغة
العبرية في القرن الأول والطريقة الإنجليزية للحديث في القرن العشرين.
ولقد اكتشفنا أنه يميل دائماً إلى تكرار هذا الخطأ عندما يتعرض لتحليل
المواضيع الكتابية. وقد فشل المعترض في التعرُّف على ما كان يحدث منذ
حوالي ألفي عام، فإن اليهود كانوا وقتئذ ( عند الحديث عن فترات زمنية
متتابعة ) يحسبون أي جزء من اليوم كأنه يوم كامل. وبما أن المسيح دُفن
يوم الجمة، فإنه بقى في القبر طيلة يوم السبت، وقام في وقت ما قبل شروق
يوم الأحد. ( طبقاً للتقويم اليهودي كان يوم الأحد قد بدأ رسمياً عند
غروب يوم السبت ). فلا شك إذاً أنه ظل داخل القبر ثلاثة أيام. إن جهل
المعترض بطريقة اليهود في احتساب فترات النهار والليل، وطريقة الحديث
المعاصرة للمسيح، تجعله يقع في خطأ خطير في تفسير قول المسيح. ويستمر
في الوقوع في الخطأ عينه بالنسبة لنبوة المسيح أيضاً فيما يختص ببقائه
في القبر ثلاث ليال.
ولا يستعمل متكلمو اللغة الإنجليزية في القرن العشرين تعبير ثلاثة أيام
وثلاث ليال وبناءً على ذلك يجب أن نبحث عن معنى هذا التعبير كما كان
يستعمل في اللغة العبري في القرن الأول الميلادي.
إن الذين يتكلمون اللغة الإنجليزية في القرن العشرين لا يتكلمون بتاتاً
بطريقة النهار والليل . فإذا أراد شخص أن يتغيب أسبوعين مثلاً فإنه
يقول أسبوعين أو أربعة عشر يوماً . ولم أسمع أي شخص يتكلم الإنجليزية
يقول إنه سيتغيب أربعة عشر يوماً وأربع عشر ليلة . ولكن هذا كان أسلوب
الحديث باللغة العبرية وقتها. وبناءً على ذلك يجب أن نكون على حذر من
البداية. فإذا كنا لا نستعمل هذا الأسلوب من التعبير، فلا يمكن أن
نستنتج أن المعنى في الزمن الغابر يكون هو نفس المعنى الذي نقصده
اليوم. يجب إذاً أن نبحث عن معنى نبوّة المسيح في ظل العصر الذي قيلت
النبوّة فيه. ويجب أن نشير أيضاً إلى أن أسلوب التعبير كما كان
مستعملاً في اللغة العبرية زمن المسيح. فقد كان عدد الأيام عندهم يساوي
عدد الليالي. فمثلاً يقول: وَكَانَ مُوسَى فِي الْجَبَلِ أَرْبَعِينَ
نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً ( خروج 18:24 ). ويقول: فَكَانَ
يُونَانُ فِي جَوْفِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ. (
يونان 17:1 ) ويقول: وَقَعَدُوا مَعَهُ عَلَى الأَرْضِ سَبْعَةَ
أَيَّامٍ وَسَبْعَ لَيَالٍ ( أيوب 13:2 ).
يتضح من ذلك أنه لم يوجد أي يهودي يقول: سبعة أيام و ستة ليال أو ثلاثة
أيام وليلتين حتى إذا كانت الفترة الزمنية هي كذلك. إن اللغة العبرية
تشير دائما إلى عدد متساوٍ من الأيام والليالي. وإذا أراد أحد اليهود
في العصر السالف أن يذكر فترة زمنية قدرها ثلاثة أيام وليلتين فقط كان
لابد أن يقول: ثلاثة أيام وثلاث ليال . ولدينا مثال جميل عن ذلك في سفر
أستير عندما قالت أستير صُومُوا مِنْ جِهَتِي وَلاَ تَأْكُلُوا وَلاَ
تَشْرَبُوا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لَيْلاً وَنَهَاراً ( أستير 16:4 ). وفي
اليوم الثالث ( بعد انتهاء الصوم وانقضاء ليلتين ) وقفت أستير في دار
بيت الملك.
وبناءً على ذلك نرى بوضوح أن ثلاثة أيام وثلاث ليال بلغة الحديث
العبرية لم تكن تعني فترة زمنية كاملة ( ثلاثة أيام كاملة وثلاث ليال
كاملة ) بل كانت تعني أي جزء من اليومين الأول والثالث. الشيء الهام
الذي يجب تسجيله هو أن عدد الأيام كان دائماً مساوياً لعدد الليالي
كلما جاء الحديث عن هذا الموضوع، ولو كان عدد الليالي الفعلي يقل بليلة
واحدة عن عدد الأيام. وبما أننا لا نستعمل طريقة الحديث التي كانت
مستعملة طريقة الحديث التي كانت مستعملة في سالف الأزمنة، فيجب ألاّ
نحكم سريعاً على معناها. ويوجد دليل قاطع في الكتاب المقدس، وذلك عندما
قال يسوع لليهود إنه سوف يظل في الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال، فقد
عرفوا أنه من المتوقع أن تتم النبوّة بعد ليلتين فقط. ففي اليوم اللاحق
لصلب المسيح ( أي بعد ليلة واحدة فقط ). ذهبوا إلى بيلاطس وقالوا: يَا
سَيِّدُ قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذَلِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ
حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ. فَمُرْ بِضَبْطِ
الْقَبْرِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ ( متى 27: 64،63 ).
من الجائز أن نفهم أن كلمات بعد ثلاث أيام تعني أي وقت في اليوم
الرابع، ولكن طبقاً للغة اليهودية في ذلك العصر كانوا يعنون اليوم
الثالث ولم يكن محور اهتمامهم محصوراً على حراسة القبر طيلة ثلاث ليالٍ
كاملة. لكن كان يعني ذلك حتى اليوم الثالث ( أي بعد ليلتين اثنتين فقط
).
وبناءً على ذلك فإن عبارة بعد ثلاث أيام وثلاث ليال لم تكن تعني مدة
اثنتين وسبعين ساعة ( كما نفهمهما اليوم ) بل تعني أي مدة زمنية تغطي
فترة ثلاث أيام. ففي تلك الأيام إذا قال شخص ما لشخص آخر ( مثلاً في
يوم الجمعة مساءً ) إنه سيعود بعد ثلاث أيام، فلا شك أن الشخص لن يتوقع
عودة الآخر قبل الثلاثاء التالي. ونظراً أن زعماء اليهود كانوا قلقين،
وراغبين في تفادي أي تحقيق لنبوة المسيح ( سواء حقيقية أو مدبرة ) فإن
كل اهتمامهم كان منصباً على حراسة القبر حتى اليوم الثالث ( أي يوم
الأحد ) لأنهم أدركوا أن معني بعد ثلاث أيام أو ثلاث أيام وثلاث ليال
ليس المفهوم الحرفي.
والسؤال الهام هو ليس كيف نقرأ تلك اللغة القديمة غير الموجودة في
حياتنا الحالية، لكن كيف كان اليهود يقرأونها طبقاً لأسلوب عصرهم؟ ومن
الأهمية بمكانٍ أن نسجل أنه عندما صرح التلاميذ بشجاعة أن المسيح قام
من الأموات في اليوم الثالث ( أي يوم الأحد ) بعد انقضاء ليلتين فقط (
أعمال 40:10 ) لم يحاول أي شخص أن يعترض على هذه الشهادة، كما يفعل
المعترض وهو يدعي أن ثلاث ليال كان يجب أن تنقضي قبل أن تتحقق نبوة
المسيح! لكن يهود ذلك العصر كانوا يعرفون لغتهم جيداً. ولما كان ديدات
يجهل أسلوبهم في الحديث، فإنه يهاجم افتراضياً النبوة التي ذكرها
المسيح لأنه لم يبق في القبر فعلياً ثلاثة أيام وثلاث ليال، أي اثنتين
وسبعين ساعة. ( هذا يعني أيضاً أن إقامة يونان في جوف الحوت كانت تغطي
فقط جزءاً من فترة الثلاث أيام، ولم تكن بالضرورة ثلاثة أيام وثلاث
ليال حرفياً). |