"توجد دعوات مختلفة في الكنيسة، ولكني أعلم أن هناك دعوة
فريدة، دعوة أخوة وأخوات يسوع الصغار، ورسالتها الحضور وسط
العالم ومشاركة حياة من تعيشون معهم. إن حضوركم الإنجيلي مع
الطبقة الكادحة العمالية، مع المهمشين، مع الرجال والنساء
المحتقرين والذين لا يسأل عنهم أحد، مع الأوساط التي تعاني من
العنف والانقسامات والفقر، هذا الحضور هو طريقكم نحو الأب
السماوي. وعلي خطى يسوع والأخ شارل دعوتكم، أن تروا في كل شخص
وخاصة المنبوذين إنسان محبوب مدعو إلى حياة جديدة". كانت هذه
كلمات توجه بها البابا يوحنا بولس الثاني لإخوة وأخوات يسوع
الصغار متأثراً بعمق رسالتهم التي تعلموها من الأخ شارل دي
فوكو.
عندما تتعلق عينيك برؤية السماء وكأنها تقترب منك أو تسمع
أذنيك جملة تأخذك إلى مكان بعيد أو ينطلق قلبك بقيمة تترك كل
شيء لتبحث فيها وعنها. تلك كان ما يجول داخل شارل دي فوكو
عندما أنطلق يوماً ما باحثاً عن يسوع الذي فاجئه بحبه ثم قرر
أن يعرفه. انطلق من فرنسا إلى الناصرة حيث كان يسوع هناك، عاش
ومضى حتى الجلجثة ثم بذل نفسه من اجل جميع البشر. ذهب شارل حيث
قام يسوع ليقوم هو ويمضي حاملاً محبة بلا حدود.
أتذكر أول مرة عرفت من يكون شارل دي فوكو عندما كنت مستلقية
على سرير احد المستشفيات الخاصة بالقاهرة بعد حادث تعرضت له
عام 1999، وجاءني زائراً حاملاً بيديه كتابان أهداهما لي. لم
أكن اعرف من قبل من هو بطل هذان الكتابان، ولكني تفحصتهما
وللوهلة الأولى توقفت عند صورة غلاف إحداهما. كانت صورة رجل
راكع أمام القربان المقدس. نظرت للصورة بإمعان وقلت في نفسي:
"الآن لم يعد بإمكاني الركوع أمامك يا الله، فأجعل قلبي هو من
ينحني لك شاكراً". وكانت صورة هذا الراكع دافعاً لي وسط ألآمي
أن اقرأ الكتابان. كان بطلهما هو شارل دي فوكو. ولم تكن
الكنيسة بعد قد طوبته. أخذت في قراءة حياته، وعرفت كيف بحث
شارل عن الله وكيف كانت الصلاة طريقاً ونهجاً في حياته.
واليوم وأنا استعيد ذكرياتي مع الاحتفال بمرور سنتان على
تطويبه في 13 نوفمبر 2005، والاستعداد للاحتفال بعيده في الأول
من ديسمبر، أتصفح معكم سطور في حياة هذا الرجل الذي لم يؤسس
جماعة في حياته، وإنما ترك رسالة عميقة، استطاع فيما بعد
تلاميذه أن يحملوها لنا.
ولد شارل دي فوكو Charles de Foucauld عام 1858م في مدينة
ستراسبورغ بفرنسا من عائلة ارستقراطيّة ثرية وتشتهر بعلاقتها
العسكرية. عرف شارل قسوة الحياة مبكراً، فتوفيت والدته وهو في
السادسة من عمره، وبعد أشهر قليلة توفى والده. اعتنى والد الأم
بحفيديه شارل وأخته ماري. وكثيراً ما كان شارل يتذكر أمه في
حياته: "أنا الذي كنت منذ طفولتي مُحاطاً بفيض من النعم، ومن
أبرزها إني حظيتُ بأم قديسة تعلمتُ منها أن أعرفك يا الهي".
تجددت معاناة شارل من جديد عندما نشبت الحرب عام 1970 بين
فرنسا وألمانيا، فقاسى عذاب الحرب والتهجير. كان شارل طفل ذكي
أحب القراءة منذ نعومة أظفاره.أخذته الفضولية إلى البحث في
علوم الفلسفة. حتى وصل تدريجياً لمرحلة المراهقة وهو فاقد
لإيمانه المسيحي: "في سن السادسة عشرة، لم يعد لديّ أي اثر من
الإيمان. وسبب ذلك المطالعات التي كنت أتهافت عليها".
تخرج شارل من المدرسة العسكرية وهو في سن العشرين. انخرط في
الجيش لمدة ثلاث سنوات، وفي تلك الفترة توفي جدّه. فتألم شارل
كثيراً لوفاته. ومنذ ذلك الوقت لم يعد هناك من يقف في وجه طيشه
وجنونه بالحياة التي يرغب أن يعيشها بعيداً عن أي إيمان أو قيم
في الحياة.
أُرسل شارل دي فوكو عام 1881 وهو ضابط في الثالثة والعشرين من
عمره إلى كتيبة في بلدة ستيف شمال الجزائر ضمن الجيش الفرنسي
المكلف بإدارة جزء كبير من الجزائر التي احتلتها فرنسا في ذلك
الوقت. وبعد انتهاء الحملة العسكرية لم يعد شارل يتحمل رتابة
الحياة ضمن نطاق الثكنات العسكرية فأخذ قرار بترك الجيش
نهائياً.
بدأ شارل بعد ذلك رحلة استكشافية في بلاد المغرب والجزائر وهو
متنكر وكانت الرحلة تحمل في طياتها أخطار جمة نظراً لان بلاد
المغرب كانت مغلقة وأرضها مُحرمة على الأوروبيين آنذاك. ولكنه
سجل رحلته تلك في مذكراته، وكانت أكثرها عمقاً تلك الخبرة التي
عاشها مع المسلمين وخاصة عندما كان يراهم يُصلّون.
عاد شارل إلى فرنسا وقد استقبلته أخته وعائلته بكل فرح وحنان
وكان لهذا الاستقبال وقع بالغاً في نفس شارل كونهم لم يشيروا
إلى أي شيء يتعلق بماضيه المتغير المليء بالمغامرات. وفي جو
العائلة المسيحية عادت حياة شارل من جديد: "لدى إقامتي في
باريس، التقيتُ بأشخاص ذوي فضيلة راسخة وذكاء لامع، وهم
مسيحيون بكل معنى الكلمة. فقلتُ في نفسي ربما هذه الديانة بغير
معقولة". وبدأ شارل منذ ذلك الحين البحث عن الله بكل قواه.
بعد شهور من البحث، آتى من سيكون أداة لقاءه مع الله، انه الأب
هوفلان، كاهن الرعية التي تصلي فيها عائلة شارل. وبأول لقاء
بين الكاهن المعلم وشارل التلميذ الذي جاء يناقشه في أمور تخص
الدين، طلب الأب هوفلان من شارل الركوع والاعتراف أولا أمام
الله بخطاياه حتى تنجلي الحقيقة في أعماقه. وبعد تردد قـَبل
شارل الطلب، فركع واعترف بكل خطاياه وشعر وقتها بفرح لا يوصف:
" لم تستقبلني فقط، أنا الابن الشاطر، بطيبة لا توصف، بدون
عقاب ولا توبيخ، وبدون تذكير بالماضي، بل استقبلتني بالقبلات
والحلة الفاخرة وخاتم الابن.. بحثت عنى أنت الأب الحنون،
فاسترجعتني من بلد بعيد". كانت تلك كلماته التي كتبها بمذكراته
فيما بعد، وكان هذا الاعتراف بمثابة النور الذي غير حياة شارل
وأعاده من جديد لحضن الآب السماوي.
نظر شارل إلى حياته فوجد أن كنزه الثمين هو يسوع الذي يحمله في
قلبه، فقرر أن يُكرس حياته للصلاة والعبادة، فدخل دير
الترابيست في فرنسا [دير سيدة الثلوج] تاركاً كل شيء من ورائه
مُسلماً حياته ليسوع المخلص. عاش شارل على مثال يسوع في
التواضع والفقر حتى انه رغب في حياة أكثر فقراً فطلب من رئيسه
بالدير أن ينقل لأفقر دير بالرهبنة، وبالفعل انتقل شارل إلى
دير فقير في سوريا [دير الشيخلي] وفي هذا الدير الفقير عمل
شارل مع العمال وأحس معهم بصعوبات الحياة والمشاكل التي
يتعرضون لها بسبب أعمالهم الوضيعة في نظر المجتمع. وفي إثناء
زيارته لأحد المرضى أصطدم شارل بالفقر المدقع وخلق هذا المشهد
صرخة عظيمة وقوية في داخل شارل: "إن ديرنا فقير ولكن ليس مثل
فقر الناس، ليس مثل فقر يسوع في الناصرة....إني أحن للناصرة"
وبعد سبع سنوات وبموافقة الرؤساء ترك شارل دير الترابيست
باحثاً عن دعوته وفي قلبه نداء من الناصرة. وبالفعل ذهب إلى
هناك وعمل خادم بدير للراهبات الكلاريس وعاش داخل كوخ داخل
الدير.عاش شارل بين عمله كخادم وبين الصلاة والسجود أمام يسوع
الحاضر في سرّ القربان وبالتأمل في الكتاب المقدس متأملاً
زيارة مريم العذراء لأليصابات، و يسوع في أحشاء مريم يبارك
يوحنا، وهكذا أراد شارل أن يحمل يسوع للآخرين ليباركهم. وأثناء
تأملاته اليومية جاءته فكرة شراء أرض في قمة جبل التطويبات،
وتأسيس دير للكهنة النساك. وبدأ يفكر انه يريد أن يُصبح كاهناً
حتى يقوم بخدمة كهنوتية تقوم على الفقر والزهد.
وفي منتصف عام 1900م عاد شارل إلى فرنسا للاستعداد للكهنوت
وأمضى عدة أشهر في دير سيدة الثلوج من جديد. بعد عام سيّم
كاهناً وكان دائم التأمل والسجود أمام القربان المقدس، مُمعن
التفكير في فكرته عن تأسيس دير للكهنة النساك ولكن ليس بجبل
التطويبات إنما في صحراء بني عبّاس، تلك الواحة الجزائرية
القريبة جداً من الحدود المغربية. وبالفعل قام شارل بالتعاون
مع الفعاليات الفرنسية الجزائرية بإنشاء بيت صغير مُشرعاً بابه
أمام الجميع: "أريد أن أُعوَّد كل سكان المنطقة من مسيحيين
ومسلمين ويهود على أن ينظروا إليّ كأخ لهم، أخ الجميع. وقد
بدءوا يسمون البيت (الأخوة) وهذا ما يحلو لي كثيراً". عاش شارل
على مثال يسوع، بروح تعطي محبه بلا حدود وفرح لا ينزعه احد
وخدمة مجانية مقدمة للجميع. كان لدى شارل قناعة راسخة أن يسوع
حاضر في كل إنسان يُعاني من وطأة الفقر أو الاضطهاد تماماً كما
هو حاضر بالقربان المقدس.أخذ شارل يتوغل في صحراء الجزائر حتى
وصل إلى القبائل البدوية وقوبل بترحاب شديد من رئيس القبيلة.
عاش بينهم ومثلهم دون بيت كأهل الطوارق، عاش كل ما عاشوه من
فقر وجفاف أحياناً وحرب وانقسامات أحياناً أخرى، حتى انه كان
يبني معهم حصناً يحتمون فيه من السهام الغادرة. وعلم شارل أن
وضعه خطيراً ولكن ارتباطه بهم وتضامنه الإنساني معهم حال دون
تركهم في هذه الظروف.
وفي مساء الأول من ديسمبر 1916 اقتحمت عصابة، القبيلة لنهبها
وسرقتها، فأمسكت بالأخ شارل، أخذوه ثم تركوه تحت حراسة صبي في
الخامسة عشر من عمره ، لكن الوصول المفاجئ لرجلين من سعاة
البريد، خلق جواً من الارتباك والخوف فقد على أثره الصبي رشده
، فأطلق النار على سجينه فقتله في الحال. وكان قبل ساعات من
موته قد كتب: "عندما نستطيع أن نتألم ونحبّ، ترانا نقوم بعمل
كبير، بأعظم ما يمكن عمله في هذا العالم. إننا نشعر بأننا
نتألم، إنما لا نشعر بأننا نحب وذلك لألم كبير يُضاف إلى
تألمنا... غير أننا نعلم بأننا نريد أن نحب. والرغبة في الحبّ
هي الحبّ بالذات".
كان شارل ضحية العنف مثل الكثيرون في الحروب ، وقع شارل مثل
حبة الحنطة، فإذا ماتت أثمرت ثمراً كثيراً .
مات شارل واستشهد وحيداً وكأنه صار قرباناً بقوة سجوده وتأمله
لمن حوله، لقد تاق الأخ شارل أن يموت هكذا فكتب: "مهما كان
السبب الذي من أجله يُهدر دمنا، إذا ما تقبلناه من أعماق قلبنا
كهدية منك يا الهي فإننا نموت في الحب ولا غير، سيكون له معنى
في نظرك يا الهي وسيكون صورة كاملة عن موتك".
اقتدى بيسوع الناصري ... فبذل حياته
من اجل أحبائه
التفكير بشخص قد يستغرق على الأكثر ساعات، والتفكير بحب شخص قد
يستغرق سنوات، وبحياة شارل دي فوكو استغرق التفكير في يسوع
المسيح والقرب منه والعيش في غمرة حبه، سنوات عمره كلها منذ أن
سأله "يا رب إن كنت موجوداً هبني أن أعرفك"، فأنفتح قلبه منذ
تلك اللحظة لاستقبال ملك الحب والرحمة. وكانت البداية لحبه
اللامحدود لله: " ما إن آمنت بالله .... أدركت أنني لا أستطيع
العيش إلا لسواه".
قضى الأخ شارل دي فوكو حياته المليئة بالصلاة والتأمل في صمت
هادئ متأملا محبة الله في كل من حوله مسلماً حياته كلياً إلى
الله. وبحياة شارل دي فوكو الراهب الفرنسي محطات كثيرة هامة
نتوقف عندها.
طريق الناصرة ... طريق الرجاء
"أخذ يسوع المكان الأخير حتى انه لم يستطع أحد أن يسلبه منه
أبداً" تلك العبارة التي سمعها شارل على لسان الأب هوفلان في
إحدى مواعظه اخترقت وجدانه، وكانت بمثابة الدافع لانطلاقه إلى
الناصرة. ترك شارل كل شيء و مضى، يقوده قلبه حيث يسوع الذي
يرغب في لقائه. فوصل إلى فلسطين أواخر عام 1888م. ذهب إلى
الناصرة وهناك اكتشف كما كتب في إحدى رسائله إلى لويس دي فوكو:
"الحياة المتواضعة والخفيّة التي عاشها الرب يسوع كعامل في
الناصرة".
لم يتعطش شارل بشيء في حياته أكثر من تعطشه لحياة العامل
الفقير اقتداء بيسوع الناصري: "إنني متعطش كثيراً لكي أعيش
حياة ابحث عنها منذ سبعة سنوات، حياة لمحتها واكتشفتها حينما
كنتُ أسير في أزقة الناصرة التي داستها أقدام الرب يسوع".
عندما ترك شارل الناصرة حملها في قلبه سائراً في مسيرته نحو
الله. فكانت الناصرة مرتكزة في كيانه بثبات كبير تضعه أمام
محبة الله العظيمة ورجاءه الذي انطلق فينا بقيامته. فعاش بهذه
المحبة وهذا الرجاء في كل مكان وطأته قدماه إلى أن استقر في
صحراء بني عباس. صارت حياته تعكس بشفافيتها يسوع الناصري،
الخادم، الفقير، المتأهب لاستقبال كل إنسان.
كتب عنه رئيس أساقفة ميونيخ الكاردينال راتزنجر "البابا
بنيدكتوس السادس عشر" في كتابة {إله يسوع المسيح}: "أكتُشف سرّ
الناصرة الحقيقي بطريقة جديدة في محتواه الأعمق من خلال الأخ
شارل دي فوكو الذي في سعيه للمكان الأخير التقى بالناصرة ،
فعندما ذهب إلى الأراضي المقدسة تأثر أكبر تأثر بالناصرة ، لم
يكن يرى نفسه مدعو لإتباع يسوع في حياته العلنية ، إنما
الناصرة أخذت بمجامع قلبه، أراد أن يتبع يسوع الصامت، الفقير،
العامل، أراد أن يحيا بكلمة يسوع بمعناها الحرفي ( إذا دعيت
فامض إلى المقعد الأخير وأجلس في. لو 14 / 10)
إن شارل دي فوكو في مسيرته على دروب أسرار حياة يسوع، التقى
بيسوع الحقيقي التاريخي وبدخوله في خبرة الناصرة تعلّم الكثير
...فالتأمل الحي بيسوع يفتح طريق جديد للكنيسة" .
طريق الصلاة
كان شارل دي فوكو رجل صلاة حتى نهاية حياته. كانت صلاته دائمة
متجددة مفعمة بالفرح، ذائبة في الانسحاق أمام يسوع المسيح.
زُرعت روح الصلاة في نفس شارل منذ طفولته. فرغم وفاة والديه
وهو في السادسة من عمره إلا أنهما استطاعا أن يعلماه الصلاة في
هذه السنوات القليلة. وكلما تعمقنا في حياة شارل اكتشفنا أن
تعلقه بالصلاة متعلق بطفولته.
كان دائم الإصغاء إلى كلمة الله بالكتاب المقدس، كان يشبه
الطفل الصغير في طريقة تعامله مع الإنجيل، فهو ما أن يسمع
الكلمة حتى يفضَّلها عن أي شيء سواها ويمضي في تطبيقها.
كما كان دائم النظر والتأمل بسرّ القربان المقدس. فقد وجد في
القربان المقدس من كان يبحث عنه، وجد من اسلم ذاته من اجله.
فكان يقضي ساعات في السجود أمام القربان. عاش سرّ الافخارستيا
حتى أصبح هو ذاته قربانا لأخوته باذلا ذاته من اجلهم. "عليّ
ألا أصلي لأجلي وحدي، بل لاجتهدنّ في أن أتضرع من اجل جميع
الناس، من اجلنا جميعا نحن أبناءه الأحباء، وقد فدانا بدمه".
حياته كانت صلاة إنسان مهداة إلى الله لأجل جميع الناس.
اختباره مع المسلمين
لم تكن خبرة شارل دي فوكو سهلة بالعيش في صحراء المغرب وسط
قبائل مسلمة. كانت مغامرة غير مدروسة منه، لكنه أحس بروح الله
تقوده إلى هناك. حمل في قلبه يسوع الناصري الذي جاء من اجل
جميع البشر، وانطلق وفي ذاكرته {كلما صنعتم شيئاً لواحدٍ من
إخوتي هؤلاء الصغار فلي قد صنعتموه}. عاش شارل متضامناً مع
هؤلاء الفقراء والعبيد البؤساء المنتشرين في صحراء بنيّ عباس،
وسط أهل الطوارق الذين عرفوه إنسان بسيط فاتحاً قلبه وعقله
للجميع بالحب والسلام. كان شارل دي فوكو ومازال مثال حيّ
للإنسان الذي يحيا في سلام مع من حوله مهما اختلفوا عنه. أعطى
شارل دي فوكو بحياته مثال المسيح الخادم، مانح السلام. أعطى حب
مجاني بلا حدود لكل من حوله.
يقول عنه الكاتب علي مراد في كتابه (شارل دي فوكو في نظر
الإسلام) بالإنكليزية، وترجمة علي مقلِّد (بالعربية): "بفعل
فضيلة قدوته، ساهم شارل دي فوكو، في أعين المسلمين، بتقويم
سلَّم القيم في حقيقة معناه. فلا تتجلَّى التقوى فقط في حياة
التأمل أو الالتزام بالشعائر. إنها في أساسها فاعلة ومشعة،
خلاَّقة للسعادة وملهِمة الخير لبني البشر".
وكتب لطفي حداد في مقال بعنوان اختبار من عمق الإسلام: "إن
شارل دي فوكو استطاع أن يكسب ثقة الطوارق واحترامهم – هذا
الشعب الأبي القاسي والصعب المراس، المستعصي على المؤالفة. إن
حسن معشره، ولطف كلامه، وبرَّه وتقواه، قد فتحت له الكثير من
القلوب. واستقامتُه وحسُّه بالعدالة قد مكَّناه من أن يُحتكَم
إليه في بعض الأحيان".
عاش شارل دي فوكو السلام الذي نحتاجه في يومنا هذا أكثر من أي
شيء، السلام الذي يعلو كل فهم، ويفوق كل تصور. السلام الذي
يرجوه كل مؤمن، يؤمن بقوة الحبّ وفعل الحبّ.
إبداع شارل دي فوكو
جزء هام من حياة شارل دي فوكو يجهله الكثيرون. ألا وهو إبداعه
وموهبته العالية في الكتابة. ولعلّ من قرأ كتابات شارل دي فوكو
أدرك حسه المرهف وأسلوبه البسيط في سرده للأحداث وقدرته على
تصوير الواقع بشكل في إتقان عالٍ. أمضى شارل في رحلته
الاستكشافية إلى الجزائر وبلاد المغرب عدة سنوات، بعد أن ترك
خدمته العسكرية بالجيش الفرنسي. وكانت رحلته مليئة بالأخطار
لكنه كان مصراً على استكشاف هذه الحياة التي أدهشته وسط
الأرجاء الصحراوية الشاسعة. فسجل رحلته في مذكرات أصبحت فيما
بعد من أهم المؤلفات الاستكشافية عن المغرب. يقول الباحث جمال
حيمر في بحث له بعنوان (الكتابات التاريخية حول مغرب القرن19)،
" شارل دي فوكو زار المغرب وكتب " التعرف على المغرب" «
Reconnaissance du Maroc ». الذي يعد نموذجا للمؤلفات
الاستكشافية.
ويمكن القول بصفة عامة إن هذا التأليف الأجنبي اهتم بكل أشكال
التنظيم الاجتماعي وبجميع مظاهر الحياة الدينية وبأهم المؤسسات
المغربية.
كما كتب الأخ شارل صلوات كثيرة، أكثرهم انتشاراً صلاة "تسليم
الذات"، وكتب عشرات النصائح المسيحية، التي نُشرت فيما بعد
بعدة كتب كأقوال له.
حياة شارل دي فوكو بها الكثير الذي يمكننا أن نتحدث فيها أو
نكتب عنها. فحياة مثل هذا الرجل مليئة بالأحداث والكلمات التي
تقودنا إلى تفكير عميق عن سرّ محبة الله لنا. وسرّ تواجده بشكل
حقيقي وفعّال بيننا. هذا السرّ الذي بحث عنه شارل ووجده في
أعماقه يتغلغل ويقوده إلى محبة حية عاشها بكل تواضع وإماتة حتى
استشهد بين من عاش بوسطهم، معلناً إيمانه وحبه لله القدير. بذل
شارل حياته على مثال يسوع المسيح الناصري من اجل كل الذين
أحبوه.
عن موقع كنيسة الاسكندرية الكاثوليكي