القديسة تقلا


إن القديسة تقلا البتول هي تلميذة بولس الرسول، وهي مثال العذارى ورسولة المسيح إليهن. هي بطلة البتولية المسيحية والشهامة النسائية. هي تلك الفتاة التي تألبت عليها قوى الجحيم، فلم تستطع أن تضعف إيمانها، ولا أن تفلّ من ثباتها، ولا أن تُخمد نيران حبها ليسوع الفادي إلهها وختن نفسها. هي تلك الصبية التي شغفت بحب المعلم الالهي الذي بشرها بولس به، فاحتملت من أجله من صنوف الآلام ما تهلع لمجرد ذكره قلوب الجبابرة الأبطال. هي تلك القديسة التي كانت حياتها الطويلة سلسلة من العجائب الباهرة، ومن المعجزات التي نألف سماعها إلا في سير كبار القديسين. هي الشهيدة الأولى بين شهيدات المسيح، وحاملة علم حبه في طليعة جيش البنات الأبكار القديسات.

تقلا تلميذة بولس الرسول

كانت تقلا من ايقونية. وكانت من أشراف تلك المدينة، ومن أكمل بناتها خلقاً، وأجملهن اشراقا، وأكرمهن خلقاً، وانبلهن عاطفة. وما كادت تناهز الثامنة عشرة من عمرها حتى أضحت فتنةً لأقاربها وعارفيها. فرغب الشبان فيها، فخطبتها أمها لواحد منهم لا يقلّ عنها شرف محتدٍ وجاهاً ونسباً. وراحوا يُعدون معدات العرس ويهيئون معالم الأفراح.

لكن المعلم الالهي كان قد سبقَ وقال في إنجيله: "لا تظنوا أني جئت لألقي على الأرض سلاماً. لم آتِ لألقي سلاماً لكن سيفاً. اتيت لأفرق الإنسان عن أبيه، والابنة عن أمها، والكنة عن حماتها." ولقد صدق هذا الكلام في تقلا، لأن الرب كان قد دعاها لتغادر بيتها وتترك والدتها وتتبعه.

فمر بولس الرسول في مدينة ايقونية في جولته الأولى الرسولية نحو سنة 45، فبشّر اليهود والأمم بإنجيل الرب. فسمعته تقلا، فسحرها جمال تعاليمه وعذوبة نير المسيح الذي يبشر بهِ، فلازمته. ولما كانت نفسها كبيرة توّاقة إلى الجمال والكمال، آمنت بالمسيح. واعتمدت ونذرت بتوليتها لرب البتولية وابن العذراء النقية. وراحت فطرحت عنها الزينة الباطلة والآلئ الغرارة، وعكفت على الصلاة والتأمل والإماتة بإيمانٍ وحرارة. وكان نعيمها ولذة شبابها أن تصغي إلى أقوال ذاك الرسول الناري الإلهي، فتملأ قلبها من تعاليمهِ وتضرم جوارحها بسعير قلبهِ.

فلاحظت أمها أن شيئاً تبدَّل في حياة تقلا ابنتها، فلم تعد تلك الفتاةَ المرحة الطروب، الساعية وراء زينتها، الشغوفة بالظهور. فلم تفهم معنى لذلك. فلما فاتحتها بأمر الزواج المزمع أن يُكمَّل رأت منها إعراضاً وإحجاماً. فألحَّ خطيبها في طلبها فرفضته، وباحت لأمها بسرها، وقالت لها أنها أضحت مسيحية، وأنها وقفت للرب يسوع بتوليتها. فثار ثائر والدتها وكادت تُجنُّ من غيظها. فعملت على إقناعها، ثم أخذت تتضرع إليها. فاصطدمت بثباتٍ عجيب وإرادة جبارة. فطار رشدها، ورأَت في إغضاء ابنتها عن عريسها مَساساً بكرامتها. فآثرت موت تلك الابنة على أن تتعرض لاحتقار الناس وازدرائهم لها ولكلامها ومواعيدها.

ولما لم تستفد شيئاً ذهبت تستعين بحاكم المدينة. فأتى بتقلا إلى ديوانه، وجعل يقنعها بترك تلك الخرافات المسيحية والعودة إلى الآلهة وإلى عريسها. فذهب كلامه أدراج الرياح. فتهددها أن يحرقها، فلم تعبأ بتهديداته. فأمر بإضرام نارٍ حامية وبطرحها فيها. فتهللت لقرب اتحادها بعريس نفسها؛ ولم تنتظر حتى يشدوا وثاقها ويطرحوها في تلك النيران المستعرة، بل ركضت هي إليها وزجت نفسها فيها، وهي تتضرع إلى الله ليقويها ويستقبل روحها.

لكن الرب يسوع ختنها كان قد دبّر لها طريقاً أخرى غير طريق الاستشهاد العاجل. كان يريد أن يُظهر فيها مجده وقدرته وسمو نعمته. كان يريد أن تعيش تلك الفتاة سنين طويلة أيضاً، وتتألم كثيراً، وتنتصر على أعداء الخلاص انتصاراً باهراً، لتبقى مثالاً رائعاً لمن سوف يأتي بعدها في الأجيال المقبلة من البنات البتولات ومن الشهيدات البطلات.

فما إن دخلت تقلا في تلك النار حتى أرسل الله مطراً مدراراً كاد يتحول إلى طوفان. فولّى الناس هاربين، ولجأوا إلى بيوتهم مذعورين، وانطفأت النيران، وخرجت البتول سالمة، ولم يحترق خيط من ثيابها. وبإلهامٍ إلهي تركت مدينتها، وولت الأدبار، وذهبت تسعى وراء بولس الرسول لتلحق به وتلازمه وتشاطره أتعاب رسالته، كما كان بعض النساء التقيات يُلازمنَ الرسل. فأكمل بولس تهذيب عقلها وقلبها، ورافقته حتى عاد إلى انطاكية. فتركها هناك لتخدم المؤمنين وتبشير النساء الوثنيات بإنجيل المسيح. فكانت الرسول الغيور المتفاني المتواضع الوديع العابد، الذي ينسى ذاته ليخدم المسيح في شخص القريب.

استشهاد تقلا الثاني في انطاكية

وفي انطاكية افتتن بها أحد كبار المدينة، فراح يتحين الفرص ليظفر بها. فلقيها يوماً وهي تعود إلى منزلها، وعيناها مطرقتان إلى الأرض. فانقضّ عليها وأراد اختطافها وإذلالها. فأفلتت من بين يديه، وجمعت الشعب حوله وأسمعته مرّ الكلام. فتألّب الشعب حوله وجعلوا يسخرون منه. فتميز غيظاً وراح يسعى لينتقم من البتول تقلا. فوشى بها إلى الوالي. ورغب هذا في أن يرضي ذلك الرجل الوجيه، فقبض عليها وأتى بها إلى ديوانه، واجتمع الناس ليروا ماذا يكون من أمرها. فحكم الوالي عليها بأن تُطرح للوحوش. فقامت عليه في الديوان ثورة سخط واستنكار من جميع النساء المسيحيات والوثنيات الحاضرات، انتصاراً لتلك التي شرفت بنات جنسها بإبائها وعزة نفسها.

لكن الحاكم لم يعبأ بتلك الضجة وأرسل تقلا إلى الوحوش. فعرَّوها من ثيابها وتركوها عرضة للبوءَة كاسرةٍ لتفترسها. واجتمع الجمع في المشهد ليمتع أنظاره بذلك الجسم الغض النقي تنهشه الوحوش الضارية. لكن اللبوءة كانت آنس من البشر، فجاءت وربضت عند قدميها وهي تبصبص بذنبها. بذنبها. وجلل الله جسد فتاته بالمهابة والأنوار وحجبها عن الأنظار.

فأخرجوها ثم أعادوها في اليوم الثاني إلى المشهد، وأفلتوا عليها جيشاً من تلك الضواري. فجاءَت أيضاً وربضت أمامها وأخذت تلطع لها رجليها. فتعالت أصوات الشعب بالصياح. فمنهم من كان يطلب العفو عنها وإطلاقها، ومنهم من كان يلحّ في الانتقام منها ومن شعوذات سحرها، لأنهم كانوا ينسبون إلى أعمال السحر تلك الفضيلة والبسالة والعجائب الباهرة. فأعادها الحاكم إلى سجنها.

وفي اليوم التالي تقاطر الناس من جديد إلى المشهد. فربط الجند تقلا إلى زوج من الثيران المخيفة، وأثاروهما وأطلقوهما. فرأت تقلا الموت بين عينيها، وصلّت وتوسلت إلى الرب لكي يتقبل روحها. لكن الثورين أفلتا وتركا الفتاة بلا أذى، وانطلقا على الجلادين فطرحاهم في الأرض وجرّحاهم وكادا يهلكانهم بقرونهما.

فحار الحاكم في أمر تلك الفتاة العجيبة، وأراد أن يتخلص منها، فألقاها في هوةٍ عميقة مملوءةٍ بالثعابين السامة. فاحترمتها ونامت عند قدميها.

فدهش الناس والحكام لتلك المعجزات الباهرة المتكررة. فاستدعى الوالي تقلا وقال لها: من أنتِ ومن هو شيطانكِ حتى لا يقدر أحد عليك. فأجابته البتول باحتشام ووقار: أنا تقلا عبدة يسوع المسيح ابن الله الحي. وهو وحدة الطريق والحق والحياة وخلاص النفوس. هو نجاة المأسورين، وتعزية الحزانى، ورجاء الآيسين. وهو الذي أنقذني من الوحوش ومن الموت، وهو الذي يحفظني بنعمته لكي لا أعثر. فله المجد والكرامة إلى الأبد.

حينئذٍ أعلن الوالي أمام الجميع وقال: إن تقلا عبدة يسوع المسيح هي طليقة حرة. فتعالت أصوات الفرح والاستحسان من كل صوب. فخرجت البتول من المشهد وذهبت إلى بيت السيدة الشريفة تريفينا التي كانت تعطف عليها.

ولما علمت تقلا أن بولس الرسول هو في ميراليكيا ذهبت إليه وقصت عليه كل ما حدث لها. فمجد الله معها، وثبتها في الإيمان، وشجعها على متابعة أعمال الرسالة التي بدأت بها.

أعمال تقلا الرسولية في جبال القلمون

وعادت تقلا إلى ايقونية مدينتها تبشر مواطنيها بإنجيل الرب. لكنها لم تطل الإقامة فيها. كان خطيبها قد مات. أما والدتها فبقيت مصرةً على عنادها، مدفوعة بكبريائها، فلم ترد أن تصغي إلى توسلاتها وتتبعها في إيمانها بالمسيح. فتركت تقلا ايقونية، والقلب في حسرة، ورجعت إلى سورية لأجل متابعة رسالتها فيها.
وجاءت إلى جبال القلمون واتخذتها معقلاً لها وحقل رسالةٍ مخصبة. فكانت تتردد بين معلولا وصيدنايا وتطوف تلك القرى الجميلة، تثبت المؤمنين في إيمانهم الحديث، وتحمل البنات والنساء الوثنيات على الإيمان بالمسيح. فآمن على يدها شعب غفير من أولئك المساكين المنغمسين في جهلهم وغرورهم وآثامهم.
ثم اتخذت لها مغارةً فنسكت فيها وبدأت حياة الخلوة والاتحاد الدائم بالله، بالتأمل والصلاة. فصارت الجماهير تتوافد لتزورها وتسمع كلامها وتنال بركتها وتُشفي من أمراضها.
ويروى أن بعض الأشرار الوثنيين أرادوا يوماً بها سوءًا. وكان جماعة من الأطباء قد سخّروهم لكي يذلوها ثم يفتكوا بها لأن المرضى كانوا قد هجروهم وجعلوا يركضون إليها فيبرأون. ففاجأهم أولئك الأشرار وهي تصلّي في مغارتها. فلم تضطرب لكنها نظرت إلى السماء واستجارت بالرب يسوع. وإذا بالصخرة تنفتح أمامها، فتدخل هي فيها، ثم تطبق عليها وتواريها عن أنظارهم. إن الله الذي كان قد أنقذها من النار، ومن الوحوش الضارية، ومن الثعابين المخيفة، لا يعسر عليه أن ينقذ طهارتها وحياتها من أيدي زمرة من الأشرار الأثمة.

موت القديسة الشهيدة تقلا وتمجيدها

وعاشت تقلا تسعين سنةً. فكانت أعجوبة دهرها وموضوع إكرام واحترام الشعوب لها. ورقدت بالرب بطمأنينة وسلام، وطارت نفسها إلى الاخدار العلوية، وإلى المسيح ختنها، وبولس الرسول معلمها، وسائر الرسل والشهداء الذين ماثلتهم في حياتها وغيرتها وفضائلها.

ذاع صيت قداستها وعجائبها وما صنع الله من المعجزات في سبيلها، فملأ الدنيا. فلم يبقَ خطيب في الأجيال الأولى للكنيسة إلا فاض في مديحها، نظير باسيليوس وغريغوريوس والذهبي الفم وامبروسيوس وايرونيمُس. وكان الآباء القديسون عندما يريدون أن يعظموا إحدى النساء القديسات يشبهونها بتقلا. فإن غريغوريوس الثاولوغس يدعو ماكرينا أخت باسيليوس الكبير تقلا، تعظيماً لها. وكذلك ايرونيموس يدعو ميلاني تقلا الجديدة.
وكتب القديس ايسذورس الفرمي الدمياطي إلى راهبات أحد الأديار فقال: "من بعد يهوديت وسوسنة العفيفة وابنة يفتاح لا يحق لأحد أن ينسب الضعف إلى جنس النساء. بالأكثر عندما نرى تقلا، تلك البطلة المتقدمة بين البطلات من البنات، البتول الذائعة الصيت في الدنيا كلها، عندما نراها حاملة عالياً علم الطهارة والبرارة، وقد فازت فوزاً باهراً في معارك شديدة على الشهوة والرذيلة، نوقن ان قلوب النساء يمكنها أن تكون جبارة".

ودفنت القديسة تقلا الشهيدة في سلوقية حيث ماتت، وأضحى قبرها ينبوعاً فائضاً بالنعم والبركات. وفي المجمع المسكوني السابع المنعقد سنة 787 ضد محاربي الايقونات، قام أسقف سلوقية وتكلم بفصاحة وإسهاب عن القديسة تقلا وعن العجائب التي يجريها الله على ضريحها فقال: انني أؤكد بلا تردد أنه ما من إنسان زار ضريحها وطلب شفاعتها وعاد خائباً. بل نرى الناس يعودون من تلك الزيارة وهم يمجدون الله على ما نالوا من نعم، ويسبحون تلك البتول الملائكية.

وان بلاد اسبانيا تفتخر بحصولها على ذخائر القديسة تقلا أولى الشهيدات ومعادلة الرسل، التي تحييها الكنيسة المقدسة بهذا النشيد، مشيرةً إلى جهاداتها البطولية: أيتها البتول، لقد تلألأتِ بجمال البتولية، وتزينت بإكليل الشهادة، وأؤتُمنتِ على الرسالة بما أنكِ مجيدة، وحوَّلتِ لهيب النار إلى ندى، وسكنتِ شراسة الثور بصلاتك، يا أُولى المجاهدات". فاشفعي في مادحيكِ لينقذوا من المصاعب بشفاعتكِ المقبولة عند الله.
 

 

 

 

 

 

 

  العودة الى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com