حياة القديسة تريزا ليسوع (الأڤيلية)

1515-1582

في الجهة الغربية من مدينة آفيلا Avila وفي مجموعة بيوت يَنمُّ ظاهرها عن اليُسرِ اكثرَ منه عن الفخفخة : قبالةَ كنيسة القديس: Domingo de Bilos. ابصرت النور في 28 آذار سنة 1515، الساعة الخامسة صباحاً – طفلةٌ خلاّبة المنظر، التي مع توالي السنين، قُدِّرَ لها ان تحتلَّ مكانةَ اشهرِ النساء في تاريخ النصرانية.

"تريز دي الحمادى" Teresa de Ahumada هو اسمُها، ابنة الرَّزِين، والمَهيب دُون أَلونسو ثيبيدا: Alonso de Cepeda وزوجته الثانية، الحلوة والخَيِّرة: دونيا بياتريث دابلا والحمادى: Dona Beatriz d’Avila y Ahumada… .

وبحسب الاخبار المنقولة، والموثوق بها، قد اغتسلت تريزة بمياه المعمودية، في ال4 من نيسان، في كنيسة سان خوان S. Juan الرعائية. ولا يزال، حتى اليومَ منظوراً ومحفوظاً، الحوضُ الذي فيه وُلدَتِ الطفلةُ الى حياة النعمة. وقد تبناها، في قبول السر العَرابان: D.Francisco Vola Nuñez شقيق Don Blasco حاكِم بلاد البيرو Perú، والذي الى جانبه، قاتلَ قتالَ الابطال، شقيقا القديسة في المعركة الشهيرة، معركةInaquito (1546)، في الاكوادورEquador: والسيدة Maria del Aquila ابنة دون Francisco Pajaros صديقٍ حميم لوالد القديسة، ومُنفذ، بعدئذ ، وصية السيدة Beatriz والدتها.

لا يُعرف شيء عن الطفلة في سِنيِّ رضاعتها. يُعتقد انها عبرتها عبوراً طبيعياً، سالمةً اقله، من الأمراض الثقيلة. وبما ان والداها كانا مسيحيَيْنِ حقيقيين، ما إن تفتح كِمُّ عقلِها الى نور الحقيقة، حتى أخذا يلقناها المبادىء الدينية، باثَيْنِ في قلبها الطريء بذورَ التعبد البنوي للقديسة البتول مريم، وللقديس يوسف خِطّيبِها: القديس الذي سوف تصبح، في المستقبل، الرسولَ الغيور على رفع رايةِ التكريم له، عالياً، في آفاق الكنيسة.

والحدثُ الذي – في طفولتها – يُميط اللثامَ افضلَ من اي سواه، عما سيكون طابِع وشخصية القديسة العتيدة، والأكثرُ اشتهارا لدى كافة معارِفها: هو هربُها مع شقيقها رودريكو : Rodrigo الى ارض المور: مصمّمةً على استعطاء القوتِ، من بابٍ وباب، طيلة الطريق، حتى ينتهيا الى حيثُ يُقطع رأساهما استشهاداً في سبيل الله. كان للطفلة سبعُ سنوات من العمر، لما أقدمت على هذه الخُطة التي انتهت، قبل أن تتحقَّق بقليل، بالتقاء البطلَيْنِ الصغيرين بعَمهما دون : Francisco de Cepeda في البراري، خارجَ المدينة، وهما سايَرْينِ في الطريق الذي يُؤدي الى سلمنكا Selamanca. في الموضع المعروف اليوم: ب: العواميد الأربعة Los Cuatro Postes. وعَمْدُ القديسة هذا الى الاستشهاد انما كان نتيجة ما كان يتأجج به صدرُها من النيران المقدسة، التي أضرمت سعيرها سِير القديسين الشُهداء التي كانت تنصَت الى والدتها تُخبرُها اياها، او تقرأها هي نفسُها مع شقيقها، في كتاب "زهرُ القديسين" flos Sanctorum” “الذي في مكتبة الوالد.

ولما رأت تريزة ان خطتها قد أُفسِدت، وانها لن تستطيع ان تستشهد حبا لله، قبَعت في البيت – وربما شُددت الحراسةُ عليها – مما اضطرها الى تقضية مُعظم أوقاتها مع شقيقها.

فكانت واياه، تارةً تبني الصوامِعَ والاديرة، في انحاء بستان الدار، بالحجارة الملتقطة منه، لكنها ما كانت تَلبَثُ ان تسقط على الارض. وفي تسليتها هذه مع شقيقتها، كان فكرها يغوص في تأملات عميقة؛ كانت قرأتْ واياه ان الثوابَ والعقابَ يدومان الى الأبد. وكان يلَذُّ لها ان تُراجع مع شقيقها كلمة : "الى الأبد، الى الأبد" Siempre! Siempre! وتارةً أخرى: كانت تختلي منفردة، لتلاوة صلواتها الكثيرةَ، والطويلةَ، وأخصها المسبحة، التي كانت والدتُها مثابرةً عليها، وحريصةً على ان يحذو أولادها حذوَها بتلاوتها. وعندما كان يُتاح لها ان تلاعب بناتِ سنها، كان همُّها الهامّ ان تصنع منهن راهبات، وتبني واياهن الأديرة.

وتريزة اخذت، مع ترعرها في السن، تتفتح الى الحياة. فكلّفَت بقراءة الكتب الفروسية التي كانت تُطالعها والدتُها بصورة مستمرة، في اوقات التسلية، شأنَ السيدات الرافهات في تلك الأيام. ولم تكن دونيا بياتريث لتحظَرَ مِثلَ هذه القراءات على ابنتها، اعتقاداً منها ان لا ضرر فيها، وان مطالعتها تحول دونَ تورطِ الأولاد في اخطار عديدة. بالأحرى كانت هي التي تُسهّلها وتُحبّذها. اما دون ألونسو، فكان على عكس زوجته؛ لمْ يالَفْ سوى قراءة الكتب التنسكية والتقشفية، كما ولم يَرقْهُ اصلا تداول ابنته كتبَ الفروسية. ولا بد من ان يكون فرض سلطته وفاتش زوجته في الامر، مصرّحا بعدم موافقته اياها في السماح لتريزة بتلك المطالعات. فعلى الرغم من هذا، ومن الاحترام الذي كانت تكنُّه تريزة لوالدها، كان للفتاة فنُّها الخاص لنهم الكتب سرا، من غير أن يدري والدها بالأمر. وتطرَّق بها هذا السُعار، الى درجة انها كانت تتَنَغَّص وتغتمّ أو تحصلَ دائماً على كتاب جديد.

هذه المطالعات، ما طال ان اثمرت؟ فينقل الأب Ribera كانت حياة القديسة، انها لكثرة ما نهمت من كتب، أَلَّفت بمساعدة شقيقها (1) كتابا، ليس من غير قيمة، ذا صبغة فروسية، لو استندنا في نقده على اوضاع الفتاتََيْنِ، وميولهما يومئذٍ، لوجب أن يخرجَ قصةً طريفة ومسلية.

كانت تريزة تناهز الثالثةَ عشرة، لما توفَّى الله والدتَها الحنونة، عن عمر 35 سنة في Gotiarrendura، مزرعةٍ تبعد عن آبلا ثلاث غلوات (نحو كيلومتر)، لجهة الشمال حيث كانت تستقدمهم مصالحُهم الزراعية. فُقدان الوالدة كان صدمةً عنيفة لتريزة، في اشد عَوَزِها الى حنان الأم. ودليلُه، الحدث التالي، المقتبس من الفصل الأول من كتاب حياتها: "عندما أخذتُ أقدِّر الخسارةَ التي حلَّت بي، قصدتُ – وقلبي يُدميه الاسى – الى صورة البتول مريم، وتوسلت اليها بدموع غزيرة، ان تكون، هي، امي بعدَ الآن. وأعتقدُ ان صلاتي هذه، بالرغم من صدورها العَفْوي من القلب، لقد حَظيتُ بالقَبول. لأني، والحق يقال، ألْفَيْتُ في هذه البتول القديسة، خيرَ معينٍ في كل امر الجأتهُ اليها. وفي النهاية قد اتخذتني كلني لها.

في هذا الوقت تراوحت، بين تريزة وأولادِ عمها، دون Francisco. De Cepeda معاشرةٌ وثيقةُ الرَّبُط، وأخذ وردّ متواصلَين. سبب ذلك – بالاضافة الى القرابة – كون عمها كان يسكن منزلاً ملاصقاً لمنزل شقيقه: والدة تريزة، ولا فاصلَ بينهما الا باب. ودون ألونسو، ليس بالرجل المتغافل عن مقامته، وعن مسؤولياتِه كوالدٍ؛ ولا المتساهلِ بما يصون نقاوةَ جو بيته وهو جذعٌ من الأرومات النبيلة في آبلا حتى يرضى لأي كان بدخول بيته ومجالسة اولاده سيما تريزا. كما ولم يتخالجه شبحُ الرَيْبِ من ملازمة اولاد شقيقه لبيته، ومخالطتِهم اولاده. وبالحقيقة، لم يكُن هنالك من داعٍ الى القلق؛ لأنهم جميعَهم، كانوا على جانب كبير من التهذيب، ومتمرسين في خوف الله. هم أولادُ أخيه. ودارُه تكاد تكون دارَهم. وبعَرْفِ القُربى، كانوا أهلاً أكثرَ منهم أقرباء.

على أن السِّن المراهقة، وتتاخُمّ المنزلين، وجاذبياتِ تريزة – وما أكثر ما حباها الله منها– وسرعةَ خاطرها، الى جانبِ ذكائِها الحاد: مما جعلها قُبلةَ ابصار الشبابِ الشريف في عاصمة الفروسة، كلَّ هذه العوامل، كانت السببَ الرئيسي لمجالساتٍ طويلة، ومحادثات مستمرة مع اولاد عمها، سيما الأكبرِ سناً منهم، الذي – من دون شعور تريزة – قد رَسَمَ في تفكيره خطةً، على الفتاة الجذابة. الا ان ضميراًُ حسّاساً، ولطيفاً كضميرها، لم يستطع ان يتهرب، في الغد، من وَخَزات تلك المجالسات البريئة بحد ذاتها. انها لم تنطوِ على اي اهانة لله. بل كانت مجردَ تقضية أوقاتٍ، بمحادثات شريفة عنيفة. واما الذي زاد في الطين بلّة، فهو ان فتاة طائشةً، ودُنْيَويَةُ، من قريبات تريزة، كانت تعاوِدُها بزياراتها، ناقلةً اليها، بِعَفِنِ الحديث، وخِليعِ اللباس، وخفيفِ المسلِكْ، سم اباطيل العالم. ولم تنجح توبيخات الوالد، ولا تأنيبات الشقيقة الكبرى. ولم يكن ايضا بالوسع الحؤول دون التقاء تريزة بقريبتها: فانتقلت العَدْوَى، وإذا بتريزة اليومَ، هي غيرها مع رودريكو في هربها الى ارض المور. هي غيرُها، في البستان الوالدي، تاليةٌ الصلوات الطويلة، او منقطعة الى التأملات العميقة، او مأخوذة بأبدية المصير، ومُرددةً مع شقيقها كلمة: الى الأبد... الى الأبد! لقد انمحى من بالها بناءُ الاديرة والصوامع، واقامةُ الراهبات. لأن تهالكها على الكتب الفروسية، والمجالساتِ الطويلة والباطلة، ومعاشرةَ الفتاة الطائشة افترّوا دفءَ الفضيلة في قلبها وأَنموا فيه الرغبة في الظهور، وإعجابِ الناس بها، والتأنق في اللباس، وتجعيد الشعر، وتمليق كلَّ ما يُغري فتاةً جميلة، في تكل السِنُّ النَزِفَة والعديمةِ التبصُّر والروية.

هذا التغيير في اخلاق تريزة لم يكن ليخفي عن عينَي دون ألونسو، كما ولا عن ابنته الكبرى: دونا ماريا، ذات الوداعة والفضيلةِ المتينة. ولذا، قبل أن تغادر هذه المنزل الوالدي، لتتزوج بدون مرتين: D.Martin Casman Barrientos… باحثَت أباها بشأن تريزة، وقرارا ارسالَها الى دير الراهبات الأغسطينيات، حيث يتهذب، كتلميذات داخليات بنات الطبقة الشريفة الآبلية، في جوٍّ نقي، بعيداً عن اخطار السِنّ الطائشة والمعشَرِ المحموم.

كانت تريزة ابنةَ 16 سنة، يوم ولَجَتْ اعتاب الراهبات الأغسطينيات. والايام الثمانية الأول، كانت أصعبَ ايام وجودها في المعهد. وما ان مرت هذه المحنة، حتى ألِفت تريزة الجو، وعادَ السرورُ الى نفسها، كما وعَظُمَ إعجابُ الراهبات بها.

كانت تنام وايانا- تقول تريزة – في حُجرة النوم، نحن التلميذات، راهبة فاضلة اتخذها الله اداة لإعادة نور الحقيقة اليّ. ولما أخذ يَروقُني حديثَها التقي، والقديس – وهي كانت على جانب كبير من الحكمة والقداسة – كنتُ أُسَرُّ بالسماع اليها. ما ألذَّ ما كان حديثُها عن الله الامر الذي، على ما اعتقد، ما فتئتُ يوماً واحداً عن السرور بالنصْتِ اليه. فشَرَعَتْ تقُص عليَّ كيف انها ترهبت، لمجرد قراءتها نصِّ الانجيل: "إنّ المدعوين كثيرون والمختارين قليلون" (متى: 20-16). وكانت توضح لي الثوابَ الذي يُعدُّه الله لمن يتركون كل شيء حبا له. وبهذه العِشرة الصالحة لها، أخذتْ تنطَمِشُ في نفسي العوائدُ التي رسمتها العِشرة الرديئة، وعادت تَنبُتُ في فكري الأشواقُ الى الأمورِ الأبدية؛ وتلاشَي قسمٌ كبير من شديد كراهيتي لاعتناق السِلك الرهباني: كراهبةٍ كانت تُبهظ كاهلي بِثِقْلِ وطأتها. وإذا حدثَ لي ان أفاجىءَ راهبة تَذرِفُ الدموعَ وهي تصلي، او تتمرَّسُ بإحدى الفضائل، فكنت أحسِدُها كل الحَسَد. لأني، كان لي – حينئذ – قلبٌ أقسى من الجلمود، حتى اني، لو قرأت آلامَ الرب بكاملها، لما اعتصرتُ منه دمعة واحدة. وهذا اكثرٌ ما كان يَكبِتُني." (كتاب السيرة، فصل 20).

قضت تريزة في معهد الأغسطينيات سنةً ونصفَ، وتحسنت معنوياتها تحسنا ملموسا. فكانت تصلي بدون انقطاع، وتطلب الى كل مَن حولَها ان يتشفعوا فيها لدى الله، علّه يُنيرها الى الطريق الذي يُريد ان تخدمَه فيه. "لكن ليس باعتناق السلك الرهباني، ولا ان يرتضيَ تعالى بأن يدعوَني إليه، مع كوني، بالوقت نفسِه، كنت أخشى الزواجَ ايضا. (ف 3).

في آخر مرحلة تهذيبها هناك، كانت تميل الى الترهب اكثرَ منها الى غيره. لكي ليس في دير الأغسطينيات: بسبب بعضِ الممارسات المتطرّفة في القساوة، والتي كانت تعتبرها متجاوزة الحد. ومما كان يَزيدها رسوخاً في اعتقادها هذا، هو موقِفُ بعض الراهبات الشابات ، اللواتي لو كُنَّ جميعُهن على نظرية واحدة، "لعاد الأمر على نفسي بفائدة أعمّ"

تريزة تناهِزُ اليوم ال18 من العمر. وإذا بمرَضٍ يضطرها الى مغادرة المعهَد الى المنزل الوالدي، حيث أغدقَ عليها دون ألونسو، من الاعتناء احنَّه، فعادت اليها عافيتُها. ولاكتمال فترة النُقوهَة، كما ولمشاهدة شقيقتها الكبرى: دونا ماريا، التي لم ترَها منذ زواجها من دون مرتين، قصدت الى Castellanos de la Canada قريةٍ صغيرة في اقليم آبلا المتاخم لاقليم سَلَمنكا، تحوي بضعَ بيوتٍٍ وبئراً، لتقضية ردحة من الوقت الى جانب امها الثانية الساكنة هنالك منذ وداعها البيت الوالدي.

لا يُعرف الزمانُ الذي صرمته هناك تريزة. الارجحُ أنه كان بضعةَ أشهر، لأن المسافة الى هناك طويلة، واشقاء تريزة كانوا يَكُنون لها محبةً جمّة ليدَعوها ترجع الى آبلا قبلَ هذا الميعاد.

تريزة تُطلُّ الآن على الربيع الثاني من عُمرها. هي اليومَ في غَلْواءِ الشباب. هي لفي أدقّ وأصعب مراحل حياتها: مرحلة تقرير المصير. نهجُها اليومَ، بعد خروجها من دار التهذيب، هو غيرُ نهجها في سن طفولتها، او في عِشرة اولاد عمها في آبلا. هي اليومَ رزينة. مفكرة. متبصرة. قدُّها الممشوق - وهي ابنة العشرين- يلتحِفُ برونقٍ جيد، من مِشيتها المتئدّة، الرصينة، واحتشامها في اللباس، وِين حديثها المهذب. جمالُ خَلقِها – وهي الكَلِفة اليومَ بسماع كلام الله، والتحدث عنه، والعملِ بوحي الفضيلة – تضاعف بمزيجِ سموِّ اخلاقها – وهي خرّيجة الأغسطينيات - بكرامة محتدها، ونُبلِ عرقها: وهي من طبقة الاشراف، آل الحمادى، ذوي الأصل والفصل في آبلا.

حياتها اليومَ، غَدَت حياة الفتاة النبيلة والراقيةِ في آن واحد. حياةَ فتاة تتراوح أوقاتها بين أعمال الفضيلةِ والمثابرة على الكنيسة، ولكن من دون انقطاع عن التسليات المأنوسة، ولا عن المعاشراتِ التي تتلاءم مع وضعها وطبقتها. وجمَّعَ مقتضياتِ الدين والدنيا، ليس بالأمر المستحيل، إذا تقيّد المرء بسنن الآداب المسيحية. وتريزة الفروسية بطبعها، وابنةُ الاتقيال بقلبها، كان لا بد لها من عَجْمِ كلا الجوين: الديني والدنيوي، قبل ان تنتقي لها السبيل السوي الذي فيه ارادةُ الله.

في هذه الايام سافر بعضُ اشقائها الى اميركا الجنوبية. وتيارُ الهُجرة جرفهم الى ما وراء البحار، كما جرف الكثيرين من ذوي الدم الأزرق، من آبلا ومن سائر المدن الاسبانية. في تلك الحقبة من التاريخ، كان للهند الثانية جاذبيةٌ، لا تتمالكُ حيالها، نخبةُ الشبابِ الاسباني عن القذف بأنفسهم الى بلاد الغَيْبِ، والمجهولِ والمغامراتِ، شِبعاً لصدورهم التي تَخفُقُ تيهاً وحماسا للإنتصارات والبطولات الغَيرِ المسموعة، التي يأتي بها، هناك، مواطنوهم، الفاتحون الأول.

تريزة، وقيودُ الأخُوَّة تتقطَّع عنها، باغتراب اشقائها، تدخل الاحدى والعشرين. أفكارها ما برحاْ تنصقِلُ يوما عن يوم. وبعودتِها الى والدها من عندِ شقيقتها، كان لا بد لها من المرور بعمها: D.ledro Sanchez de Copeda وهو رجلٌ مُترمِّل، فاضل، وأليفٌ لقراءة الكتب التقوية، كان يسكن في Ortigosa. وعلى الرغم من ترمله، وكِبَرِ سنه، قد تركَ كل مقتناه، وانضم الى رهبانية القديس ايرونيموس.

هذا العم المتقشفُ، والعابدُ لله، استوقفَ تريزة عنده بضعة ايام. وكأني به تفرس في نفسية ابنة اخيه وقعاً حسنا لكلامه: فأخذ يقرأ لها الكتب التقوية ويحادثُها عن الله، ويحثها على ترك الدنيا والترهب. ولما كان يَكِلُّ من القراءة، كان يناول تريزة الكتابَ، وهي – وان عن غيرِ نفسٍ طيبة- كانت ترضيه، فتقرأ له وهو ناصت، ويقاطع القراءَة، من حين الى حين بشروحاته وتعليقاته.

من هذه القراءات انجلت لتريزة حقائق غُرِسَت في قلبها وهي طِفلة. أعني: فهمت زوال كل شيء. وبطلان العالم. وسرعة زوال كل ما فيه. لا سيما، هذا الاعتقاد : اني لو متُّ ساعتي، لذهبت الى الجحيم (حياتها: ف 3- 5/6). هذا ليس يعني بعدُ انها قررت دخول الدير. لكنها كانت تتحقق ان هذا لهو النصيبُ الأصلح لها. "بقيتُ، تقول في كتاب حياتها، في هذه المحنة ثلاثةَ اشهر، أحاولُ اقناعَ نفسي بنفسي، ببراهين كهذه: أن عذابات، ومشقات الحياة الرهبانية، لا يمكن ان تكونَ أشد من تلك التي تنتظرنا في المطهر، واني، قد استحقَقْتُ فعلاً نار جهنم: ولذا، ليسَ بالامر الكثير عليَّ، لو قضيتُ في ارجاء الدير، كفي مطهر، سحابة عُمري، لأني بعدئذ، سأنتقل منه تواً الى السماء: وهذا كان ذروة حنيني! اما الشيطان، فكان يعارضني، بأني لن أقوى على تحمل قساوة الأنظمة الرهبانية بسبب نحافة مِزاجي. ولكني كنت أدفعه عني بتمثّلي العذابات التي قاساها المسيح، وبأنه ليس بالكثير علي أن أقاسي، انا ايضا، بعضا حبا له، بالاضافة الى ان نعمة الله ستعضدني في تحملها" (حياتها : و3-6).

طيلة هذه المحنة كانت تقرأ رسائلَ القديس ايرونيموس. ومنها استقت العزمَ والحزمَ...وأخيراً، ونهائياً الترهبَ؛ فصارحت اباها بما اختلجَ ونضجَ في صدرِها.

اما دون الونسو، ذُو الرأسِ المكلَّل ببياضِ الشَيْب، والناظر الى اعتاب الأبدية اكثرَ منه الى اي شيء آخر، فلَم يوافق قطعا على طلب عزيزته. تفكيرُ تريزة وتفكيره كانا تِمَّ نقيضين. لكَم وكَم من مرة غازلته هذه الفكرة: انَّ تريزة ستكون بجوارَه عصىً لشيخوخته! انها ستُملي الفراغ الذي يتضوّرُ به قلبه العطوف، من فُقدان زوجته في صباها، وبُعدِ ابنته دونيا ماريا عنه، واغتراب خيرة شبابه الى ما وراءَ البحار!... كيفَ يَطوق دون ألونسو، الرقيقُ الشعور، غيابَ وجه تريزة عن عينيه اللذين طالما اكتحلا بمُلامسة محياها الصَبوح! كيف السبيل الى مفارقته اياها، وهو بدونها، لا يقوى على عِبءِ الحياة؟ من انيسُه سواها؟ من يُجلي عنه الكُربة والهم؟ من يَمدّ له اليد الحنونة، الناعمة في عَوَزِه في شيخوخته اليومَ؟ وفي قصرِهِ في هرمِهِ غداًُ؟ من الأَولى – سواها – بحظوةُ آخر قبلته، وآخر رضاه، وآخر نظرة من نَظريه الشاحبتين، قبل أن ينطفىء النور عنهم؟ من سيُغمض له جَفْنَيه...؟ ليس غير تريزة! لقد اكتنفها بمحبةٍ فريدة. وبذل في سبيلها ما لم يبذله لسواها من أشقائها. هي موضوعٌ احلامه. هي مُلتقَى آماله. لا ! ... لا... انها لا يجبْ ان تُغادِرَه، كما ولا يجِب ان يرضى عنها!

هكذا، وبلمحة بصَر، تماثلت هذه الخواطر حِيالَ باله، متراكضةً تارةً ومتراقصةً أخرى، كأنها أطيافٌ هزيمةُ، تستحي من ان تُطِلَّ على وَعْيِهِ الذي لا يستطيع التسليمَ بها، ولا رَدْعَ واقعيتها عن التحقيق.

تريزة، تعلم بنقطة الضعف في والدها: أنه الرجل المسيحيُّ الصرّاح، الذي تمشيا مع مبادئه، لا يجب أن يعارِض خطتها. فهاجمته من هذا الباب. لكن دون الونسو، على رغم تدينه، وقراءاتِه التقشفية والتنسكية، لم يستطع أن يتغلَّب على عاطفته. فتصلَّب في موقفه، على غير عادتِه. وجُلَّ ما آل اليه الحوار بينه وبين ابنته: انها بعدَ موته، لطليقةٌ الحرية ان تفعل ما تشاء. تريزة لم ترمِ سلاحَها. لقد اعتزمت دخول الدير، وقالت كلمتها الفصل، أمام الله وأمام وِجدانها. وكلمتها ليس لها من ثانٍ. بل يدعَمَها في عِنادها هذا: "نَعْرَةُ الشرف"، المليئة هي منه، وإذ كانت تتوافر لها الأساليب لإقناع والدها المصِرّ، وتعلم أيضاً جيد العلم بما يَتثنّى في حنايا والدها، لم تُعتّم ان روَّقت خاطره. وبالرغم من انها لم تَنَل منه جوابا صريحاً يأذن لها في دخول الدير، فهِمت انه ليتحمل بصبر مثالي فِراق أعز أولاده، فيما لو غادرت المنزل بدون سابق علمه.

ومن فيض فطرتها الإندفاعية الى نشر كل ما فيه خيرٌ وصلاح – هذه الخَصْلة التي طالما نبضَ بها قوياً، قلبها الخيِّر المعطاء – وبينما كانت تتحيَّن الفرصة السانحة للخطوة الحاسمة، اقنَعت شقيقها انطونيو Antonio وهو اصغر منها سنا بخمس سنوات، بالانخراط هو ايضاً في السِلك الرهباني. وفي الصباح الباكر، من اليوم المتوافَق عليه، غادرا خلسةً الدار الوالدية، فتريزة باتجاه دير التجسد؛ وانطونيو بعد ان رافق شقيقته الى اعتاب الحصن – الى دير القديس توما.

هو ديرُ التجسد، الدير الذي أوَتْ اليه تريزة، اليوم! وهو مَهيبُ المنظر، جميل البنيان، واسعُ الارجاء. يربِضُ في واد صغير من الجهة الشمالية من آبلا، عاصمة الفروسة، وخارجَ الجدار التاريخي، والرمادي اللون، الذي يُساور المدينة، ويُجلْبِبُها بالهيبة والتحدي، جاعلاً منها حصنا منيعا اكثر منها مدينةً نبيلة.

ثمَّ، كانت مشيئة الله ان يَستأدِيَ الصداقةَ التي تربط تريزة براهبة من الدير: اسمها خوانا سوارز Juana Suarez ليجذبَ اليه (ليسلب) المرأة التي سيُعهدَ اليها اصلاح الرهبانية، والتي ستقود، فيما بعد عملية الاصلاح الى ميناء التحقيق.

دون الونسو، لما بلغه هرب ابنته، دَمَعَتْ مُقلتاه؛ وتقبض قلبه؛ واعتراه دُوار، من صدمة الفراغ الذي تركته بفرارها اعزّ اولاده. لكنه، لم يلبثْ ان استسلم الى مشيئة الله. ولا تريزة نفسُها باتت اقلَّ شعوراً منه بمرارة الفِراق: "أتذكَّر- تقول في كتاب حياتها – والصورة تتماثل لي الآن بكامل واقعيتها، اني لما غادرتُ بيت والدي، شعرت بالم لا أعتقد انه سينتابني نظيره ولا في ساعةِ الموت!... كنت أتحسس، وكأني بعظامي تنفصل: كل عظم عن أخيه! وبما أن محبتي لله لم تكن لتقوى على عاطفتي نحوَ والدي وأقاربي، فذُروة نِزاعي تلخَّصت في ضغط لنفسي واجهاد عظيمتين، لدرجة اني، لو لم يُمدَّد الله يد المعونة، لما آلت بي جميع اعتباراتي الى دفعي خَطوة واحدة نحو الدير" (ف 4).

اتّشحت تريزة بالثوبِ الكرملي، في ال2 من تشرين الثاني، سنة 1536، عَقِبَ بضعة ايام من دخولهاالدير، وهي ابنة 21 سنة، 7 أشهر وخمسة ايام. وساعة لُبسِها الثوبَ الرهباني، أفهمها الله، بإيحاء منه تعالى، وافرَ اثابته للذين يتجاهدون في سبيله. ورؤيتُها مزدانةً بثوب العذراء، أفعمتْها سروراً عظيماً، ما برِحتْ تتذوقه طيلة ايام حياتها، بل ظل ينمو ويتزايد حتى موتِها السعيد.

وليس بالامكان سَرْدُ جميع المحن الداخلية التي تعاقبت على روحِها، في سنة الابتداء. سيما تلك التي تَمُتُّ بصلة الى حبها الذاتي، كرَميها بتُهم هي بريئة منها، وما شابهها، لأنها تَسرِدُها، هي ذاتها، بسذاجة فتَّانة في كتاب حياتها. تقول :"...في سنة الابتداء عانيتُ محَناً مرة من اسباب، بحدِّ ذاتها لا يجب ان يُؤبَهَ لها. فكان الراهبات يُقرِّعنني، عن غيرِ ذنب مني. وكنت أتحمَّل التقريعات، بكآبة ونقصٍ عظيمين، على رغم ان سروري بكوني راهبةً، كان يُساعدني على المرور فوقَ ذلك كله. واذ كُنَّ يلحظنني اسعى للإنفراد، او يَرينَني احياناً اذرِف الدموعَ، آسفةً على خطاياي، كن يعتقدنَ اني غيرَ راضية بحالتي، ويتباحَثنَ في ذلك فيما بينهن. كنت كَلِفةً بكافة ممارسات الرهبانية. ولكن ليس بأن أتحملَ واحدةً تنم عن احتقار لي. كنت أسَرُّ بتقدير غيري لي، وأدقِقُّ النظرَ في كل ما كنت أعمل، وأتخيَّل الفضيلة في كل ما كنت آتي به. على ان هذا كله لا يُبرِّرُني من الخطأ: كما ولا الجهلُ يُعفيني من اللوم، لأني كنت، في كل عمل أعرف الطرقَ التي تنسابُ الى مسرتي.

قد يَعذِرُني كون الدير، لم يُؤَسس على مستوى عالٍ، في نهج الكمال. اما انا، نظراً لتعاستي، فكنت اتجنب الصالح، لأركضَ وراء ما كنت أرى فيه النقص". (السيرة، فصل 5).

في السنة التالية، أبرزتْ تريزة نذورَها الرهبانية، وعلى بعد ايام قليلة داهمها مرض غريب وعُضال، كاد يذهب بحياتها. فانتقالها من حياة رافهة الى أخرى قَشِفَة، من جوٍّ ترِف الى آخر شظف، ومن مائدةٍ متقونة الألوان الى طعام الرهبان الرتيب: كان السبب في تدهور صحتها. فكان يُغمى عليها غالباً وتنتابها عوارضٌ قلبية عنيفة، لدرجة انها كانت تُلقي الرعبَ في الناظرين اليها. وهكذا، بين تناوبِ هذه الأمراض، قضت السنة الأولى من حياتها الرهبانية. وظلت صحتها تسوء، يوما عن يوم، بالرغم من سخاء والدها: دون الونسو، الذي لم يألُ جهداً في استحضار اشهر اطباء المدينة، وأكثر الأدوية كُلفةً لمعالجتها. كلُّ ذلك ذهب سدى. فتريزة كانت تقضي مُعظم اوقاتها في شبه غيبوبة عن الحواس. وبالفعل، في انقطاع تام عن كل ما حولها.

ولما رآها الوالد على هذه الحالة، قرر، بموافقة الرئيسة، ان ينقل ابنته الى (1535) قرية تبعد 15 غلوة غربي آبلا، حيث ذكروا له "طِبيبةً" ذائعةَ الصيت في ارجاء المعاملة، انها تشفي من جميع الأمراض، علَّها تشفي ايضاً عزيزته.

وفي طريقها الى Becedas اضطرتها الظروف الى التوقف في Ortigosa في بيت عمها: دون Pedro ثم في Castellanos في بيت شقيقتها: دونيا ماريا، وزوجها: دون مرتين. وصلت الى هنا، في أوائل الشتاء، وكان يرافقها والدها والراهبة التي تحبها: دونياJuana Suarez . وأما الىBecedas فلم تستطع السفرَ حتى شهر نيسان.

دير التجسد، ككثرة الأديرة غيره، لم يكن في تلك الأيام، مقيداً "بالحصن البابوي" القانوني، كما هي الحال اليوم، والذي بموجبه يحظر على الراهبة الخروج منه تحت طائلة الحِرْمِ فالراهبة، لأسباب مشروعة، كان يُسمح لها بالخروج من الدير، والتغيب عنهن والمكوث في بيت أهلها لمدة اذن الرئيسة.

في Becedas أجريت لتريزة علاجاتٌ قاسية وغريبة في آن واحد، ودامت ثلاثة اشهر. كما ووُصفتْ لها أدوية قوية من اختراع "الطبيبة" لم تقوَ طويلاً بنية تريزة المتصدِّعة على تحملها. هالَ الأمرُ دون الونسو، فارتأى ان يأخذها الى بيته. وفعلا ارجعَها الى آبلا بعد غياب نحو سنة عنها. وما ان عادت حتى امرَ والدُها بكشف طبي جديد وشامل، قرَّر على إثرِه الأطباء، بأنها مسلولة، وبأن ليسَ من بريقِ امل في شفائها. ازاءَ هذه النتائج كاد دون الونسو يَفقِدُ صوابه، في حينِ كانت ابنته تَرقُب في سوء صحتها يدَ الله ومشيئته!

في منتصف آب (1538) بلغَ بها الهَزْلُ حدوده القصوى، فغاصت في غيبوبة دامت اربعة ايام، وهي معقودةٌ اللسان عن النُطق، وعديمةٌ من أي حراك. فأخذ الجميعُ يبكونها مَيتَة. وفي أحد الأديرة اقيمت عن راحة نفسها فرائضُ الموت؛ وفي دير التجسد قد أُعدَّت العِدة لجِنازتها ودفنها. لكن دون الونسو لم يقتنع بوفاة كريمته، وحالَ بعنف شديد دون كل محاولة لمواراتها التراب.

وِقفة دون الونسو الجريئة، انقذتْ تريزة من الدَفْن حيةًٍ! لأنها بعد غيبوبتها هذه الطويلة، افاقتْ، وأخذت، بعد أعجوبة القديس يوسف الشهيرة، تستعيد عافيَتها شيئاً فشيئاً. وعلى فور عودتها الى حيِّز الوعي، يقول الاب Ribera، هتفَتْ بهذه العبارات: "مَن الذي ناداني؟... اني كنت في السماء...شاهدتُ جهنم... ابي ودونيا سوارز (صديقتها) سيخلُصان بي. شاهدتُ الأديرةَ التي سأبنيها، والخيرَ الذي يجب ان اصنعَه في رُهبانيتي، والنفوس التي سأقودها الى الخلاص... سأموتُ قدّيسة، وبعد موتي، سيُسَجَّى جُثماني بِغشاءَ ذهبي".

والحقيقةُ ان القديسة، لشَديد ضعفها وهزلها، باتت كسيحةً، خليعةً، لا تستطيع حَراكا الا انتابها الأم مُبرحة في مفاصلها، مما كان يضطر الراهبات الى نَقلها على مِلحفَة تُحمل من اطرافها الأربعة. فقصدَتْ زحفاً ودَبّاً، صورة القديس يوسف، في منتصف احدى الليالي لتضرعَ اليه من اجل شِفائها، فكانت الأعجوبة التاريخية. واليك كلامها: "عندما رأيتُ الحالة التعيسة التي أوصلني اليها اطباءُ الأرض، وكيف غَدَوتُ كسيحةَ الأعضاء وأنا في عنفوان شبابي، عزمت على الالتجاء الى اطباء السماء، وطلب الشِفاء منهم: لأني كنتُ ارغب في الصِحَّةِ، على الرغم من تحملي امراضي بفرح. لكني كنت أفكر، بالوقت نفسه، ان الصحة لتُساعدني على خدمة فُضلى للرب. وهاهوذا ضلالُنا: عدم استسلامنا في كل شيء الى ايدي الله الذي يعلم افضلَ منا بما يوافقنا.

أخذتُ في اقامة سلسلة قداديس، وتلاوةِ الصلوات المأذون بها. لم تَطِبْ لي أبداً تلك العبادات التي يلجأ اليها بعضُهم، لاسيما النسوة، والتي بداخلها لفيفٌ من الرتب التي ما استطعت هضمَها، على رغم كَلَفهم الشديد بها، الا أنه تبيَّن فيما بعد انها غير صالحة، وإنها تنمُّ عن خُرافة اكثرَ منها عن تقوى.

اما أنا، فأخذتُ شفيعاً لي وسلطاناً القديس يوسف المجيد. ووَصيَّتُه بقضيّتي بحرارة. هذا القديس، ابي، وشفيعي، أشْفانِي من مرضي الذي كبَّلَني، كما وساعدني في ضيقاتٍ عديدة لا تقل خطورة عن الأولى، والتي كانت تساومُ على شرفي وخلاصي الأبدي، افضلَ بكثير مما كان يتسنى لي ان اطلب... ولم أذكر اني سألته نعمة ما، ولم أنلها للحال... يظهر ان الله قد خَوَّلَ سائر القديسين امرَ مساعدتنا في هذه الحاجة ام تلك. أمّا القديس يوسف فقد اختبرتُ ان شفاعته تمتد الى جميع الاحتياجات... وخِبرَتي الواسعة من النِعم التي اولاني اياها هذا القديس، لتدفعني الى تحريض جميع النفوس على التعبد له.

ولو كان لكلامي قَدرٌ ومكانة، لأسهبتُ، بالتفصيل، في سردِ النعم التي أسبغها عليّ وعلى كثيرين غيري هذا القديسُ العظيم...اسأل فقط – حبا لله – كلَّ من لا يصدقني، ان يجربَ ما قلت، وسيرى، بلمس اليد، ما أكثر ما يفيد النفس الإلتجاء الى هذا البطريرك المجيد، والتعبد له" (حياتها ف: 6-5).

لم يقم بين الوَعظَةِ، في اي زمان او اي مكان، من قرَّظ القديس يوسف بكلام اسمَى، وأجرأ، وانفذَ توّأ الى حنايا القلوب، وآخذَ بلبِّها، من كلام القديس اعلاه. ومن ايامها، أخذ التعبّد له ينتشر حتى عمَّ الكنيسة جمعاء، فأعلنه الأحبار الأعظمون شفيعاً ومحامياً للكنيسة كلها.

ومن السنين التي تلي برازَها النذور الرهبانية، حتى مستهلِّ اصلاح الرهبانية الكرملية، اي: من الثامنة والعشرين من عَمرها حتى 45، تنْدُر اخبارُها باستثناء تلك القيمة التي تعطينا اياها في كتاب حياتها، والتي تدور حول مِحنِها الداخلية، وأحوالها النفسية، وحرارتها وتقصيرها في خدمة الله، وتقَسيها الكمال الإنجيلي، اكثرَ منها حول الظروفِ الخارجية لحياتها الديرية.

كانت تريزة – وهذا مما لا شك فيه – طيلةَ هذه السنين، مثالَ الدقة في حفظِ القانون. كانت حِبيبةً للجميع. عطوفةً على كل من به بليَّة، وشعورةً بشعور الآخرين. كانت معتدلةً في جميع تصرّفاتها، ليْنَةَ المسلِك، عذبَةَ الحديث ازاءَ كل من جاورها. كان لها حنان لا نِدَّ له ولا نظيرَ، نحو الضعيفات: سيما المريضات. طاعتها واحترامُها للرؤساء : حدث عنهما ولا حَرَج.

على ان اريح فضائلها لم ينحَبِس طويلاً ضمنَ جدران الدير، حتى انتشر خارجَه، كعبير زكيٍ، تتناقله الألسن ويهجِسُ به الناس. تريزة، هي، في عَرفِ الجمهور: الراهبة المثالية التي تتحلى بأنحفِ التهريب المدني، وبالتالي الرهباني، الى جانبِ ألطفِ القول والفعل في المَعشَر. هي الراهبة العصرية، يومذاك: التي تحلم بأفكار توسعية، وتطورية، واصلاحية، مع رسوخها – ان صَحَّ التعبير- في اقدم مبادىء التديّن والترهّب. تريزة : هي ابنة آل الحمادى: وبالرغم من انزوائها في الدير، لم ينسَها معارفها، والمعجبون بها. فإذا بالناس من كل طبقة، وجنس يتقاطرون اليها، للتلذذ بحديثها العَذْبِ، واستشارتها في امور روحية، او طريفة، او غريبة، ولاستقاء التعزية من صدرها الحنون والعطوف. والأديرة – يومذاك – كان مَقصَدَ الجميع. وقاعةُ الاستقبال ما كانت لتخلو من زائرين يَؤمّون الدير، للتحدث – من خلال الشبّاك – (1) الى راهبة قريبة، وللإسترشاد لدى أخرى خبيرةٍ بطرق الرب، أو لمجرد تقضية فترة وقت مع أخرى تربطهم واياها معرفةٌ قديمة ام صداقة شخصية ام عائلية. والراهبة التي حباها الله جاذبيةً طبيعية وأخلاقاً دمِسة، ولساناً معسولاً في الحديث، وليناً في الصِّلة، كانت لا بد من أن تسحَرَ الناس، سيما إذا أضافت على مناقبها الحميدة الفِطرية متانةً في الفضيلة، ورسوخاً في التقوى، ونزعةً خيرة معطاء.

وتريزة التي افاضَ الله عليها جمالَ الخَلْقِ، وأجملَ الخُلْقِ؛ تريزة التي اخذ عبيرُ تقواها وقداستها يفوح خارج الدير؛ تريزة التي يجري في شرايينها الدم الأزرق، دمُ الأشراف، كان لها كلُّ المؤهِّلات الشخصية والبيئية، لتتقدم على سائر الراهبات في حقلِ استقبال الناس، والتحدثِ اليهم، وهم اليها ساعاتٍ طويلة.

ذهنية ذاك المجتمَع، في القرن السادسَ عشر، ليست هي نفسَه، اليومَ، في القرن العشرين. وعلى ضوءِ العوائد والتقاليد المَجرِيةَ يومذاك، يجب ان نُحلِّل هذه الأوضاع ونحكم عليها. ومن العوامل التي زادت تريزة شهرةً، وحركت الجماهيرَ على الإقبال عليها، كراهبةٍ تقية، فيها روح الله، وحِدّيثَةٍ ممتازة، وضيعةِ الجانب: هي وضعيةُ الدير الذي استوطنَته.

فدير التجسد، تأسس سنة 1479، على ان يكون مركَزاً لطباويات : أي نِسوَة تقيات، وعابدات للرب، باتباعهن قانون الجمعية الثالثية الكرملية العِلمانية. وكان عددهن يربو على ال130 عابدة. وكن يزاولن فروضَهن الدينية، ويعقِدنَ الاجتماعات، في المركز المذكور، كما ويُقمن فيه، ويخرجن منه، ويتعاطين مع الناس، كسائر اهل العالم. ومع مرور السنين، رغبنَ بالإجماع، في الإنضمام الى فرعِ الرهبانية الثانية الكرملية، مع تنصيب الحياة القانونية: فتحوّل هكذا المركز الى دير رسمي وقانوني، وأطلِقَ عليه اسمُ: دير سلطنتنا للتجسد، وبالاختصار: دير التجسد.

على ان قلبَ المركز ديراً، لم يؤلْ حتما، وسريعاً الى تبديل جِذري في عقلية "الطباويات" القديمات، فيجعل منهن راهبات منقطعات انقطاعاً تاماً عن العالم، الى ربهن. فبقيتْ آثار النهج القديم: من استقلالٍ فردي، وسهولةٍ في الخروج من الدير والتغيب عنه، الى عدم تطبيق الحِصْنِ القانوني؛ ومن عادة استقبالِ الزوار والفضوليين، الى المجالسات المتكررة والطويلة في رَدْهَةِ الاستقبال؛ ومن المحادثات التَقَوية، في البداية، الى الفضولية، احياناً، والتافهة في الغالب، من وراء "الشباك"، مما كان يُحوِّل الديرَ الى مزار أكثرَ منه الى صومعة؛ ويضطرُّ الراهباتِ، النبيلات العرق، وذواتِ المناقب الجذابة – دون سواهن – الى تقضية مُعظمَ اوقاتهِن في قاعة الإستقبال، والتغاضي عن واجباتهن الديرية.

ويتصوَّر القارىء، لكم من ثَورةِ حَسَدٍ جاشَت في صدور راهبات أُخَرّ، لا يُفلِحنَ – لعِقدة نفسانية وَليدةٍ، أو لفقرهم الى شرف الأصل، والمؤهِّلات الاجتماعية – في سمسرة زُوار ومُحدِّثين، تشبها بغيرهن، مما كان يشطر الجوّالى اتجاهين: اتجاهِ الراهبة الشريفة الأصْلِ، من جهة؛ والراهبة الوضيعةِ المنشأ، من أخرى؛ هذه: محتقرة، مُهملة، وغيرُ مقصودة بتلك الزيارات الدنيوية؛ وتيكَ: مأخوذةٌ بعين الاعتبار، مكرَّمة، ومعزَّزة الجانب. هذا، وناهيكَ عن "نعرات الشرف، وعن تفشيها بين "الطباويات"، وبعدئذ، بينهنَّ وهن راهبات! ولكم دفعت القديسة غاليا ثمن هذا التفاوت في الحَسَبِ والنَسَبِ، وتَمسُّكِ الراهبات بشرفيةِ الاصل وكرامةِ المحتد!.

على ان الشذوذ المنقولة الى دير التجسد، من كونِه قديماً مركز "طباويات"، لم يكن بالأمر السهل القضاء عليها. فالسلَف القديم في الراهبات نقل عوائدَه الثمينة والغَثَّة الى الخَلَفِ الجديد: الميَّال بفطرتِه الى الاخذ بهذه وتركِ تلك... الى ان دقَّت ساعةُ الله: اعني، الى دخول تريزة، النبيلة العِرق – الوضيعة القلب- ديرَ التجسد، لتصلح، فيما بعد، الفساد في الذهنية ، والمسلك، والأوضاع، وتُرجِع البهاء والرونق الى الأديرة.

في هذا الجو المتناقض، كانت تريزة دي الحمادى تقضي نهارَها، متماديةً في مجالسة العلمانيينن والتحدث اليهم، شأنَ تقاليد مُحيطِها، قصدَ تعزيتَهم وافادتهم الروحية، وتدريبهم على طُرق الصلاة؛ ومُخصِّصة – دون سواها – أوقاتٍ وافرة للصلاة العقلية واللفظية، وللمطالعات التقوية: مما كان يُثير الهَمَسات والاقاويل عليها.

على انها، في الدير، كانت مُشتكى هَم اخواتها. فكانت تُعزّي هذه، وتُرشد تلك؛ وتبعثُ النشاط في قلب اليائسة. وبمُداركتها حياة الدير وحياة الدنيا معا، كانت تتمخض في بالها فكرة الاصلاح: لكن كان لا بد لها من التريّثِ، والانتظار، والصلاة...

ومما يُسلّط اضواء جلية على شخصية القديسة الفذَّة، ويدل على ذائعِ صيتها في المجتمع، وعميق سطوتها على قلوب الناس، في إطار المجالسات والمحادثات المذكورة مع العلماننين، كما وفي مِضمار ازالة الكَرْبِ، وجَبْرِ الخواطر المكسورة، ومؤاساة الحزانى، وإعادة ذكر الله الى القلوب الشريدة: هو الحث التالي، الذي تنقله هي وعموم كتاب حياتها:

فقدَتْ، في توليدو Toledo دونيا لويزا Luisa de la Serda سيدةٌ من أعرقِ الأسَرِ الاسبانية- زوجها : ارياس بردو Arias Bardo. وراحت تبكيه بكاءً مراً، مستسلمةً الى يأس وحزن قتالَيْنِ، كادا يقضيان على حياتها لولا توسّط رئيس المعاملة. هذا، بدافع روحه الكهنوتية، وعِرفاناً منه بجميل دونيا لويزا على الرهبانية، أمرَ القديسة ان تقصِدَها الى توليدو، حيث مكثت لديها بضعة اشهر، تُعَزيها، وتؤانسها، صابَّةً على قلبها المفجوع بلسَم كلمات الله، فأعادت الى نفسِها الثقةَ به تعالي، بعدَ القنوط، وارتْها بفقدان زوجها، تتمةً لمشيئته القدوسة؛

ورمَّمت نفسيَتها المتهدمة، بتلقينها اياها بأسلوبها الناعم، الأخّاذ، درساً في الصلاة العقلية، والتجرّد عما نُعزُّه في الحياة، والاستسلام الى عناية الله القدوسة، التي من خلال الحوادث المفجِعة والمؤلمة لا تريد الا خيرَنا. وإذا بلويزا، بتلمَذة تريزة اللبِقة، والمُتبَّلة بروح الله في آن واحد، تسكن بعدَ عاصفةٍ هوجاء. وتستعيدُ تقواها بعدَ هجرٍ. وتُصيب سلامَ القلب بعدَ فراغ مُضطرب. وتجِدُ النور : نورَ الله بعدَ الظلمة.

دير التجسد كان يَحوي 130 راهبة. وانتقاء تريزة لِمِثلِ هذه المهمة الدقيقة، ومِن بين هذا الجمهور الغفير، لبُرهان ساطع ومُفحِم لثقة رئيسِ المعاملة بمقدرة تريزة دي الحمادى، ومتانةِ فضيلتها. لا سيما لولا لاحظنا ان قَصْرَ لويزا de la Cerda كان مُلتقى السيدات اللواتي لا يقِللْن عن الأرملة المألوفة نُبلا وشرفا. ولم يقتصِر تأثيرُ تريزة على لويزا الفجيعة، فحسب. بل تعداها الى لفيف السيدات اللواتي، بدافع التعزية، ام الرابطة الإجتماعية، كن يأمُمْنَ أو يُلازمن القصر. ولم يَخِبُْ ظنُّ رئيس المعاملة في اسناده مهمة التعزية الى القديسة دون سواها. فدونيا لويزا، خرجت من مدرسة القديسة، كلفةً بحبها، اسيرةُ لِلَطيف اسلوبها، ورقيق شعورها؛ مُْقدِّرةً – الى جانب احترامٍ عميق – قداستَها وسموِّ فضيلتها، فكنَّت لها عاطفةً واخلاصاً، داما دوم حياتها، وجعلاها – فيما بعد – من السيدات اللواتي بذلن بكرم حاتمي، ماآل بالقديسة الى تحقيق اصلاح الرهبانية.

كانت يدُ الله ...هي التي تُمهِّد لهذا العمل الجبار! واختلاط تريزة بإشراف الطبقة الاجتماعية، في قصر لويزا، زاد في تقدير الناس لها، بازدياد تعرف الناس اليها. اسمُ تريزة كان يتبلور يوماً عن يوم، في ذهنيّة الملأ؛ وبه يلهَجُ في كل اين وآن ارفعُ السيدات طبقة واسماها اصلاً ونبلا، في المجتمع الكستلاتي. الا ان احداً لم يتعرفها مصلحة، حتى ذاك الحين كما وهي لم تبُح بسِرها لأحد، ما خلا نفراً قليلاً، من ذوي السلطة، والعلم، والشأن، في آبلا.

دون الونسو كان يعاود ابنته بزيارات متكررة الى دير التجسد، حيث كانت تجالسه، هو ايضا، ساعات طويلة، تحادثُه اثناءها عن الصلاة العقلية، وتحرضه على العمل بها. والشيخ الوقور، كان يُلبي ارشادات ابنتَه المعلمة، تلبية التلميذ المجتهد، حتى انه في غضون خمسٍ ام ستِ سنواتٍ، احرزَ تقدماً بعيداً في مضمار الكمال. وعلى هذا الاستعداد المثالي، واجه الموت كالأبرار في (24 من ك 2 سنة 1543).

قلنا سابقاً ان ديرَ التجسد لم يكن يتقيد بشريعة الحصن. ولذا، استطاعت تريزة ان تحضرَ الى والدها، وتمكث لديه طيلة مرضه الأخير الذي دام أياماً قليلة، أبدت له فيها من الاعتناء احنّه، ومن العاطفة ارقها. فالأوجاع العصبية المؤلمة، التي فجأة انتابت ظَهره وكتفيه، وسمّرته على الفراش، كانت تُفقده الراحة والنّوم، وتسلب من شفتيه، وعلى الرغم منه، بعض الأنين. اما تريزة العليمة بشديد تعبُّد والدها ليسوع مصلوبا، فأوحت اليه ان يعتبر الألم في ظهرِه وكتفيه، لَمْظةً حياة اياها الفادي، ليتذوّقَ بها شيئاً مما قاسى تعالى على الصليب. والفكرة بثَّت فيه تعزية كبرى. ومن حينه كف عن التأوه والأنين، وهو متصبر مستسلم! وهكذا وبين ذراعي تريزة الناعمتين، وبدفء نور عينيها السماويين، وبإشراق محياها الطاهر، وبمؤانستها له في وحشته الأخيرة: اسلمَ دون الونسو، وسط تلاوته قانون الايمان، الى ربه، روحه البارة، تنقلها الملائكة الى احضان ابراهيم، بينما كانت تريزة – وكأني بها تحقق اطياف احلامه، يومَ كان يمانعها عن الترهب – تغمض بأناملها الحريرية جَفنَيْه، وتطبع على جبينه آخر قُبلة، وتبلله بآخر دمعة!...

كان لتريزة – يوم فقدت والدها – 28 سنة من العُمر، منها سبع في الرهبانية. وفاة والدها صدمتها صدمةً عنيفة: كنت أشعر أني بفقداني والدي سأحرَمُ كل لذة وسرورٍ في الحياة، لأنه كان لي كلَّ شيء. وبالرغم من ان صدري كان يتفجع عليه، فكنتُ أحرصُ على ألا يظهر شيء من حسرتي الداخلية.

وعقبَ وفاة والدها العزيز، مضى كذلك على القديسة عشرُ سنين أُخَر، تكاثرت فيها الاختبارات بطرق الحياة؛ والترددات : بين حياةٍ رهبانية مثاليةٍ وحياةٍ وسط؛ والمناوبات : من حرارةٍ الى فتورٍ روحيَّيْنِ، قبل ان يتسنى لها ان تخطو الخَطوة الفصلَ التي تقرر، نهائياً، حياةَ الانسان ومصيرَه.

ليس ان فتاة آل الحمادى، ظلت طيلة هذه السنين، فاترةً او متراخية في تتميم واجباتها الرهبانية! كلا!... فاستشهادا بكلامها، في كتاب حياتها، نعلم انها لم تكن أبداً فاترة حتى ولا في أسوأ المراحل من الانحطاط في السعي للفضيلة. لكنها كانت تقاطع تمسكها بالحفظ الصارم، والدقيق لقانونها، باسترسالها – وهذا عن اضطرار المحيط والبيئة اكثرَ منه عن اختيارها – في المشاكل الدنيوية، والاستقبالات، والمحادثات التي- مع كونها لا شرَّ فيها بحد ذاتها – تحول دون انقطاع النفس الى ربها، وتفرغها تفرغاً تاماً لإصابةِ أهداف الكمال السامي.

في حياتها العلمانية، أفضَت بها المعاشرات والمخالطات الفضولية، والرديئة، الى البرودة في سبيل الفضيلة. واليومَ، في الدير، هي تقضية الأوقات سدى، هي المجالسات الطويلة في ردهة الاستقبال، التي – على الأقل – كانت تسلُبها ساعاتٍ عديدة، كان من واجبها تخصيصها لله، للصلاة، وللتأمل، وتغذي فطرَتها النازِعة الى الظهور، واستعجاب الناس، وتثير في قرارة نفسها، وبالوقت عينه، كراهية متزايدة للأمور الروحية.

بالأمراض سابقاً، في أول عهدها بالرهبانية، وبموت والدها فيما بعد، كانت يدُ الله تجرد تريزة، رويداً رويداً، عن ذاتها وعن العالم. الا أن ابنةَ آل الحُمادى، ما كانت لتتجرد بسهولة، ولا لتنقاد طائعةً لتوجيهات الرب، على رغم الأنوار، والالهامات التي تهطل عليها اثناء الصلاة. فإنها لا تزال، حتى اليوم، ترغب في محبة الناس لها، وتقديرهم لمناقبها الحميدة. يطيب لها ان تسمعَ الناس يرددون محاسنَها الخُلقية والخَلقية، وأن يدعوها: تريزة ابنة آل الحمادى،.ابنة الأشراف. ينشرحُ صدرها، إذا غادرها مجالسوها، وهم يثنون على حِذقها، ولباقتها، ودرايتها بمسالك الروح. يجري في عروقها بعد، الميل الى الإعجاب بها، والسرور بمآتيها.

طفوليات هذه، روحية، ليس فيها خطيئة. لكنها وصَمات قتالة في نفس وقفت ذاتها "بالكلية" لمن هو "الكل". هي ربطٌ، هي قيود، صغيرة نَعَمْ، لكنها كافية لوَثْقِ تريزة بالأرض، وحرمانها من الطيران عاليا في اجواء الكمال. تريزة اليومَ: على مفترق طريق. إما للعالم بكليتها، واما لله! كانت تفهم كل ذلك. اما الارادة والحَزْم، فكانا ينقُصانها. اسمعها تقول:

"كنت أعيش عيشة، لا أتعسَ منها! وعلى ضوء الصلاة العقلية، كنت استوضح اخطائي. فالله كان يدعوني اليه، من جهته، وأنا أتبع العالم، من أخرى. كنت استطيِبُ أمورَ الله، من غير أن اهتدي الى المناص من أمور العالم. بكلمة: كنت كَمَن يحاولُ موافقة هذين العدوَين: الضدَين اللدودَين، أي حياةَ الروح معَ ملذاتِ الحواس ولهوِها. ساعةُ الصلاة العقلية، أصبحَت عذاباً لي، لأني، غذ كنتُ، من جهة، أركزُها على استجماعي افكاري الى داخلي، ومن جهةٍ أخرى بما ان فكري غَدَا، ليس طليقاًً وحرا، بل عبداً ومحكوماً – فما كنتُ استطيع الدخولَ الى أعماق نفسي، من دون أن أَجُرَّ ورائي تَبِعيَّة اخطائي ومساوئي". (السيرة، 7- 17).

تريزة كانت تُطل على الاربعين، يوم حدثَ لها، ما أفاقها من غَفْوَتها، وعَطفَها من مسلكٍ تافهٍ، فاترٍ، متقاعسٍ لا لونَ له ولا صَبْغَةَ، ليدفَعَها دفعةً لا تَنثني، في أسمى تعاريج الكمال المسيحي. ليس انها قد تحجَّرت عن تعمُّد في فتورها، حتى لا تودُّ اصلاحاً في نفسها، لكنها لم تنشط الى الانتفاضة من حالتها البيْنَ بينَ، فتقي نفسها كل ما لا يتوائم وسموَّ الكمال والقداسة.

وبينما هي فريسة هذا التطاحن الباطني، أحكَمَت – ذات يوم – دخولها مُصلَّى الجمهور في ساعة لم تكن ثمةَ أي راهبةٍ، وهي غريبةٌ عما سيحدثُ لها. وقد نُصِبَتْ وزُيِّنَت فوقَ مذبَحِ المصلّى في وقتٍ سابق، صورة جِدُّ خشوعية، تمثل يسوعَ مربوطاً على العَمود للجلد، والتي قد استُقدمت الى الدير بقصدٍ اقامة عيدٍ خصوصي اكراماً للفادي الممثَّل فيها. وما ان نظرتْ اليها، فتأملتها، حتى اختلجها تأثر غريب، خضَّ كيانها، وانطبع في صميمها. وإذا بها تجثو، تلقائياً على أقدام الصورة، والدموع ذَرفَى من مُقلتيها، تسأله الغفران عن الخيانات التي، يومياً، تقترفها بحقه.

خرجتْ من المصلّى وهي غيرُ ما دخلته. ويمكننا التأكيد، انه، في تلك الآونة، وأمام الصورة، انتهى للدوام أمرُ النقائص العادية. ومنذئذٍ، تجردَت القديسةُ الى الترويض بحب الله، ترويضاً متتابعاً ومستمراً، حتى بلغت – كما هو معلوم – ان تكون من أعظم المحبين الذين أفردهم يسوع بمحبته في هذا العالم.

صورةُ الفادي موثوقاً على العَمود، خلبت نفسَها بأثرٍ لم تبرحُ تذكره سحابةَ حياتها. كما وتعبدها لمريم المجدلية، جاثيةً على أقدام الصليب، كان يزيد النار المتأججة في صدرها التهابا. وعلى مثالِها، لم تُرد فيما بعد، ان تغادرَ أقدامَ الفادي الإلهي.

على اننا، لا يجب ان نتصور القديسةَ، كإحدى الخاطئات الشِرّيرات، ولا الراهبة الكسولة المُخِلّة بمادّةِ مُهمَّةٍ من واجباتها؛ ولا في تعاطيها مع الناس، انها كانت تأتي بما لا يَطوع له ضميرها، كلا! ليس شيء من كل ذلك على الاطلاق، بالرغم من ان القديسة، في أولَى الفصولِ السبعة من حياتها، لا تصف ذاتها الا بالقابٍ تحقيرية: مثلِ: حقيرةٍ – جديرةٍ بأن تعيشَ مع الشياطين – خادعةٍ للناس – ضالةٍ- تعيسةٍ الخ...

ولإزاحة الشك من فكر قُرائها: هوذا كلام الأب Ribera المدوَّن في دعوى تطويبها: "إن الراهبة تريزة، طيلة اقامتها في دير التجسد، لم تقترف – كراهبة فتية – سوى النقائص العادية التي هي من دأبِ الراهبات الحارّات. انها كانت تتفرغ للصلاة العقلية باقبال لا نظير له. ونظرا لأخلاقها الطيبة، ولِيْنِ معشرها، كانت مأماً لزيارات متكررة، من أشخاص من كل الطبقات الاجتماعية. والذي تشكو منه اليوم، هو فعلاً، الوقتُ الثمين الذي كانت تَهْدُرُه اثناءَ تلك الزيارات، مما جعلها تَندُبه، آسفة عليه، كل ايام حياتها".

وهذا ايضا كلامُ القديسة: "حُسْنُ ثِقةِ الآخرين بي، كان يتأتى من رؤيتهم اياي اني – بالرغم من سِنّيِ الفتية، وانغماسي في التعاطي مع الناس – كنتُ اخلو غالبا، بنفسي، للصلاة، وأطالعُ كثيراً، وأتكلم عن الله، وأسعى لرسم صوره في اماكن عديدة. وكان لي مصلَّى صغير، يزدان بأجمل ما استطعت اليه سبيلاً، مما يحمِل على التقوى والتخشع. وما كنت لأنتقدَ الغير، ولا لأتكلمَ بحقهم... وأشياءَ مثل هذه، كانت تتلون بمظاهر الفضيلة. وزِدْ على ذلك، اني بدافع العُجب بالذات كنت اتقِنُ كل تلك الظواهر التي يُقدِّرها أهلُ العالم. ولأجلِ هذا السبب، كان الراهبات يطلقن لي الحرية، دونَ سائر الأخواتِ المُسنّات؛ وكان لهنَّ ملء الثقة بي. على اني، إذ كان الرب يحرسني بيده القديرة، لم أُفرِطْ ابداً ثقةَ الراهبات بي؛ كما واني ما أتيت، ابداً، امراً، من دون الاستئذان الواجب. أعتقدُ ان أحداً ما تجاسر على مكالمتي، في الدير، ليلا، من خِلال كُوى، أو من وراءِ الجدران؛ لأن بعضَ الأمور كنت لأتبصّر عواقبها جيداً؛ كما وكنت أحرِص كل الحِرص على ألا تُمسَّ كرامة الراهبات الفاضلات، برداءَة سلوكي. (ف: 7- 12).

كل هذه الحوادث التي ننقلها هنا، تسردها هي في الفصول الأولى من كتاب حياتها. ولكَم يحمِلُ على الفضيلة، تصفُّح هذه الأخبار تَخطُّها ريشةُ القديسة! ولكَم من نفسٍ انسَعَرَ صدرُها حباً، واندفعَت في طريق الصلاة والكمال، وتجرّدت عن الدنيا، وانقطعت الى الله، لمجرد قراءتها تلك الأسطر البديعة ! كم من نفسٍ، تعلَّمت من أمثالِ القديسة، هناك، مقاومةَ الشيطان، والحذرَ من فِخاخه، والثباتَ في القصدِ الصالح، وزوال العالم، ودوام الله: كم من نفسٍ داست بأقدامها الشرفَ الدنيوي، لتلوذ بالشرف الحق: اللَّوذَ بالله! كم من نفسٍ تعلمت ان تكون انسانيةً في قداستها، وقديسةً في انسانيتها! متينةً في الفضيلة! عطوفةً على سِواها! حبيبةً للجميع بدون استثناء!

حياةٌ جديدة أشرقت على تريزة، عقِبَ رؤية صورةِ الفادي موثوقاً. وإذ كنا لا نستطيع تسميَتها ارتداداً على نحوِ القديس اغسطين، او بولس، او المجدلية، فلا ننكر انها كانت حقيقةً انقلاباً جِذرياً من حياة رتيبةٍ فاترةٍ، الى أخرى أقدسَ وأحرَّ.

فالتقدّمُ المتزايد في حياة الروح، الذي جَنّتْهُ من الصلاة العقلية، والنموُّ المُطَّرِد في الفضيلة، الذي رافق مراحلَ الصلاة، جنبا الى جنب، بلَغا الذروةَ، حتى إن جمهورَ دير التجسد، لم يُعتِمُ أن رأى في ابنة دون الونسو: المثالَ الحيَّ لحفظ القوانين الرهبانية الدقيق، الى جانب الساروفيم المطعون بحب الله.

رغبتُها في خدمة الله، وفي حَملِ الآخرين عليها، المنحبِسة في صدرها، كانت تتعالى، شدتُها، وبدافع هذه الشدة، شرَعَتْ القديسة تلك المحادثات، والمباحثات الضِمنيَّة، في غرفتها، الراهبات الأكثرَ تشابهاً بها: من حيثُ التفكير، ونَهْجِ السيرة، والتضحية في سبيل الله، واللواتي لهُنَّ، مثلها نفسًُ الإرثِ في محبة الله! كانت هذه المحادثات تدورُ حولَ الكرمليين، النُسَّاك القدامى، الذين عاشوا في جبل الكرمل، وتصاعدَ عبيرُ فضائلهم، متمازجاً بأريج الأزهار الشرقية: رائحةً زكية، يرتضي بها الله، وأمُّه البتول؛ وحولَ امثال تقشفاتهم الشديدة: كعَدَمِ ادِّخارهم قوّتهم للغد، كصلواتِهم الطويلة، كأشغالهم الشاقة، كنومهم القليل، وكقهرهم المستمر لجسدهم؛ وحولَ حرارتهم في الجِهاد لله؛ وحولَ انقطاعهم الكلي عن العالم؛ وعدمِ تعاطيهم مع الناس الا فيما يؤول الى خلاص النفس.

تريزة، الخَطيبُ المِصْفَع، صاحبةٌ الحديث الجذاب، والتأثير البالغ على القلوب، كانت تتحسس في صدور مستمعاتِها وقْعاً حَسَناً لكلامها. ففاتحت أخواتِها، بموافقة ارجاع هذه الأمجاد الكرملية القديمة الى حيز التحقيق، فتعودُ الى الرهبانية حرارتُها الاولى، وعن طريقِ اعتناق قساوتها البدائية، كمالُ الحياةِ الديرية. كانت تختم المحادثات بالتحريض على الصلاة من اجلها، وبانتظار ساعة الله.

فالطاعون الفتاك، الذي خابَ اروبا من طرفَيْها، وعلى فترات زمن (1300- 1400) قد هدَمَ الابدان هدماً ذريعاً، لم تنجُ منه، ولا الأديرةُ نفسها. فالرهبان، لظنهم ان لا طاقة لهم بتحمل قساوة الأنظمة التي سنَّها لهم مؤسسوهم، توسلوا الى الكرسي الرسولي في تكييفها. فأجينوس الرابع أصدر براءةً بتاريخ 15 شباط 1432، يفسحُ للكرمليين بموجبها بأكل اللحوم ثلاث مرات في الأسبوع: الأحدَ والثلاثاء، والخميس، (وأضيف اليها، فيما بعد، بأمر بيوس الثاني، الاثنين)؛ وبحرية أوفرَ، من حيث واجبِ العُزلة والانفراد، وحِفظ الصمت.

ومن الأسباب الثانوية التي دَعَت القديسة الى اعتناق القانون بكمال أعظمَ: هي الآتية: كان الديرُ الذي كنت أقطنُه – تقول القديسة – يحوي جمهوراً فقيراً من خادمات الله. واللهُ كان يخدم فيه بأمانة. الا أن الفقر الذي تسلط عليه من جراء الطاعون، اضطر الراهبات غالباً الى الخروج لتقضية بعض الوقت في اماكن أخرى، اي دائماً في بيوت توفّر لهن كل ما يقتضيه التعبّد والتخشّع.

فالقانون لم يكن ليُحفظ بقساوته الأولى؛ لكن بموجَب التفسيحات التي تنُصُّ عنها البراءات البابوية، كما كانت الحال في عموم الرهبانية. أَضِف الى ذلك دوافعَ أخرى، كانت بها، تظهرُ لي الحياة الديرية هنيئة، والديرُ عظيماً، ومليئاً بالرفاهية. وأكثرُ ما كنت استنكره، فهو الخروج من الدير، بالرغم من اني كنت أنعمُ بالنصيب الوافر منه. ذلك ان بعضَ الشخصيات: ممن لم يستطع الرؤساء لهم رفضاً، كانوا يرغبون في مكوثي لديهم- وبأمرِ الرؤساء كان يتحتم عليّ أن أُرضِهم، مما كان يحُولُ دون لزومي الديرَ، الا وقتاً قليلاً. خطةٌ، هذه، ما كانت لتخلو من ضلعٍ للشيطان فيها، منعاً للخير الذي كنتُ آتي به الراهبات، بنقلي اليهن الارشادات الروحية، التي كان يلقنني اياه معرفي". (ف 32-9).

ولا يخفى احدا ان الدمارَ الديني الذي كان ينشره وراءهم البروتستان اللوثريون في قلب اوروبا، هو احدُ العواملِ الخارجية التي دفعت تريزة الى السير قُدُماً في عملية الإصلاح. هذا، والفكرةُ الاساسية، او بالأحرى: العقيدة اللاهوتية، التي منها استقًَتْ القوةَ، في عملها الجبار:

هي: ان الفادي، له السجود، قد خلّص العالمَ: بالألم الإختياري، والتضحية، وبذلِ النفس. وعلى مثاله: لا نستطيع وقفَ تلك الشرور على حدهان ومساعدةَ الله على تخليص النفوس المعرضة للهلاك، الا بتحملنا الإختياري لكل ما تحويه كلمة "ألم"، وبالتضحية، وببذلِ الذات. وهذا لا يتم الا بالانقطاع الكلي عن العالم، والسعيِ الكلي لله: وهذه الثنائية لا تتحقق بحذافيرها الا باعتناق الدستور الأول الكرملي.

في تلك الأيام، خرج بعض الراهبات الفَرنسيسيات، بإيحاء من القديس بطرس القَنطري، من ديرهن – حيثُ كن يعشن على التفسيحة البابوية – الى اقامة ديرٍ آخر في فاليادوليد: حيث اعتنقن الدستورَ القديم بصرامته الأولية. وذات يوم (16 تموز 1660)، حدثَ ان كانت القديسة بحضور بعض راهباتها (1). وإذا باحداهن، (وهي ابنة عم تريزة: ماري دي اوكمبو) تخاطب تريزة قائلة: "... يوم نَعقد النية، لنستطيع على غَرارِ الحافيات (اي: الراهبات الرفسيسيات اعلاه) ان نؤسسَ ديراً". (السيرة، 7/10). وكن جميعهن على رأي واحد.

ولما رأت القديسة ان العددَ الضروري امسى في قبضتها، فاتحت احدى السيدات المثريات والغيورات، بقصدها، وهي Dona Guillomar de Clloa فما كان من هذه الا ان قاطعتها : "يا أم سأبذل كلَّ ما بوسعي لمساعدتك على تحقيق عملك المقدس" (ف 32- 10). وعلى القور، أخذت تسعى لتأمين الموارد للدير الجديد. الا ان تريزة ما برِحَت مترددة. لأنها يشق عليها فِراق الدير الجميل الذي تسكنه منذ سنين، وتركُ الغرفة التي طالما تشربَت جدرانُها بأبخرة تفكيرها وحرارة اشواقها الملتهبة...وبعدَ كل اعتبار، تريثَتْ، وأمرت بالصلوات اليه تعالى، طلباً لأنواره.

وإذا بالرب يأمرني، ذاتَ يوم بعد التناول، ببذل كل المستطاع لتحقيق الاصلاح، واعداً اياي ان الديرَ سيتأسس وانه تعالى سيجدُ فيه ملذاتِه. كما وأمرني ان أطلق عليه اسم القديس يوسف، الذي سيحرس باباً منه، والسيدةُ البتول باباً آخر، واما يسوع فسيمكث بيننا، وعلى هذا النحو، سيتألق الدير كنجمة ذاتِ نور بهي. وقال لي سبحانه: إذا كانت الرهبانيات متراخية، فلا يجب ان يعتقدَ الناس تضؤْل خدمتي فيها. فإلام يصير العالم لولا الرهبان؟ (32- 11).

وطوعا لأمر الرب، فاوضت القديسة مرشدَها برؤياها هذه؛ والمرشدُ، أشار اليها بوجوب مكاشفة رئيسها: الأب انجلو سَلسَار Angelo Salazar الذي استقبل عرضها بكل ترحاب، واعداً بالمساعدة الضرورية، وجزَمَ قائلاً: أنْ سيجعل الدير الجديد تحت كنف سلطته.

وعلى الرغم من ان مساعي تريزة ساورها التكتم الشديد، فما ان تفشّى في المدينة قصدها حتى هبت عليها عاصفة اضطهادٍ هوجاء، يقتضي وصفُها وقتا طويلا، وحِبراً كثيراً. وأشد مقاوِمتها اتتها من بعض الرهبان المتزيفين بالغَيرة المقدسة، والذين لم يتورعوا عن القدح بها علنا من على المنابر في الكنائس، واصفين عمليتها الاصلاحية: بأنها اقناع يتستر به الراهبات للخروج من ديرهن تخلصا من العُزلة، وطلبا للحرية؛ وضرر للمصلحة العامة؛ وشك الناس. وشفع احدهم كلامه بتعابير قاسية، مُرة، ولاذعة، حتى ان شقيقة القديسة: دونيا: Giovanna de Ahumada الحاضرة، صِدفةً، احدى هذه الخطب، غمت غماً شديداً، وقصدت تواً شقيقتها، تأمرها بالكف عن أي فكرة اصلاحية، فالعودة الى ديرها. اما تريزة، فكل ما أجابت به، هي ابتسامة رزينة هادئة، ومضت العاصفةُ تَعْنُف عليها يوما عن يوم. فمن الكنائس، الى الأندية، الى الساحات، في البيوت، في الأديرة: ما كنتَ تسمح الا لغطاً واحداً بتريزة، هذه المجنونة، التي تحلم بالمستحيلات. وإذا برجال الدين، الذين من دَأبِهم الصلاة، وذوي الشأن والسُّلطة، وسيدات المجتمع الراقي: كلُّهم بحديثِ استنكار. كلهم يطالبون بزجّها في الدير وكفها عن جنونها. والبلية الكبرى : ان نفس الراهبات في ديرها قُمن عليها. ونظراتهن السابقة، من التقدير والاعجاب، تحولت اليوم الى احتقار، فحقدٍ، فشذَرٍ.

تريزة، في خِضَمِّ هذه العاصفة، كانت تَنحَبُ أمام الله، وهو كان يشددها. ثِقتْها بمرشدها، وإذا بهذا ينقلبُ عليها؛ ومتأثراً بالرأي العام الناقم عليها، ينصَحُها بطمس القضية من بالها. بقي لها مرجع واحد يشجعها: هو الرئيس الإقليمي. وإذا به، هو أيضاً، يوعِزُ اليها بالانكفاء عن تصميمها، ويسحَب منها إذْنه السابق، ويُعارض قطعاً مشروعها...

تريزة لم ترمِ سلاحها بل قَبَعت في ديرها نحو ستة أشهر لا تأتي بحَراك، ولا تنبت ببنت شفة، وانتظرت واثقةً ساعة الرب؛ وهذه ما عتمت ان حانت! فبعدَ ان سكنت العاصفة، وتحقق ذَوُو الامر والنهي قداسة اهداف تريزة، ولا سيما بمؤازرة احد الرهبان اليسوعيين: الأب دانيز Vasquez ابتاعت بيتاً صغيراً وحوَّلته سراً، بمساعدة شقيقها المالية، وبشفاعة القديس يوسف البينة، الى شبه دير. وبأمر الله، في احدى الرؤى، انتقلت اليه مع الراهبات اللواتي يؤيدنها (24/آب/1562): وكان أولَّ دير للراهبات الكرمليات الحافيات، واسمه: دير القديس يوسف. وفي تلك السنة (15 آب). واذ كانت يوما تصلي: "رأيت البتولَ مريم، من عن يميني، والقديس يوسف من عن شمالي، يلبسانني وِشاحاً ناصعاً. وأفهماني اني، به، قد طَهُرْتُ من جميع خطاياي. ثم أخذتني البتول بيدها، وأوضحت لي أن تَعَبُّدي للقديس يوسف لأمرٌ يرضيها كثيراً. وان يسوع سيرضى عن خدمتنا له في الدير الجديد, وكعربون لكلامها: طوّقَتاْ عنقي بقلادة من ذهب، تنتهي بصليب كثيرِ الثمن".

وعلى هذا المِنوال، زللتْ بقدرة الله، هذه المرأةُ الضعيفة، مناوئات المناوئين، واضطهادات الحسودين، وتوصلت الى تأسيس اديرة عديدة لتُعَدُّ مُعجِزَةً. ومن اختبارها الأول بتأسيس دير القديس يوسف، عَلِمَتْ ثانويةَ الاتكال على ساعد البشر، وعلى المادة، فصممت على الثقة بالله وحده. وهكذا، وبدون فَلسٍ، كما كانت تقول لسخرية ظريفة، بل بساعد الله الوَحَد، أنشأت الأديرة التالية:

آبلا: 1562- المدينة: 1567- ملاغون: 1568. فاليادوليد: 1568 – توليدو: 1569 – باسترانا: 1569. سلمنكا: 1570- البا: 1571 – شغوبيا: 1574- بياس: 1575- اشبيليا: 1575. كرفاكا: 1576. المدينة الجديدة: 1580. بلنثيا: 1580. سوريا: 1581. وبورغس: 1582. وغرناطة: 1582. وهذا الأخير قد أسسته بمساعدة القديس يوحنا الصليبي والطوباوية حنّة ليسوع.

اعادةُ الدستورَ الأول الى الأديرة النسائية، باتَ عملا ناقصا، لو بقيَتْ عَرْيي منه أديرة الرجال. وبلغ تريزةَ ان راهباً كرملياً شابا، فاضلا، من خِرّيجي سلمنكا، استأذن رؤساءه في الانتقال من رهبانيته الى الكرتوزيين، تشبُّعا لتشوّقُه الى الانعزال، والتقشف في سبيل الله. كان هذا، القديس يوحنا الصليبي. وعلى الفور سعَت للإلتقاء به. وتحادثت واياه عن مقاصدها، وطلبت اليه، التريثَ عن المُضي في خُطته، ودرسَ امكانية البقاء في رهبانيته، وتنصيبَ الدستورَ الاول بكل قساوته. فالهدف، انما هو واحد في كلا الرهبانيتين؛ وأنَّ ارادة الله هي، بالأحرى، السعيُ للكمال في رُهبانيته دونَ سواها. فوعَدَها القديس بالتريث، وتواعَدَ كلاهما بالصلاة من اجل نفس الغاية.

وفي سنة 1568، بدأ القديس يوحنا الصليبي، الاصلاح بين الرجال، بتأسيس اول دير للرهبانية في Survolo واتُّخذ اسمُهم: "الرهبان الكرمليين الحُفاة".

كما وتأسسَ، والقديسةُ على قيدِ الحياة الأديرةُ التالية:

باسترانا: 1569. الكَلا: 1570. التُوميرا: 1571. رُودا: 1572. غراناطة: 1573. بانوِيلا: 1573. اشبيليا: 1574. المُدَوَّر: 1575. الجلجلة: 1576. بايِثا: 1579. فاليادوليد: 1581. سلمنكا: 1581. لشبونة: 1582.

والديرُ الاخير الذي شيدته القديسة في حياتها، هو دير الكرمليات في بورغس: 9 آذار سنة 1582. وقد تم عَقِبَ اسفار طويلة، شاقة، ومُنهك، في أسوأ اشهر الشتاء. فالقديسة وصلت هناك في 26 كانون الثاني لتلقى موجةَ عاصفةً من امطار وثلوج، عرقلت أعمالها. وعلى أثرها، أخذت صحة القديسة تسوء، متأثرة بعد، بوعكةٍ قلبيةٍ ألمَّت بها في فاليادوليد (آب: 1581). والتي جعلتها على اعتاب القبر في توليدو (1580)، سنةً قبلُ. والاب غراسيان، إذ يَصِفُ الحالة التي صارت اليها القديسة، يومئذ بعدَ مرضها، يقول: "لونُ وجهِها قد سَهَمَ، وباتت هزيلة كأنها هرمة، مُسنّة. فإنها، قبلَ مرضها هذا الأخير، وبالرغم من أمراضها المستمرة، كان مظهرُها مظهرَ امرأة رشيقةِ القامة، مَليحةِ الهندام، كأن شبابَّها ينضر يوماً عن يوم". ولمّا انتهت من تصفية بعض الأمور المتعلقة بدير بورغس، توجهت الى بَلنسية ثم فاليادوليد، تُرافقها في السفر، تريزيتا، ابنة شقيقها: دون Loronzo de Copreda والراهبة حنة للقديس برتلماوس، باتجاه آبلا، حيث كان مقرّراً أن تبرزَ تريزيتا نذورَها بين يدَي عمتها. أما الله، فكان قد دبّر الأمورَ على غير هذا النحو. فلدى وصول القديسة الى "المدينة" فاجأها أمرٌ من الأب انطونيو Ant.de Jesus رئيس المُعاملة وقتئذ، بالوكالة عن الأب غراسيان، ان تُعطف طريقها الى ألبا، حيث دوقة البا: دونيا مَرِيَّا Dona aria de Anriquez de Toledo كانت قاربت أيامَ وضعها.

فالأب انطونيو، كما والقديسة تريزة، كانا يربِطُهما بد,قَيْ البا: Don Fadriquez Alvaro وزوجته: دونيا ماريا المذكورة، اوثقُ عُرى الصداقة وكان الزوجان الشريفان يكِلان على صلوات القديسة نجاحَ الحدَث السعيد، وسلامةَ الدّوقة العزيزة من كل أذى.

جاء الأمر شاقا جداً على القديسة المنهوكة القوى. الا انها، وهي المطيعةُ حتى الموت كعروسها يسوع، امتثلت الأمرَ بدقة، ويومَ 19 ايلول بدأَت السفر نحو المدينة الدوقية.

الليلةَ السابقة للسفر المذكور، قضتها القديسة بمضايقة شديدة، وحُمى مرتفعة. وطيلة السفَر لم تتيسر لها المأكولات التي تُوافقها؛ كما وذهب عَبثاً الاعتناء المتناهي الذي احاطتها به الأم حنة. "لما رأيت – تقول الطوباوية حنة- اني لا أستطيع ان اجد لها طعاماً، حتى ولا بالدراهم، ما كان بوسعي النظر اليها من دون ان تَغرورِقَ عينايَ بالدموع: لأن وجهَها كان شاحباً للموت".

دخلتْ البا مساءَ يوم عيد القديس متى، (20 ايلول) وقد اعياها السفر. وقُبيل وصولها قد بلَغَها وضعُ الدوقة السعيد وسلامتُها. والراهبات في البا، كن على أحرٌ من نار، بانتظار قدوم المؤسسة، لأنهن أُحِطْنَ علما بتدهور صحتها. فاستقبلنها بفرح لا يوصف، وهي عانقتهن واحدة واحدة، بسرور وحبور عظيمين لوجودها بين بناتها. وفي الايام التي وَلِيت وصولها الدير، تناوب لزومُها الفراشَ على نهوضها منه، حتى التاسعِ والعشرين من ايلول. في هذا اليوم، وهو عيد القديس ميخائيل، حضرت الذبيحة وتناولت القربان الأقدس، بتخشُّع لا نِدَّ له ولا نظير، كحسب عادتها، وأضجعت ضَجعتَها الأخيرة، التي أقامت منها، فيما بعدُ. هي نفسُها قد علمت بقرب ساعتها الأخيرة: فاستعدت لها استعداداً، لا أفضلَ ولا أحرَّ! وطيلة مرضها الأخير، الذي مدَّ حتى الرابع من تشرين الأول، كانت دونيا ماريا، دوقةُ البا، تعاوِدها بتكرار لا ينقطع، وبيديها تقدم الى المريضة المأكولات والأدوية.

ان في متناوَلنا عدةَ تقارير عن ايام القديسة الأخيرة، كما وعن اللحظات السابقة لنياحتها السعيدة. تكفي وتغني عنها جميعاً، ما شاهده بأم العين: الأم الطوباوية حنة للقديس برتلماوس، والراهبة ماريا للقديس فرنسيس.

فتقول الأولى: "يومين قبل ان يتوفاها الله، دعتني فقالت: يا ابنتي : ساعةُ موتي أتَتْ. واليومَ الذي تُوُفِيَت فيه، ظلت، منذ فجره، بدون كلام. وفي المسا، أمرني الاب انطونيو ليسوع راهبٌ من أولِ الرهبان الحفاة، ان اذهبَ فأتناول بعض الطعام. وما ان غادرتُ حجرتها، حتى أخذتْ تضطرب، وتجولُ بأنظارها الى كل الجهات، كمَن يُفتشُ عن شيء. فسألها الأب عمَّا إذا كانت ترغبُ في عودتي اليها. فأفهَمَت، مُؤمِئةً، نعم ! فدعوني. ولما رأتنين حدَّقت اليّ مبتسمة، وأظهرت لي من الرِّضى أعذبه « Gracia »، ومن العاطفة أرقَّها، حتى انها اسملكت يدي، وجعلت رأسَها بين ذراعي، وما زالت على هذه الحال حتى أسلَمَت روحَها، وأنا مائتةٌ أكثر منها. كانت مضطرمةً حباً اضطراماً عنيفاً، لدرجة انها ما كانت تصدق أُزوفَ الساعة للخروج من جسدها، فالطيران الى عروسها. ولِعلمِ الرب بوَهَنِ صبري على تحمل صدمة الألم العنيفة تبك، تراءى لي على أقدام السرير، يساوره جلال بهي، وكان جاء – وهو تَحِفُّ به طغمات الطباويين – ليتقبل نفسَ أمته. وهذه الرؤيا المجيدة دامت طيلة "نؤمنُ" فقط. لكنها كفت لتقلب شجوني الى استسلام هادىء، مما دفعني على الفور الى استغفار الله، قائلة له: ربي، حتى ولو شاء جلالُك ان تبقيها في الحياة تعزيةً لي، أسألك الآن – وقد شاهدت مجدَها – الا تتريّث بها، ولا لحظة واحدة. وما ان تمت هذه الكلمات حتى لفظَت بهدوء، روحَها, وطارت على غَرار حمامة، تتمتع بإلهها.

اما ماري للقديس فرنسيس، راهبة من دير التجسد في البا، والتي حضرت ايضا ساعات. القديسة الأخيرة، فقد أفادت في دعوى التطويب ما يلي: "في الخامسة مساءً، اي في عصر القديس فرنسيس، طلبت القربان الأقدس؛ وكانت لا تقوَى على التقلب في الفراش، من شدة الضعف والمرض، ما لم يُساعدها راهبتان. واذ هي بانتظار قدوم الزاد الأخير، أخذت تخاطب جميع الراهبات، ضامة يديها، والدموع تبلل مقلتيها، قائلة:

"يا بنياتي، وسيداتي، أسألكن حبا لله، ان تعلقن أهمية كبرى على حفظ القانون والرسوم. فإن تحفظنهما بالدقة المطلوبة، فلن تحتحنَ الى غير أعجوبة لتُقدِّسَكن الكنيسة. واغضُضنَ النظر عن عاطل المثل الذي اتتكن به، ولا تزال هذه الراهبة الشريرة. واغفرن لي".

وفي هذه الأثناء وصل القربان الأقدس. وإذا بها، على رغم انحلال حسمها، تنتصب جاثيةًُ في رأس الفراش، من تِلقاء ذاتها، وبدون أي مساعدة، وحاولت ان تنزل عنه لولا ممانعتنا اياها. وبوجهٍ مُتحلٍّ بجمال خلال. ومُبجَّلٍ بنور سماوي؛ ومن صدر يتأجج محبّة لله؛ وبروحٍ منطلقٍ ومتهللٍ، قالت للربِ أقوالاً، لا أسمى منها ولا أعمقَ، حتى لكانت تُثير التخشُّع في كل الحاضرين. وسمعتُها تقول، فيما قالت: "ربي وعروسي: ها إنَّ الساعةَ قد ازَفَتْ. هاهوذا الوقتُ قد حان ليشاهدَ احدُنا الآخر، يا حبيبي وسيدي. لقد آن وقتُ السفر: فلنسِرْ، وأَنعِمْ بالمسير واكرِم! لتكمُل مشيئتك! ها الساعةُ قد دقت لأخرجَ من هذا المنفى، فتتمتّع نفسي بك، على الدوام، انت الذي طالما اشتاقت اليك". ولو لم يقاطعْها رئيسُ المعاملة، آمراً اياها باسمِ الطاعة أن تسكُت – وهذا دفعاً لأذاها – لما توقّفت عن مخاطبتها. وبعد قبولها طعام الملائكة، لراحت تشكرُ لهُ تعالى، بأرَقِّ العبارات، جعلَه اياها ابنةَ الكنيسة، وحَبْوَهُ اياها بالموتِ فيها. وكان يطيب لها ان تُردد غالبا: "عَقِبَ كل شيء، إني – يا رب – ابنةُ الكنيسة". سألت يسوعَ الغفران لجميع خطاياها، وكانت تقول: "إنها، بدَمِ المسيح، يجب ان تنالَ الخلاص". وإلى الراهبات كانت تتوسل ان يسعَين كثيراً لإنقاذها من المطهر. كما وكانت تردد ايضاً مِراراً، الآيات التالية: "قلباً طاهراً أخلق في، يا الله. وانما ذبائحُ اللهِ روحٌ منكسر. والقلبُ المنسحق لا ترذُلْه يا الله" (مزمور 50) ولم تنقطع عن اعادتها ايضاً وأيضاً، بدون ملل.

وسألها الأب انطونيو ليسوع، ما إذا كانت تريد ان يُنقَل جثمانها الى آبلا، فأجابت: "يا يسوع: أسؤال هذا يُطرح، يا أبتِ؟ أيحقُّ لي، أنا، أن أملِكَ شيئاً خاصّاً؟ أوَلاً تتصدّقون علي هنا، بحَفْنَةِ تُراب؟ وطِوال تلك الليلة، ما برِحت تهذُّ بالآيات المذكورات؛ وفي الساعة السابعة من اليوم التالي – وهو عيد القديس فرنسيس – أدارَت وجهَها صوبَ الراهبات، وكان جميلاً جداً، ومضطرماُ، حتى اني لا أعتقد اني رأيتُ وجهاً جميلاً مثلَه في حياتي. تجاعيده قد زالت، كأنها لم تكن أبداً مريضة أو مُسنّة.

وعلى هذه الحالة، بقيَت تريزة في صلاة مُنخطفة: يسودها السكون والسلام العميقان. وكانت تُبدي بعضَ الحركات الخارجية، تنم تارةً عن تقبض، وأخرى عن تعجب، كما لو كانوا يخاطبونها وهي تُجيب. كلُّ هذا كان يحدُث بهدوءٍ عميق، وباتسامِ أشكالٍ عجيبة على محياها، الذي- الى جانب اضطرامه – كان يبدو وكأنه البدرُ التِمُّ . ومن حينٍ إلى آخر كانت تفوح منها رائحة ذكية. وهي، طيلة مكوثِها منخطفة، كانت بشرتُها بشوشةً، ولم تبرح الابتسامة شفتيها. تنهدت ثلاثة تنهُّدات عذبَةٍ، لا تكاد تُسمع، شأنَ نفسٍ غاطسةٍ في الصلاة امام ربها. وأسلمت، هكذا، روحها، وبقيَ وجهُها يتَّسم بجماله وبهائه كأنه شمس مشعة".

كان عمرُ القديسة 67 سنة، ستة اشهر، وسبعة ايام!.

وقد فارقت بين ال9 وال10 من صباح الرابع من تشرين الأول، بحَسَبِ التقويم الغريغوري، الذي أضيف بموجبه عشرةُ ايام على اليوم التالي لوفاتها، فأصبحَ العدّ 15 تشرين الأول.

وفي ساعة وفاتها رأتْ الطوباوية حنة، المسيحَ، تحفُّ به طغمات من الملائكة والقديسين، على اقدام سريرِها، آتيا لنقل نفسِها الطاهرة الى السماء، كما ذكرنا. كما وشوهِدَت حمامة تطيرُ من فمها نحو السماء. وفي البستان، قُبالة نافذةِ حجرتها، أزهرت شجرة، كانت قد يبست. ونور غيرُ عادي ظهر في الليالي السابقة وفاتها، وأنار ليلاً الأجواء التي تكتنف الدير. والحُجرة التي لفظت فيها القديسة روحَها الطاهرة، لا تزالُ تحفظ حتى اليومِ. وهي ترى من خلال نافذة صغيرة، تصِلُها، من جهة يمين المذبح، بكنيسة الكرمليات في البا، حيث يرقد جثمانُها.

والأب Ribera الذي تتبَّع عن كثبٍ الحوادث السابقة والتابعة لوفاة القديسة، يصِفُ هكذا، حالة جسدها، بُعَيْدَ فِراقها السعيد:

"ظلَّ وجهُها فتانا، كما كان قبل الموت؛ وخالياً ايضاً من الجعادات، على رغم انه كان مليئاً منها. كذلك، كلُّ جثمانِها، ابيضَ ناصعاً، ولا جُعَدَ فيه، كأنّهَ البِصْرُ = (Alabastro – أو المرمر الشفاف)؟ أما لحمانُها، فابيضَ ناصعاً، ولَيْناً، كأنه لحمان طفل ابنِ سنتَيْنِ ام ثلاثة. وأطراف بدنِها باتت رافخةً ولَينةً، لدرجة ان كل من لمسها تحسس منها طرّاوّة الطفولة؛ وهي تبدو للناظرين مُجمَّلةً، بدلائل واضحةٍ من البراءة والقداسة.

وكان يفوح من كافة أنحاء جُثمانها، اريحٌ ذكي للغاية، لم يستطع أحد أن يُشبهه بأي سواه. ومن حينٍ الى آخر، كانت الحُجرةُ تعبُقُ بهذا الاريح، متدفقاً، أعذبَ وأشدَّ من ذي قبل، حتى لكان يضطر الحاضِرون الى فتح النوافذ، دفعاً للصُّداع الذي كان يُصيبهم من شدته.

ولما دُفنت القديسة، غُطِيَ جسدها بكمية وافرةٍ من الكِلس، ليَبْلَى قبل الأوان، فلا يُنقل الى آبلا، كما كان يتخوّف من ذلك كرملياتُ ودُقا البا؛ الا ان المحاولةَ باتت فاشلة". ذلك ان الأب غراسيان، بمروره بالدير (1584)، فتحَ الضريح – نزولاً عند سؤال الراهبات – للكشف على الجثمان بعدَ سنتين من مواراته. فألقاه، يكتب ٌRibera ويُثبت غراسيان صحيحاً وكاملاً: « sano y entero » كأني به، ساعةَ الكشف عنه، لم يلبث ان دُفِنَ. الكاتبُ التقي ٌRibera يُعلِّلُ اسبابَ صيانته قائلاً: "مثلما أن الربَّ حَفِظَها في حياتها من كل وصمة دنس، اذ حباها بتوليةً كاملة، هكذا ايضاً بعدُ وفاتها، صانَ جسدها من الفساد، فلم يشأ ان تأكلَ الديدانُ لحمانا لم تَعرِفْ حرارةُ الشهوةِ اليه مَوصِلا".

وقبل ان يواريه ثانية، بَتَرَ الأب غرسيان، يدَ القديسة الشمال، ونقلها الى الراهبات الكرمليات في لشبونة، حيث لا تزال تُكرّم حتى يومنا هذا.

وفي 1585، تقرر في مجمع الكرمليين الحُفاة العام، نقلُ جثمانِ القديسة الى دير القديس يوسف في آبلا. وتمَّ النقل، فعلا، في 25 كانون الأول. على أنَّ دوقَ البا، القدير، وذا المكانة والشأنِ يومئذ، رفَعَ الى قداسة البابا: سيكستوس الخامس، طلبا صاخباً، نال بموجبه استرجاعَ الجثمان الى المدينة الدوقية، حيث كان قبلُ. وفي 23 آب 1586، أعيدَ جثمان القديسة الى كنيسته الأولى.

وبعد وفاة القديسة بقليل، نظراً لانتشار عبيرِ قداستها في كل الارجاء الاسبانية، باشرَتْ السلطَة الكنسية التحقيقات القانونية لتطويبها وتقديسها. وفي احدى هذه التحقيقات، نزَعَ دون D. Jeronimo Manrique الاسقف المحلي، بواسطة لجنةٍ من الاطباء، قلب القديسة، الذي يُكرم حتى اليوم في البا، معروضاً على الانظار في مِذخَرَةٍ آيةٍ في الفن.

والذي حملَ الحَبرَ المذكور على ذلك، هو أن القديسة تذكُر في كتاب حياتها طعنَ الملاك لقلبها في احدى الرُؤى. وها هوذا كلامها:

"...إذ كنت في هذه الحالة (اي ملتهبةً حبا لله) طاب له تعالى ان يَحبَانِي مرارا بالرؤيا التالية: كنت أرى الى جانبي، من عن شَمالي، ملاكاً بصورة جَسَدية، الأمرُ الذي يُندرُ أن أرى مثله. فملائكةٌ كثيرون قد تراءَوا لي. الا اني ما شَهِدتُهم أبداً بعَيْنِ الجسد، الا بالطريقة التي وصفتُها، حيثُ تكلمت عن الرؤيا التي قبلُ. واما في الرؤيا الحالية، فارتضَى سبحانه ان يثريني اياه مُجسَّداً. لم يكن كبيراً، بل صغيراً، وجميلاً خلاباً. ومِن شدة اضطرام وجهه، لَيَجِبُ ان يكونَ واحداً من أولائك الملائكةِ السامِين جداً، الذي يبدون وكأنهم بكليتهم "شُعلةُ نارٍ". اعتقد انهم يُدْعُون كَروبِينَ، لكنهم لم يُعلنوا لي أبداً اسمهم.

فكنت ارى في يده نَبْلاً طويلا، وذهبياً، ورأسَه الحديديَّ مشتعلاً – على ما ظهر لي – بِقبَةٍ من نار. وبهذا النَبلِ بدا يطعَنُ قلبي طَعنات متوالية، نافذاً منه حتى أحشائي، التي كنت أتحسّسُها تنتزعُ مني مع انتزاعِه السهم، بينما ارادني، بِرُمَّتي، وَطِين نار إجَّاج بحب الله. وألمُ الجِراحَةِ كان مُبرحاً، حتى اضطررْتُ الى احداث التأويهات المذكورة؛ والعذوبةُ التي أغدقها عليَّ هذا الألم المبرِحُ، ضافيةً للغاية، حتى لتُغني النفس عن اشتهاء براحَها منه، او ان تُسرَّ بشيء إلا بالله وحده. وليسَ الألمُ جسدياً، بل روحياً؛ وعلى رغمِ ذلك، فيُصيب الجسدَ مصيبٌ قليل، لا بل وافر، منه".

وفعلاً، لما استُخرجَ قلبُ القديسة، وُجِدَ – كما يبدو اليومَ لكل ناظر – مجروحاً في أكثر من موضع، واللحمَ المجاورَ للجراحات محروقاً، كأنْ لَفَعَتْهُ النار، مِمّا يُثبِتُ صحة رواية القديسة.

ما عتَّمت التحقيقات القانونية حتى آلت الى تطويب القديسة في 24 نيسان 1614. وفي 12 آذار سنة 1622، أعلنها غريغوريوس ال15، مع القديسين: ايزيدور، واغناطيوس لويولا، وفرنسيس خابيار، وفيليبوس ناري، في مَصافِ القديسين. وهي اليوم الشفيعة الرئيسية لاسبانيا في الوطن والمهجر؛ كما وشفيعةُ الجيش الغسباني وقيادتِه العسكرية.

القديسة خلقا وخُلقا:

- لم يترك لنا أيُّ مشاهير الفنَّانين الكُثُر، المُعاصرين للقديسة، صورةً لها وهي حيةٌ، مما يؤسَفُ له. ولا لدينا سوى اللوحةِ الزيتيّة التي أتى بها الأخ حنا الحقير: Fray Juan de la miseria الذي بأمر الأب غراسيان، صَوَّرَ القديسة في اشبيليا، سنة 1576، قبل سَفرها الى كستيليا، وكان عمرُها يومئذ 61 سنة.

لم يكن الفنان الوضيع حقاً، بارعاً في فن التصوير. وعلى رغم ذلك، لا يجب ان نتصوّره بدائياً جداً، كما يخالُ البعض. ومن طريف ما يروى عنه، انه أَمَرَ القديسةَ أن تنتصبَ ثابتةً، في الوقفةِ التي استوحاها لها. وأخذ ينقُل أشكالَها، ليس من غير أوْنٍ، مما استوقَفَها وقتاً طويلاً، وأتعبَها، وما إن انتهى من لوحته التاريخية، وشَلَحَتْ القديسة نظرة اليها، حتى بادرته بالنَبرة الطريفة الآتية، كأني بها تحاولُ الانتقامَ للوقت الذي هُدِرَ، قائلةً:

"سامحك الله، يا خِي حنا! فإنك بتصويرك ايايَ، أخرجتني بَشِعة ومُتجعِّدة"!

وإذ يصِفُ الاب غراسيان تُحفةَ الأخ حنا يقول: "هذه هي الصورَةُ التي لدينا، اليومَ، للأم. ولكم تمنيت لو جاءت اكثرَ مطابقةً لأشكالها الفِطرية، لأنها كان لها وجهٌ جميل جداً، ويحمل على التخشع".

الا أنَّ لدينا – بالعوض – رسما جميلاً، أخرجَتْهُ بريشتها أعزُّ الراهبات اللواتي أفردتهن القديسةُ بمحبتها، في حياتها: وهي ماريا de S. Jose فهذه قد عرَفَتْ القديسة في توليدو، أثناء إقامتها في قصر المحزونة لويزا دي لاسيردا. وفيما بعدُ، رافقتها في السَفَرِ الى بياس Beas ثم الى اشبيليان حيث ظلت رئيسةَ الدير. والرسمُ يوافق القديسةَ وهي في عمر الستين.

تقول ماريا في كتاب التسليات:

"كانت القديسة متوسطةَ القامة، بالأحرى: طويلتَها لا قصيرَتَها. وفي صِباها، ذاع صيتها كفتاةٍ جدّ جميلة؛ ولم يفارقها هذا الجمالُ حتى آخر ايام حياتها. اما وجهُها فليس بأي شكلٍ عادياً، بل هو غير اعتيادي، بحيث لا يمكن وصفُه لا بالمستدير، ولا بالمستطيل. وهو متعادلُ المقاطع. الجبين عريضٌ، ومتعادلُ الجوانب، وجميل جداً. الحاجبان : لونهما أشقرٌ غامق، ضارب الى سواد، عريضان، ومُتقوّسان قليلاً. عيناها سوداوان، يشِعّان بالحياة، ومدوران: هما كبيران اكثرَ منهما صغيرَيْن، وجدُّ منتظمَيْنِ من حيث الوضع. انفها مستدير الحرف؛ ويتصاعد من المنخرين الى ما فوقُ، مستقيماً، حين يلتقيَ، متواطيا وممسوحاً، بالحاجبين، فيؤلِّف واياهما، مجموعةً، آيةً في التناسق. كانت سمينةً اكثرَ منها هزيلةً؛ وفي كل شيء جِدَّ متناسقةٍ. كان لها يدان، لا أجملَ منهما، وان صغيرتَيْن. وجهُها، يتحلّى بثلاثة خِيْلان (شامات): الواحد في اسفله، تحت الفم، وهو الأكبر، والثاني، بين الفم والأنف؛ والأخيرُ، على الانف، من جهته السفلى لا العُليا. كانت في كل تفاصيلها كاملة".

واما عن مناقبها الخُلقية : فيضيف الاب غراسيان:

"كانت اطباعُ القديسة لا أسعد منها ولا أدمسَ؛ لا أهدأَ ولا أليَنَ ! فكل من عاشرها، أو تعامل واياها، كان ينْجَذِبُ في إثرِها، ويكلّفُ بها ويُحبها. كما وكانت تنفُر بفطرتها، من التقشفات المتجاوِزة، التي كانت من دأبِ بعضِ القديسين، والتي تكرهها الطبيعة: مما يَدفع الناسُ الى مَقتِهِم ومَقتِ النهجَ الكمالي الذي ينتحونه. كانت جميلةً بجمال نفسِها التي حَرِصَت على تزيينها بكافة الفضائل البَطَلِية، وبارتقائها اسمى المعارج في طريق الكمال".
عن رهبانية الآباء الكرمليين في لبنان

Copyright ©2005 marnarsay.com