الرحلة التبشيريةالاولى لبولس الرسول

تفاصيل الرحلة وأهدافها : -

بعد المرور بولس الرسول والقديس برنابا في بداية الرحلة بمدينة إنطاكية دخلا مدينة قبرص بعد أن نالا درجة الأسقفية . استعدا للرحلة بشتى الطرق والوسائل وامتلئوا بالروح القدس ودخلا ميناء سلوقية وهو على بعد 17 ميلاً من إنطاكية الذي كان من المواني الشهيرة المعروفة المزدهرة في الإقليم السوري أما الآن فتقع كلاً من مدينة إنطاكية وسلوقية في الجزء الجنوبي لتركيا وكما نعلم ان برنابا هو الذي كان مع بولس وقد سبق ذكر برنابا في الكتاب المقدس في مواضع مختلفة وقد أطلق عليه الآباء الرسل أسم ( ابن الوعظ ) لقدرته العظيمة على الوعظ وكان موطنه الأصلي جزيرة قبرص وكان القديس برنابا هو من أوائل الذين استجابوا لدعوة حياة الشركة مع المسيح وكان اسمه الأصلي يوسف وهو يهودي من سبط لاوي .

وكان برنابا رجلاً صالحاً ممتلئاً من الروح ومن الإيمان وعلى يديه عن طريقه وعظاته القوية اهتدى إلي المسيح خلق كثيرة وغفيرة ، وكما نعلم أيضاً أن القديس مرقس قد رافق القديس بولس في جزء من رحلته فكان أحد السبعين رسولاً وفي القاعة العليا لبيته صنع السيد المسيح الفصح ( مر 14 : 12 – 16 ) وفيها غسل السيد المسيح أرجل تلاميذه وبعد موته وقيامة السيد المسيح كان التلاميذ يتجمعون في هذه القاعة .

وبعد ذلك أن خرج الرسولان بولس والقديس برنابا من ناحية سلوكية اتجاها إلي جزيرة قبرص قاصدين ميناء سلاميس وهو ميناء في شرق الجزيرة ولما جاءوا إلي هذه الجزيرة أخذ يبشر بكلمـة الرب يسوع في مجامع اليهود وكانت هذه المجامع منتشرة هناك

وقد أختار هذه الجزيرة بولس الرسول لعدة أسباب منها :

1) لأنها كانت مسقط رأس القديس برنابا مرافقه وله فيها أصدقاء كثيرين وأقارب سيرحبون بهم فكان من السهل أن يقدموا لهم رسالة الفادي .

2) وجود الكثير من المجامع اليهودية المنتشرة في جميع أرجاء المدينة فكانوا ياخذونها قاعدة للتبشير بالفادي المسيا لأن أهل هذه المدينة ينتظرون المسيا ولم يجدوا الرسولان صعوبة في التبشير في هذه المجامع .

3) وهناك رأي أخر على جانب كبير من الأهمية والضرورة هو الأكثر رجاحة هو أنه كان يوجد في المدينة جزء من المسيحيين من الذين كانوا يعملون بالتجارة وكما نعلم أن هذه المدينة مكتظة بالتجار القادمين من أفريقيا واليونان للتجارة في جميع أنواع السلع والبضائع ( القوراب والعسل والخمر والنحاس والذهب ...... ) .

بعد مرور الرسولان القديس بولس الرسول والقديس برنابا في تلك الجزيرة ذهبا إلي باغوس وأيضاً الرفيق الثالث يوحنا الملُقب بمرقس الرسول وهذه المدينة باغوس غرب جزيرة قبرص ونعلم أيضاً أن باغوس لها شهرة كبيرة في الإمبراطورية الرومانية حيث بها معبد ( أفروديت ) آلهة الحب التي يقال أنها طلعت في أعماق البحار في تلك الجزيرة التي عبدها الرومان في طقوس وممارسات شهوانية ، وأيضاً يقال أن الشعب في هذه المدينة كانوا يعبدون الإله ( هامون ) إله المال بجانب الآلهة ( أفروديت ) ، وكان القديس برنابا والقديس بولس الرسول ومرقس الرسول لهم صوت عالي في هذه المدينة وكرازة عالية المستوى ، وكان الوالي الروماني لهذه المدينة ( سرجيوس ) رجلاً كاملاً فهيماً شأنه شأن كل المثقفين من عصره ولم يسترح للعبادة الوثنية مثل الكثيرين من الرومان وأخذ الرسل يرسلون الرسائل المسيحية له ولكل الناس وانفتح قلب القائد الروماني قائد المدينة فقبل الرسالة المسيحية عبادة له وعبد الرب يسوع إله الإله الذي بذل نفسه من أجل خطايا العالم ، ونرى أن عدو الخير الشيطان لم يترك الوالي الروماني لكي يدخل المسيحية بسلام بل أيضاً حول له ساحر يهودي أسمه ( بار يشوع ) واشتهر في هذه المدينة واشتهر باسم ( عليم ) وأخذ هذا الساحر يحاول مع الوالي لكي يترك المسيح ويحارب المسيحية فلم يتركوا بولس وبرنابا هذا الساحر وقال له :

" أيهاالممتلئ كل غش وكل خبث يا ابن إبليس يا عدو كل بر ألا تزال تفسد سبل الله المستقيمة . فالآن هوذا يد الرب عليك فتكون أعمى لا تبصر الشمس إلي حين ففي الحال سقط عليه ضباب وظلمة فجعل يدور ملتمساً من يقوده بيده " ( أع 13 : 10 – 11 ) ،

ولم ير الساحر الشرير شيئاً وأخذ يتحسس الأشياء ويساعدوه الناس أمام الوالي ( سرجيوس ) ونظر الوالي فتعجبا أعمال الله المدهشة ، وفي أثناء هذه الحادثة وهي حادثة عليم الساحر عندما أصيب بالعمى نجد ثلاث أشياء جديدة وهي :

1) عن بولس الرسول كان يحتل المكانة الأولى وبرنابا يحتل المكانة الثانية .

2) كان شاول يفخر بجنسيته الرومانية أمام الوالي الروماني ( سرجيوس ) مكان يدعى اسمه على اسم بولس .

3) في أيام بولس الباقية وهي حوالي عشرين عاماً بعدما آمن الوالي الروماني بالمسيح أن هذه الأيام اقتصرت على الزيارات التبشيرية للمدن الرومانية مثل أفسس وكورنثوس وقيصرية ، وبعد أن قضوا الرسل أياماً قليلة في باغوس رحلوا إلي برجة .

+ بعد ذلك أقلعوا الرسل المرسلون من الروح القدس إلي مدينة برجة وهي شمالاً إلي الساحل الجنوبي لأسيا الصغرى وهي ميناء بولاية بمفيلية ومنها صاروا شمالاً مسافة 100 ميل حتى وصلوا إلي إنطاكية بيسيدية وفي هذه المدينة فارقهما الرسول الثالث يوحنا المُلقب ( مرقس ) ورجع إلي أورشليم وهذه المدينة ( إنطاكية بيسيدية ) التي تقع بسوريا ولكن الأرجح أن مؤسس المدينتين هو شخص واحد وهو الملك نيكاتور ( 312 – 258 ) ق . م ويقال أنه بنى 18 مدينة أخرى بهذا الاسم.

+ وعندما نتكلم عن سبب ترك القديس مرقس الرسول للقديس بولس والقديس برنابا فالكتاب المقدس لم يذكر سبباً صريحاً عن سبب المغادرة لهم إلا أن هناك عدة احتمالات منها :

1) تراجع لأنه حنق على احتلال بولس الرسول الصدارة .

2) ضاق من وعورة الجبال حيث كانوا عليهم أن يمروا من طرق غير ممهدة وجبال وعرة وهي مكان للصوص .

3) أو أنه كان لا يزال في ذروة الشباب فعاد غلي أورشليم حيث تواجد هناك أمه التي أحبها طوال عمره وصمم العودة إلي وطنه .

ونعود مرة أخرى إلي رحلة الرسولان بعد ان تركوا برجة وصعدوا من الطريق الجبلي إلي إنطاكية بيسيدية وهذه المدينة تقع في منتصف الطريق الروماني بين أفسس وطرسوس وهذا الطريق العام الذي يربط أوربا بأسيا وتبعد إنطاكية عن هذه المدينة عن شمال برجة حوالي 100 ميل .

وعندما حل يوم السبت دخلا الرسولان بولس وبرنابا المجمع اليهودي بإنطاكية بيسيدية وبعد قرأة جزء من التوراة وفصل من الشريعة من موسى وفصل من أسفار الأنبياء قام بولس الرسول وتكلم وألقى خطبة عن تاريخ إسرائيل وعن إبراهيم وتكلم عن السيد المسيح كيف صلب ظلماً وعدواناً من ظلم رؤساء الكهنة وتحريضهم للوالي الروماني ليصلبوه وهو بريء لم يفعل خطية وتكلم عن ملك الملوك والذي عنده مغفرة للخطايا وعنده الحياة الأبدية والتي عجزت الشريعة اليهودية عن تقديمه لهم وقال لهم : " فليكن معلوماً عندكم أيها الرجال الأخوة أنه بهذا ينادى لكم بغفران الخطايا وبهذا يتبرر كل من يؤمن " ( أع 13 : 38 ) ، ويبدو وأن على الأرجح أن اليهود الذين استمعوا لخطبة بولس الرسول لم يستريحوا ولكن على أي حال الرسالة التي بعث من أجلها الرسل لم تفشل بعد ولكن ظلت مستمرة وعندما كانوا خارجين من المجمع سألهم أحد من الأمم أن يكلموهم في نفس الموضوع ( أع 13 : 42 ) وعندما حل السبت التالي اجتمعت المدينة كلها تقريباً لسماع الخطبة ولسماع كلمة الله وكما نعلم أن هذا الاجتماع قد أثار غيرة اليهود غيرة عظيمة ، ومن الطبيعي أن يقاموا الرسل مقاومة عظيمة مجاوبين ومهددين لرسالة الرسولين .

وما لبث أن قام بولس الرسول والقديس برنابا وقالا : " فجاهر بولس وبرنابا وقالا كان يجب أن تكلموا أنتم أولاً بكلمة الله ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية هوذا نتوجه إلي الأمم " ( أع 13 : 46 ) وعندها فرح كل المجتمعين فرحاً عظيماً ومجدوا الله وبعد ذلك ذهبا إلي مدينة أيقونية والتي أصبحت فيما بعد عاصمة للأتراك والتي تعرف اليوم باسم ( أيقونية )

في أيقونية : -

وجد في أيقونية القديس بولس والقديس برنابا ما وجداه في المدينة السابقة عندما دخلا المجمع اليهودي كالعادة ليبشرا بالمسيح القائم من الأموات كثير من الخلق آمن وأما بعض اليهود قامــــوا بالمقومة وأثلجوا صدر الذين لم يؤمنوا بالمسيح ولكن بولس وبرنابا قد أقاما في أيقونية وقت طويلاً فأنقسم الشعب في المدينة البعض مساند للدعوة والرسولين والبعض مع اليهود وعزموا على رجمهم وعقابهم فهربا الرسولين منفذين وصية السيد المسيح ومتى طردوكم من هذه المدينة فاهربوا إلي أخرى ة بالفعل هربا الرسولين إلي لسترة .


لسترة : -

كانت لسترة هذه مركز ولاية أخرى من مقاطعة غلاطية ( جنوب البحر الأسود ) وكانت فيها امرأة يهودية متزوجة من رجل يوناني الأصل وكانت اسمها ( أفينيكي ) وأسم أمها لوئيس واسم ابنها تيموثاوس (1 تي 1 : 5 ) ، هذا الذي أصبح فيما بعد عضواً قوياً لبولس في رسالته التبشيرية وكان بمثابة يده اليمنى ، أما عن أهل هذه المدينة فالمعظم كان يدين بالوثنية فمنهم من كان يعبد ( لزفس ) وهو كبير الألهة اليونانية أو ( هرمس ) كليم الألهة .
* وقد حدثت بعض المواقف العظيمة جداً للرسولين على أثر دخولهم لسترة فقد أجمع في ذلك اليوم والأرجح انه كان يوم عيد حتى امتلأ بهم الهيكل حتى أضطر بهم بولس الرسول أن يعظ في الخلاء وصادف إنه كان من بين الحاضرين مقعداً من بطن أمه ولم يمشي قط ( أع 14 : 8 ) ، وكان جالساً في أحد أركان الطريق فسمع بولس الرسول وهو يعظ ويتكلم عن الله الأزلي القادر على كل شيء الذي مات عن كل البشر الذي أحب البشر حتى بذل ابنه الوحيد وقام من بين الأموات وانتصر على الخطية إلا أن حديث بولس الرسول كان مؤثراً جداً في نفس الرجل المقعد وكان أفكار كثيرة تدور حول الإله الجبار الذي قادر على أن يشفيه ويقيمه من حياته هذه ويحولها إلي حياة الأبرار ولما رأى بولس هذا ورأى أن له إيمان ليشفى ( أع 14 : 11 ) قال له بصوت مرتفع عظيم : " قم على رجليك منتصباً " ( أع 14 : 11 ) فوثب ذلك الأعرج ولما رأى الناس هذا الموقف شاع ذكر أن الألهة قد تشبهوا في صورة إنسان ودعوا بولس بالإله ( هرمس ) وبرنابا بالإله ( زفس ) ودعوا كاهن زفس لكي يقدم الهدايا والقرابين والبخور للإله هرمس والإله زفس وعلى الأرجح أن الرسولين كانا يجهلان ما يحدث حولهما لأن الشعب كانوا يتكلمون لغة ليكأونية ( أع 14 : 11 ) ، وكان الرسولان يجهلان تلك اللغة حتى بني الشعب المذابح وبدا يذبح الذبائح ويقدم القرابين ( أي ممارسة الطقوس الإلهية الوثنية ) ، وعندما رأى القديس بولس والقديس برنابا ما حدث وجد أن الوعظة قد أتت بنتيجة عكسية
واندفعا إلي المجمع وقالا للشعب " ايها الرجال لماذا تفعلون هذا نحن بشر تحت الآلام مثلكم نبشركم أن ترجعوا عن هذه الأباطيل إلي الإله الحي الذي خلق السموات والأرض والبحر وكل ما فيها الذي لم يترك نفسه بلا شاهد وهو يفعل خيراً يعطينا من السماء أفكاراً وأزمنة مثمرة ويملأ قلوبنا طعاماً وسروراً " ( أع 14 : 15 – 16 ) ، وكان بعض اليهود قد تعقبا الرسولين من إنطاكية بيسيدية وأيقونية مقومين اليهود على الرسولين مدعين أن الرسولين ادع الألوهية مما جعل الشعب يرجم الرسول بولس ولم ظنوا إنه قد مات ألقوا به خارج المدينة ولم أحاطوا به التلاميذ انتعش وفاق ورحل بعد ذلك مع القديس برنابا إلي دربة .

في دربة : -

دربة من أعمال اليكأونية المقاطعة في غلاطية وهي على مقربة من لسترة وكانت دربة مدينة محصنة تحتلها مجموعة من الجنود الرومانية لصد عصابات اللصوص الكامنة والأرجح أن الرسولين لم يلقيا أي مقاومة لتبشير الدعوة المسيحية وقضيا هنا فصل الشتاء وآمن الكثير منهم وتتلمذ الكثير ( أع 14 : 21 ) ولقيا الرسولين في هذه المدينة نجاحتاً عظيماً فضلاً عن أن هذه المدينة هي الوحيدة لكن لم يلقيا فيها أي اضطهاد ولعل هذه كان نتيجة إشاعة قد انتشرت في مدينة إنطاكية وأيقونية ولسترة وهي أن بولس روماني الجنسية وأن مضطهدينه سيعاقبون معاقبة شديدة وقاسية وانتهت الرحلة إلي هذا الحد ولم يرا الرسولان أن يتدفقا بين الشعوب اكثر من ذلك لأسباب قد تكون متعلقة بالموضوعات التي دارت في المجمع الأول وبدأت رحلة العودة .

رحلة العودة : -

ترجع معظم الأقاويل أن رحلة العودة قد بدأت في ربيع سنة 47 ميلادية فرحل الرسولان من دربة في الطريق الذي آتيا منه إلي لسترة وأيقونية ثم إنطاكية بيسيدية وجالا يبشران نفس التلاميذ ويعظوهم على الثبات في الإيمان وإنه لضيقات كثيرة ينبغي أن تدخل ملكوت السموات ( أع 14 : 21 – 22 ) وبم يكتفي الرسولان بالوعظ فانتخب الشعب من بينهم أناساً مختارين وقدموهم إلي بولس وبرنابا ليدعو القطعان إلي المسيح

نتائج الرحلة الأولى : -

1) إيمان سرجيوس بولس الحاكم الروماني لمدينة باغوس ( قبرص ) .

2) مجابهتهم عليم الساحر في باغوس .

3) مفارقة مرقس لهم في بمفيلية ( أع 15 : 38 ) .

4) الوعظ في مجامع اليهود يوم السبت ومطالبة الشعب لهم بالوعظ في السبت التالي في إنطاكية بيسيدية .

5) مقاومة اليهود لهم ثم اتجاه الرسولين إلي الأمم بعد ذلك .

6) تحريض النساء الشريفات الموجودة بالمدينة واضطهاد بولس ورجمه في المدينة في أنطاكية بيسيدية .

7) الوعظ في المجامع في أيقونية وتأثيره على الشعب في انشقاق ضد الرسولين وطردهما منها.

8) تعرف الرسولين على تيموثاوس وأمه أفنيكي وجدته لؤيس في لسترة .

9) وعظ بولس في الخلاء وشفاء أعرج من بطن أمه وظن الشعب إنه الإله هرمس والإله زفس في لسترة وطردهم .

10) لقي الرسولين حفاوة بالغة في التبشير وتلمذوا كثيرين في دربة .

11) إقامة قسوس لتلك الكنائس التي أسسها في طريق العودة .

12) الرجوع إلي أنطاكية مركز الخدمة .

المجمع المسيحي سنة 50 م

+ بعد أن انتهت الرحلة التبشيرية الأولى لبولس الرسول وبعد أن فتح الله الأمم باب الإيمان به في قبرص وغلاطية جاء قوم من اليهود وبدون إشارة من الرسل في أورشليم صاروا يعلموا بان كل مؤمن يريد الدخول إلي المسيحية لأبد أن يدخل أولاً حسب الشريعة اليهودية لموسى وقد صار ذلك له الحق في الدخول لهذه الديانة وتبلبلت أذهان المؤمنين لأنهم قد عرفوا من بولس الرسول وبرنابا أن الخلاص هو مجرد الإيمان بالسيد المسيح ولقد صدقوا القوم كل الرسل وآمنوا بالسيد المسيح مخلص وفادي فإن هؤلاء القادمين من اليهود قالوا أن المسيح لم يأتي ليبطل الناموس فإن زوال الســـماء
والأرض أسهل من أن يتغير حرف واحد من ناموس موسى ثم بعد ذلك يؤمن بالمسيح وعندما وقف الرسولان لكي يردا على الكلام هذا مرة بالشدة ومرة بالحسنة لم يفلحا وكانا بولس وبرنابا يحاولان كشف سر الناموس الموسوي وأن الكهنوت اللاوي لم يكن له كمال وإلا فلماذا تكررت الذبائح وتقديم الذبائح قديماً لم يكن إلا رمزاً للذبيحة الآتية وإن الناموس بمجيء السيد المسيح قد انتهت مهمته فإن الديانة المسيحية هي ديانة روحية ولا جسدية فلا تهتم بالجسد ولا الختان إنما بالقلب ووقف شخص من القوم لم يسمع لهم وخشى الرسولان أن تتبدد الكنيسة فاتفقا أن يأخذ رأي الكنيسة في أورشليم ورضيا القوم ظانين أن الكنيسة ستنصفهم خصوصاً أنهم من أهل الختان ووقف بطر بعد مداولات كثيرة هدفها تسهيل الطريق وقال : " أيها الرجال الأخوة أنتم تعلمون إنه منذ أيام قديمة أختار الله بيننا إنه بفمي يسمع الأمم كلمة الإنجيل ويؤمنون ...... " ( أع 15 : 6 – 35 ) .
عن صخرة الايمان

الرحلة التبشيرية الثانية

التفكير في الرحلة الثانية : -

بعد انعقاد المجمع بفترة قصيرة اقترح كلا من بولس الرسول وبرنابا أن يرجعا ويفتقدا أحوالهم في كل مدينة ناديا فيها بكلمة الله والروح القدس وهكذا نشأت فكرة القيام بالرحلة الثانية ، وكما نعلم أشار برنابا على القديس بولس الرسول على أن يأخذا معهما القديس مرقص ولكن القديس بولس الرسول رفض ولم يقبل بهذا الاقتراح فقد استحسن أن الذي فراقهما في بمفيلية (اع13:12) ولم يذهب معهما لتكملة هذه الدعوة لا يأخذانه معهما ونرى أن برنابا قد أصر على رأيه ربما من أجل صلة القرابة التي تجمعهما (ابن أخته) أو لأنه الأكبر سنا وربما وقفت الكنيسة بجانب بولس منحازة فقد ذكر سفر أعمال الرسل أن سيلا الذي اختاره الرسول بولس للذهاب معه خرج مستودعا من الأخوة إلى نعمة الله (أع40:15) ونرى أن برنابا قد أخذ معه مرقص وسافر إلى البحر إلي قبرص.

زمن الرحلة : -

لقد استغرقت هذه الرحلة 3 أو 4 سنوات وذلك من سنة 5 إلى أواخر 53 أو أوائل 54

المرافقون لبولس الرسول : -

1- سيلا الرسول
2- لوقا الرسول
3- تيموثاوس بدأ الرحلة مع القديس بولس من لسترة

خط سير الرحلة : -

تنقسم هذه الرحلة إلى ثلاث أقسام (مراحل)

المرحلة الأولى

قام الرسول بولس بزيارة الكنائس التي سبق أن أسسها بأسيا الصغرى ويؤسس كنيسة غلاطية

المرحلة الثانية

ينتقل فيها بولس الرسول من قارة أوروبا حيث يؤسس في بلاد مكدنونية كنيسة فيلبي وتسالونيكي

المرحلة الثالثة

يبشر فيها مدينة أثينا ويؤسس كنيسة كورنثوس وهي من مدن أخايئة .

المرحلة الأولى من الرحلة : -

عندما أزف الرحيل وجاء يوم بدأ الرحلة أخذ بولس الرسول معه سيلا الرسول كرفيق له ، وكان سيلا روماني الجنسية مثل بولس الرسول ، وسافرا من سوريا إلي طرسوس ، وكما ذكرنا من قبل أن طرسوس هي مسقط رأس بولس الرسول وموطن قدميه ومن طرسوس إلي الطرق الرومانية عبر أبواب ليكيئية إلي الهضاب الشمالية ليصلا إلي لسترة ودرنة في جنوب أسيا الصغرى ونرى أن أبواب ليكائية هذه فهي أبواب يمر فيها المارين بين سوريا وأسيا الصغرى فقد كانت أصغر المنافذ وأسهلها بين القطرين ، وقد اشتهرت بعد ذلك باسم أبواب يهوذا نظراً لما شاهدته من حروب وأحداث عصيبة أخرها الحرب بين مصر وتركيا والتي انتصرت فيها القوات المصرية بقيادة إبراهيم باشا ، المهم أن القديس بولس وسيلا رفيقه بقيا على الأرجح حتى ربيع 51 م وكل مدينة كانوا فيها يجمعان الأخوة ويشددوانهم .

لسترة : -

وصلا كلاً من القديس بولس الرسول وسيلا ، وكما نذكر في الرحلة الأولى في تلك المدينة شعب هذه المدينة ظنوا أن بولس الإله ( زفس ) فعبدوه وبنوا له مذبح وقدموا له الذبائح والهدايا كما كانوا يفعلون في الطقوس الوثنية ، وما لبثوا أن تقلبوا عليه فرجموه وطردوه خارج المدينة ظانين إنه قد مات ، ونذكر أيضاً أن بولس الرسول قد التقى بتيموثاوس وهو ابن امرأة يهودية مؤمنة ولكن أباه يوناني الأصل وكان مشهوداً له في لسترة وأيقونية ( أع 16 : 1 – 2 ) ، وقد وصف بولس الرسول نفسه صورة لحياة طفولته وعرفنا بأمه وجدته اللتين تولينا الحدث تيموثاوس بالتليين والترويض على حفظ الأسفار المقدسة وتاريخ جدوده السالفين ولم يهمنا في تاريخ هذه الأسرة سوى أن أم تيموثاوس قد كانت زوجة لرجل يوناني وثني وبما قد يكون في هذا الوقت قد مات أبوه وكانت أمه أرملة ثم رحل بولس الرسول وتيموثاوس إلي أيقونية ثم إلي أنطاكية بيسيدية ، ونحن نعلم هاتان المدينتان في ولاية غلاطية الرومانية بأسيا الصغرى ، وكان يشدون أزر المسيحيين هناك . وكانوا يريدون أن يختتنوا تيموثاوس لأن الداخلين في الإيمان في تلك الأماكن لأنهم يعلمون أن أبوه يوناني ( أغلف ) وكان بولس الرسول متشدداً جداً في الطقس اليهودي حتى لا يتغير أحداثه اختار رفيقاً له ( أغلف ) لم يختتن فقام بختانه حسب شريعة موسى . " صرت لليهودي كيهودي كي أربح اليهود وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس " ( 1 كو 9 : 20 – 21 ) ، وبالفعل قام بولس الرسول بختان تيموثاوس ، وكان يعلم أن الختان لم يكن شيئاً ولم تكن الغرلة شيئاً ورد أيضاً على من قالوا أن الختان محتم ولازم وضروري منه ليتم الخلاص في رسالته إلي كنيسة غلاطية ثم من إنطاكية بيسيدية انطلقوا غرباً إلي ولاية ( بيثيية ) على مقربة من سواحل بحر ( مرمرة ) وبعد ما أجتاز في فريجية وكورة غلاطية منعهم الروح القدس من أن يتكلموا بالكلمة في أسيا وقد ذكر هذا الكلام في سفر الأعمال ( أع 16 : 6 ) ولما بلغوا ( أسيا ) وزاد تأكدهم ويقينهم أن روح الله يسوقهم ويوجههم إلي مكان آخر فسار الثلاثة غرباً إلي ذلك البحر الذي يفصل أسيا عن أوروبا وهو لا يسع اكثر من 100 ميل واتجهت أنظارهم صوب ترواي .

المرحلة الثانية في الرحلة : -
ترواي : -

ترواي هذه هي طروادة الإغريقية القديمة والتي تفنن بها هوميوروس في ملحمته ( الإلياذة والأوديسا ) وهي كانت بمثابة أرض الأحلام والفروسية في العالم القديم وهي مهد الجيش الروماني ، وكانت ترواي في عصر الرسول بولس مدينة حصينة حولها سور عتيد وكان بها ميناء مشهور أكتظ بالسفن لنقل القادمين من الشرق إلي الغرب ، وأقام الثلاثة مبشرين ( بولس – سيلا – تيموثاوس ) في هذه المدينة وبعدها رأى بولس الرسول في رؤية رجلاً رافقه مكدونيا عندما كان بولس الرسول متسلطاً إلي بحر الأرجنيل ( بحر إيجة ) إلي تلك الجزر الواقعة في شمال غرب ترواي ورأى الرجل المكدوني يطلب إليه ويقول له أعبر وأعنا ( أع 16 : 9 ) ، وينتقل القديس لوقا كاتب سفر الأعمال من ضمير الغائب إلي ضمير المتكلم ويروي أحداثاً رآها بأم عينيه فيقول " فلما رأى بولس هذه الرؤيا طلبنا السفر في الحال إلي مكدونيا متيقنين أن الرب دعانا إلي التبشير فيها " ( أع 16 : 6 – 10 ) .

مكدونيا : -

هي ولاية في شمال اليونان في أوربا ولا يمكن الوصول إليها إلا إذا عبر البحر في سفينة شراعية تقطع حوالي مسافة يوماً أو أكثر ، وبالفعل أزف الرحيل ومن ميناء ترواي أقلع الثلاث مبشرين في السفينة الشراعية إلي ( مينابوليس ) ميناء مكدونيا ، وقد رست السفينة ليلاً في جزيرة ( ساموتراكي ) والتي قامت بالإقلاع صباحاً إلي مينابوليس وذكر سفر الأعمال ( أع 16 : 11 ) وصلا عند الظهيرة ونزل الثلاث مبشرين وصعدا في طريق يبلغ حوالي 12 ميل إلي مدينة فيلبي وهي أول مدينة في مقاطعة مكدونيا .
 

Copyright ©2005 marnarsay.com