القديـس ميخـا
 

وُلد سنة 309 ميلادية في أقليم (نوهذرا) القديم الذي يقع ضمن سهول منطقة نينوى . كان أبواه مجوسيان اعتنقا المسيحية واقتبلا المعمودية بعيد القديس الإنبا أوجين² . تربّى تربية مسيحية صحيحة في الكنيسة وبمتابعة والداه اللذان زرعا فيه بذرة الإيمان المسيحي بالمعمودية ، وسقيا هذه البذرة بإيمانهم ومثالهم وتعليمهم له . كان له محبة وشفقة كبيرة على الفقراء والمحتاجين ، فكان يوزع شيئا كثيرا من معيشته عليهم . دخل الرهبنة التي كانت أمنيته بعد أن نهل من الكتب الإلهية قدرا كبيرا من الثقافة المسيحية . كان مثال الراهب في التقوى والطاعة . توحّد في كوخ صغير عائشا في تقشّف وتأمل محاربا التجارب بشجاعة وصبر . كافئه الرب لتعبه فمنحه قدرة إلهية لا حدّ لها تعينه على شفاء المرضى من علل جسدية وروحية . زار الأماكن المقدسة (القدس) وبجوار القبر المقدس حدث له انخطاف روحي . رُسم أسقفا لطرسوس بناءا على طلب جماعتها ثم ترك أبرشيته لميله الشديد للرهبنة والأختلاء ، فذهب الى جبل سيناء ومن ثم الى برية الإسقيط (الصعيد المصري الحالي) الغني بالحياة الرهبانية آنذاك . ثم رجع الى نينوى بإلهام إلهي ليستقر في بلدة ألقوش³ . وبدأ يرشد الناس للتوبة والحياة الجديدة ، حياة النعمة والفظيلة ومحبة الرب ، وبصلاته أوقف وباء كان منتشر هناك يفتك بالأطفال ، وكان يشفي المرضى بقدرة الله وبصلاته ، ثم بنى مدرسة ودير لتأدية رسالته وهي تعليم وتأديب الشباب والأطفال وتثقيفهم دينيا ، ومدرسته مستمرة الى الآن . وكان يعيش في كوخ صغير بتقشف مدة 15 سنة داخل ديره .
لقد تنبّأ مار ميخا عن قدوم الربان هرمز مؤسس الرهبنة الهرمزية الكلدانية الكاثوليكية إذ قال لأهالي البلدة : " أن الله عتيد ليرسل إليكم نسرا عظيما يصعد بمقامه فوق الملائكة ويعشعش بجانبكم في هذا الجبل . فيولد أفراخا روحية وكل من يدعو بأسمه يطرد منه الرب كل وجع ويكون له سلطان على مرارة وسم الدبيب القتّال ويُسمّى هذا الجبل أورشليم العليا ، أخرجوا للقائه بفرح " . وصحّتْ النبوة إذ أصبح الأنبا هرمز أبا لمئات الرهبان في ذلك المكان ثم تأسست الرهبنة الهرمزية الكلدانية المزدهرة .
وعندما شعر بقرب وفاته جمع الكهنة وطلاب مدرسته ووعظهم مقدما لهم نصائحه الأخيرة ثم باركهم مودعا إياهم ، وبارك ألقوش قائلا: " لا يتحكّم بكِ عدوا أبدا " . ثم نام النومة الأبدية سنة 429 ميلادية وعمره 120 سنة ودُفن في القبر الذي حفره في كوخه . ويُحتفل بعيده بفرح في الكنيسة الكلدانية كلها وخاصة في أبرشية ألقوش . استمرّت رسالة الأسقف القديس من بعده والتي سميّتْ بأسمه . ومنها تخرّج الكثير منهم اشتهروا بالعلم والقداسة من البطاركة والأساقفة أذكر منهم البطاركة: الشهيد الطوباوي مار يوحنان سولاقا ، مار يوسف السادس أودو ، مار يوسف عمانوئيل الثاني توما ومار بولس الثاني شيخو . والأساقفة: توما أودو ، إسرائيل أودو، حنا قريو ، طيموثاوس مقدسي ، إيليا أبونا و أفرام بدي . بالأضافة الى عددكبير من كهنة وشمامسة وعلمانيين . وهذه المدرسة اليوم مخصصة للتعليم المسيحي . أن بناء مدرسة قبل أكثر من 1500 سنة في قرية صغيرة ، غمل يستحق التقدير والتخليد ، فيا شفيعنا ومعلمنا وأبينا مار ميخا النوهذري ، نطلب منك بثقة أ، تصلي من أجلنا نحن أبنائك ومن أجل أبناء كنيسة المشرق كلها أينما وجدوا ، لكي يحفضهم الله في شكوك الذئاب الخاطفة والبدع المختلقة . آمين .

أن الغاية من سرد سيرة قديس هي للفائدة الروحية والأقتداء بسيرته . والعبرة التي نستخلصها من سيرة قديسنا هي :
1. أن المعمودية هي سر عظيم اقتبلناه بنعمة الله وبشارة أهلنا ومن اهتموا بعماذنا والذي به نحيا بنعمة الروح القدس وقوته . وأن الله قادر أن يقيم من الحجارة أبناءا لأبينا أبراهيم كما ورد في الإنجيل ، إذ أن الخلاص لكل البشر ، فلا نفتخر بانتمائنا الطائفي أو طقوسنا ، بل بالمسيح الذي يحيا فينا – في صدق كلامنا وصدق أعمالنا .
2. أن مخافة الله وطاعته في واجباتنا المترفّعة عن الماديات ، ضرورة لابد منها لعيش مسيحيتنا بصدق وأمانة لمجده تعالى ولخلاص نفوسنا .
3. أن تكريم القديسين والشهداء هو بالتعرّف على روحانياتهم أكثر من الأقتفاء بذكرهم بمهرجانات والتي بالرغم من أهميتها إلاّ أنها كثيرا ما تبعدنا عن الجوهر . شأنها شأن الأحتفال بالأسرار أحتفالا تقليديا أكثر من الدخول في عمق الأسرار .
4. كلما تأملنا في سيرة قديس ما وليس بالضرورة أن يكون معلنا ، كلما تعلمنا درس التواضع والمحبة أكثر فأكثر .

الحاشية:
1. عن كتاب سيرته .
2. هو من بلاد مصر ، أسس دير في بلده ثم انتقل الى الشرق وبنى دير في جبل أيزلا ، توفي سنة 362 ميلادية .
3. بلدة قديمة جدا في التاريخ ، تقع ضمن سهول نينوى في العراق – أرض الرافدين ، وصلتها البشارة في القرن الثالث الميلادي وربما قبل ذلك . وفيها ضريح وذخائر ناحوم النبي ، أحد أنبياء العهد القديم الذي عاش ومات في زمن السبي البابلي في القرن السابع ق.م . والذي تنبّأ بوحي من الله عن دمار نينوى وتنبّأ عن رسالة رجاء وفي نبوءته يقدم البشائر السارة لكل من يطلب البركة بدلا من دينونة الله . الى هذه البلدة قدم الراهب والناسك والأسقف في آن واحد ليؤسس فيها ولأطرافها رسالته سنة 414 ميلادية .
عن موقع الجالية الكلدانية في هولندا

  العودة الى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com