الأحـد الأول للصيف / نوسرديـل ! *************<>************* 2018.07.08

عـيد الله وتذكار الأثني عشر رسولاً


تتلى علينا اليوم القراءات : أع5: 12-33 ؛ 1كور4: 9-18 ؛ لو14: لو14: 1-14

القـراءة : أعمال 5 : 12 – 33

ركَّز النصُّ على نقاط أساسية، مُهّمة في نظر لوقا، هي: 1+ التبشيرُ بتعاليم الحياة الجديدة التي أعلنها يسوع المسيح، بحيث لمَّا سجنوا الرسل لمنعهم من التبشير أخرجَهم الملاك ليُوَّفرَ لهم فرصة التبشير؛ و2+ لقـاء المسيحّيين الأوائل مع بعضهم، وهم يتكاثرون يومًا بعدَ يوم و " يُعَّظمهم الشعبُ" ؛ و3+ لاسيما إجراءُ الرسل للمعجزات والآيات وجلب الناس مرضاهم حتى من المدن المجاورة لأورشليم وطلب الشفاء على أيدي الرسل. ولكثرة الأزدحام و آستحالة نيل فرصةِ لقاءٍ خاص ببطرس كانوا يَصُّفون المرضى في الشوارع حيث يمُرُّ بطرس بأمل أن يقعَ ولو ظله على المرضى فيُشفون.

ظِلُّ بطرس يشفي المرضى !

أمرٌ غيرُ مُتَوَّقع، وربما لا يُصَّدقُه مُلحِدو عصرِنا. ويروي الكتابُ خبرًا مماثلا عن بولس الرسول بأنَّ الله " كان يجري على يده معجزاتٍ عجيبة، حتى صار الناسُ يأخذون إلى مرضاهم ما لامسَ جسَدَه من مناديلَ أو مآزرَ فتزولُ الأمراضُ عنهم، وتخرُجُ الأرواحُ الّشّريرة " (أع19: 11-12). قبل كل شيء نجلبُ إنتباه القاريء الكريم إلى أنَّ الله هو الذي يُجري الأشفية ويطردُ الأرواح الشّريرة ، إنما من أجل إيمان الرسول وقداسةِ سيرتِه. تمامًا كما كان الله يطرد الشعوبَ الوثنية أمام زحفِ شعبِه المختار عندما كان هذا الشعبُ مؤمنًا واثقًا بالله مُتقَّيِدًا بوصاياه ومُلتزمًا بإرشاداتِه، فكان الله يُحاربُ عنهم (تث3: 22). الله هو الذي يفعل ولكن بواسطة إنسانٍ هو راضٍ عنه لأنه مؤمنٌ وقديس إذ يسكنه كلام الله. وفعلا سيق الكتاب وروى عن بطرس أنَّه خاطرَ بحياتِه من أجل" طاعةِ الله"(أع4: 19-20،و29). و بسبب التبشير والأشفية سيُسجن الرسل ويُجلدون (5: 40). ولماذا وكيف كانت تجري المعجزات؟. لم يكن الرسل من يبحثون عن المرضى. لم يكونوا هم من طلب من ذويهم أن يُحضروهم ويصُّفوهم على الشارع، مثل إستعراضٍ وتنظيم برغبةٍ بشرية، كما يفعلُ اليوم بعضُ المسيحيين للتظاهر بقواهم مع نصب آلات التصوير لتوثيق ما يدَّعون به. كان المرضى أو ذووهم يسألون الرسل لأنقاذهم من بليتهم. كان الروح القدس يُنَّورُ إيمانهم بأنَّ الرب قد وكلَ رسلَه وتلاميذه أن يجروا مثله المعجزات والأشفية (متى10: 8)، و أنَّ كلَّ ما يسألون الله يستجيبُ لهم، أي يُجري المعجزات لخاطرهم. ولما كان الروح يُرشدُهم ، وهو لا يُرشِدُ إلا الى الحق (يو16: 13)، فكانوا يُصَّلون {{ يطلبون منهم،لأنَّ الصلاة هي طلب }} إلى الرسل ليُريحوهم عن ثقل أوجاعِهم وآلامهم، كما حدثَ مع يسوع نفسِه، وكان هؤلاء يفعلون ما علَّمهم يسوع فيسألونه بدورهم، يُصَّلون اليه (يو16: 24) ، ليُلَّبيَ رغبة المتألمين المؤمنين.

يجب أن نطيعَ الله !

إفتتحَ الله العهدَ بـ " لا يكن لك إلَهٌ غيري". وأتبعها بشرحٍ مُفَصَّل" لا تصنع لك تمثالاً ولا صورةً لشيءٍ مما في السماء أو في الأرض أو حتى تحت الأرض". ويُوَّضحها موسى للشعب ،" لا تنسوا الرب الذي أخرجكم ..بل إتَّقوا الربَّ إلَهَكم وآعبدوهُ وبآسمِه وحدَه تحلفون ..لا تتبعوا آلِهَةً أُخرى من آلهةِ الأمم الذين حواليكم.."(تث6: 12-14). وشَدَّدَ موسى على أنَّ الشعبَ " لم يروا للهِ صورةً ". ويُفَسِّرُها بأنْ كان ذلك سياسةً من الله لئلا تتـفَوَّقُ عليهم التجربة " فتَفسُدوا وتعملوا لكم تمثالاً.. فتندفعوا وتسجدوا لها وتعبدوها ". ونعرفُ أنَّ الشعبَ ، المُلَّغَمَ بوثنية المصريين، لم ينتظر طويلا للمخالفة، بل قبيل تلَّقيه وثيقةَ العهد طلب من هارون أن" إصنعَ لنا آلِهَةً تسيرُ أمامنا "، صنمًا يعبُدُه ويتبعُهُ (خر32: 1). ولأنهم لم يروا وجهَ الله سكبوه على شكل عجل يرمز إلى القوةِ والخصوبةفبطرس لم يفرض على المؤمنين أن يسألوه شفاءَ أمراضهم. و وساطته من أجلهم لدى الرب لم يَغتنمها أو يسلبها أو يغتصبها من أحد. إنها مشيئة الله نفسِه. الله الذي أقام بينه وبين البشر وسيطًا له ، واحِدًا وحيدًا (1 طيم2: 5) في شخص المسيح بحيثُ "لا يوجدُ اسمٌ آخرتحت السماء أُعطيَـهُ الناس نستطيعُ به أن نُدرِكَ الخلاص" (أع4: 12)، أرسلَه الى العالم. وهذا الأبن قام بدوره بإقامة وكلاء بشر إنتدبهم هو للخدمة فأرسلهم بدوره مثل الآب (يو20: 21)، و زَوَّدهم بقوته لأجل تأدية رسالتِه وليس مكافأة لنجاحهم. مجازاتهم تكون في الآخرة بعدما يؤدون الرسالة حسب المطلوب (يو17: 24). والمهمة التي كلَّفهم بها تقتضي هذه السلطات. هذه من جهة. ومن أخرى لأنه سيبقى معهم وفيهم للأبد. فهو يقيم في رسله وكهنته على مر الأجيال ليتابع خلاصه على أيديهم. ففي خدمتهم وبأشفيتهم يشهدون على موهبة الله لهم، و يوزعون على المحتاجين الغنى العظيم الذي أفاضه الله عليهم. وكما تقول الكنيسة بأنَّ شفاءَ بطرس لمخَّلع الهيكل ثبـت بشارتهم بقيامة المسيح. وكذلك كل المعجزات ما هي إلا دليلٌ على سيادة المسيح على كلِّ شيء، وعلى أنه هو وحده نور الحَّق. والدليل على أنَّ كلَّ شفاء هو عمل الله كلام يسوع :" لم تسألوا شيئًا بآسمي الى الآن. إسألوا تنالوا " (يو16: 34). و القول الآخر:" وكلُّ شيءٍ سألتم بآسمي أعملُه " (يو14: 13-14). وهذا بدوره يُثَّبتُ أنَّ وساطة القديسين وشفاعتَهم هي من تأسيس الله نفسِه ، لا من إختراع الكنيسة.

عظامُكم تُجري العون !

هكذا قالت ترتيلة للشهداء القديسين، من القرن الخامس، وأضافت" للذين يلجأون إليهم". وترنيمة أخرى تقول:" عظامكم أيها الشهداءُ القديسون بركةً للخليقةِ كلِّها ". عند قراءتنا مثل هذه النصوص لا نستغرب ولا نعترض. لأنَّ هذا حصل مع بولس بخصوص المناديل أو المآزر التي لمست بدنه وآستعملها المؤمنون وسيلة لا فقط للبركة بل ولشفاء المرض وطرد الأرواح الشّريرة. وإذا كان " ظل بطرس" يشفي ويُبعد الروح الشرير، فكم بالأحرى أجزاءٌ من جسم الشهيد أو القديس، أو ما استعمله من أدواتٍ وملابس وأجهزة لامست قداسَتَه تُصبحُ فعلاً " ذخائر" يتباركُ بها المؤمنون فيحترمونها ويتمنون ويطلبون من صاحبها، الذي إرتفعَ مقامه عند يسوع المسيح وتمَجَّدَ معه، أن تُغيثَهم وتحميهم شرَّ ابليس وشرَّ أنفسِهم. وتقول صلاة من فرض اليوم :" إنَّ القوة العظيمة لمُحيي الكل (المسيح) حَلَّت في ذخائر الظافرين . و هوذا يُجرون خفيَةً وعلنًا معجزاتٍ مدهشة !. وبآطّلاعنا على مثل هذه الحقائق نستسيغُ بسهولة أنَّ طاقة القديسين وشفاعتهم لا فقط لا تُقَّللُ من وساطة المسيخ الخلاصية بل تُقَّويها وتوَّسعُ أبعادَها إذ تُشرك بسلطانها بشرًا سلكوا مثله في تثبيت مملكة الحَّق والبر بين البشر. تمامًا كما أشرك اللهُ الأنسان/ في شخص المسيح/ في سلطانه الخلاصي بالفداءِ والغفران. وهل " تقولُ الجبلة لجابلها : لماذا جبلتني هكذا"؟. فـهل يعترضُ < مسيحيون > لأنَّ المسيح مخَّلِصَهم هكذا شاءَ وهكذا رتَّبَ الأمور؟. هل يعترضون على أنه سحبَ البساط من تحت أقدام ابليس عدو الأنسان وأعاد إلى الأنسان كرامته فرفعه ألى مستواه الألهي ليكسر قوةَ الشر؟. أ لم يعد الله فعل ذلك منذ سقوط الأنسان :" أيَّتُها الحَّـية إنَّ نسلَ الأنسان سيترَّقبُ منك الرأس"؟ (تك3: 15). ولم تسْهُ إحدى صلوات فرض اليوم لما قالت عن القديسين :" إنَّكم مصابيحُ نورالحَّق للكون"، وأيضًا " أنتم عنوان غفران الخطايا".


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com