الأحـد السابع للرسـل ********<>******** 2018.07.01


تتلى علينا اليوم القراءات : تث4: 10-24 ؛ 1كور15: 58 -16: 21 ؛ لو13: 22-35

القـراءة : تثنية 4 : 10 - 24

الشعبُ على أهبة الأستعداد للعبور إلى كنعان، أرض الميعاد، ويضع موسى آخر لمساتِه على العهد بين الله والشعب فيُعطي آخر تعليماتِه لكيفية تنظيم الأرث الجغرافي وتثبيت الدستور الخلقي الذي سيحمي الشعب من الأنحراف ويساعده على التمَّتع بنعَمِ الله ورعايتِه الخاضّة. فيُذَّكرُ الشعبَ ببنود العهد ، وصايا الله، ويُزَّودُهُ بشريعة أخلاقية إجتماعية تُرشدُه الى حقوقِه و واجباتِه، كشعبٍ تجاه الله وكأفرادٍ تجاه الجماعة فتحافظ على وحدةِ الأيمان والعمل مع التطلع الى آفاقٍ مُشرقة لغدٍ أفضل.

شعب الله الخاص !

إنَّ مُبَرِّرَ العهد والشريعة وكلَّ ما حدثَ هو أنَّ الله إختارَ لنفسِه شعبًا رَبَّاهُ على يده. هذا الشعبَ لن يكون مثلَ بقية الأمم. هذا الشعبُ مَيَّزَه الله برعاية فريدة وأنعمَ عليه أفضالاً و آمتيازاتٍ لم يُجرِها لغيره. كَوَّنه على أساس الأيمان به، وأعانَه بشكل مباشر ليحميه نكبات الحياة ومخاطر الزمن لأنَّ الله بادر الى تنفيذ وعده بإرسال مُخَّلصٍ يُعيدُ الأنسانية إلى مجدِ فردوسِه والتمَّتع براحتِه التي سرقها منه " التنين العظيم أو الحَّية القديمة "(رؤ 12: 9). يُرَّبي الله هذا الشعب كإبنٍ له ،" إسرائيل ابني البكر" (خر4: 22؛ اش1: 2). لا يبخلُ عليه بشيءٍ يعوزه أو فقط ينفعُه، بل لقد "حملهم كما يحملُ الأبُ ولده وقادهم في تنَّقلهم " (تث1: 31). يُعلِّمُه السلوك كإنسان كامل، صورة منه :" أُسلك أمامي، وكن كاملاً" (تك17: 1). والكمال يعني أن يتبَّنى سيرة الله وليس سيرة أهل العالم. و سيرة الله هي قداسة الحَّق :" كونوا قديسين لأني أنا قدوس " (أح11: 44؛ 19: 2)؛ " أيُّها الآب أنت الأله الحق .. قَدِّسْهم في الجق لأنَّ كلامكَ حَّقٌ" (يو17: 3، 17). لقد جَرَّ المُجَّربُ الأنسانَ إلى الأهتمام بما للجسد الفاسد، والجسد " ينزع الى الموت ، الى الهلاك ..لأنه تمَرُّدٌ على الله". يريد الله أن يرتفعَ " إبنُه " عن فساد الجسد ويرتقي الى حياة " أبيه " الله فيسلك سبيل الروح (رم8: 6-9 ). لقد " ربَّيتهم ورفعتهم "(اش1: 3). تلك تكون من الآن وصاعدًا العلامة المُمَّيزة لشعب الله، والتي تشُّعُ في العالم حياةَ الله نفسِه، وليست بعدُ الختان الذي لا حياة له ولا شهادة.
وقد عاين الشعبُ مجدَ هذا الأب وعظمة قدرتِه. رأه مثل نار آكلة تقضي على الأخضر و اليابس ، تذيب الصخر وتُبَّخر المياه، تَصدُعُ الجبال وتُفَّجرُ الينابيعَ وتُمطرُ القوتَ وتشُّقُ البحار. لا يقوى شيء على الصمود أمامه أو الوقوفَ في وجه كلمتِه. إنَّه نار لا تُشفقُ على الخيانة لأنها تضطرمُ غيرَةً ولا تتحَمَّلُ نكرانَ الجميل و لاسيَّما الأنحدارَ في السلوك الى مستوى الكائنات البهيمة. للأنسان كرامةٌ ومجد، إنه صورة الله، صورة الأبن لأبيه، فهو مُلزمٌ بواجبِ تحقيق صورة الله الحَّي في أفعاله. حياته نسمة من حياةِ الله، ولا يجوز له أن يُشَّوه حياة الله ويُدَّنس صورته. لهذا يغارُ الله على الأنسان فيريده كذاتِه " قديّسًا ". ثمَّ يغار منه عندما يُهملُه ويتبع بجهلٍ وغباء ألهةً خيالية ، من صنع الأنسان نفسِه، لا حياة لها ولا قدرة على عمل شيء. ولذا يُحَّذرُ موسى شعبَه من مغَّبة نسيان أفضال الله وتركه ، ويُذَّكرُه مُسَّبقًا بالنتيجة السلبية لكذا تصَّرف، " أنا من اليوم أُشْهِدُ عليكم السماءَ والأرض بأنكم إذا نبذتم العهد فستبيدون سريعًا من الأرض..ويشَّتتكم الرب بين الشعوب" (تث4: 27؛ 6: 15).

لم تروا لله صورة.. فلا تصنعوا له تمثالا !

إفتتحَ الله العهدَ بـ " لا يكن لك إلَهٌ غيري". وأتبعها بشرحٍ مُفَصَّل" لا تصنع لك تمثالاً ولا صورةً لشيءٍ مما في السماء أو في الأرض أو حتى تحت الأرض". ويُوَّضحها موسى للشعب ،" لا تنسوا الرب الذي أخرجكم ..بل إتَّقوا الربَّ إلَهَكم وآعبدوهُ وبآسمِه وحدَه تحلفون ..لا تتبعوا آلِهَةً أُخرى من آلهةِ الأمم الذين حواليكم.."(تث6: 12-14). وشَدَّدَ موسى على أنَّ الشعبَ " لم يروا للهِ صورةً ". ويُفَسِّرُها بأنْ كان ذلك سياسةً من الله لئلا تتـفَوَّقُ عليهم التجربة " فتَفسُدوا وتعملوا لكم تمثالاً.. فتندفعوا وتسجدوا لها وتعبدوها ". ونعرفُ أنَّ الشعبَ ، المُلَّغَمَ بوثنية المصريين، لم ينتظر طويلا للمخالفة، بل قبيل تلَّقيه وثيقةَ العهد طلب من هارون أن" إصنعَ لنا آلِهَةً تسيرُ أمامنا "، صنمًا يعبُدُه ويتبعُهُ (خر32: 1). ولأنهم لم يروا وجهَ الله سكبوه على شكل عجل يرمز إلى القوةِ والخصوبة.
أمرٌ واضحٌ أنَّه غباءٌ مُرعب وسخافةٌ مُخجلة أن يصنع الأنسان بيديه شيئًا ثم يعتبرُه إلَهًا أذكى منه وأقوى (!!)، فيعبُدُه طالبًا عونه. هل السيارة او الطيارة او الدبابة او الغوَّاصة أو حتى القنبلة النووية هي أقوى من الأنسان الذي صنعها؟. ليس ذلك سوى كذبةٍ خادعةٍ وإغواءٍ من عدو الأنسان ليُشغله عن الله الحق، خالقِ الأنسان نفسِه، والقادرعلى ما لا يقدر عليه الأنسان. وعليه ظلَّ المؤمنون بالله الخالق يرفضون عبادة الأصنام. وللقضاء عليها سفكوا دمًـا زكيًّا
غزيرًا في شخص الشهداء. ومع ذلك ترتفع اليوم في الكنائس تماثيلُ للمسيح والقديسين. وقد أثارَ ذلك حفيظة مؤمنين غير قليلين وسُخط غيرهم. بل إستغل البعض ذلك فرصةً للتشكيك في إيمان من يقبل بذلك، إن لم تصل الى حجَّةٍ لآضطهادِهم. وللعلم سُفكت دماءٌ أخرى و تحمَّل التعذيب والتقطيع أناسٌ للدفاع عن الوحيِ الجديد للأمور. وقبل الغوص في الأحداث التاريخية نُثَّبت مُسبَقًا أن وجود التماثيل في الكنيسة ليس لعبادتها أوطلبِ مشورتها ، بل هي فقط وسيلةُ إيضاح تقودُنا الى تكريم صاحب التمثال والأقتداء به.
إنَّ إستعمال الصور والتماثيل بدأ من عهد الرسل عندما شنَّت عليهم الوثنية الأضطهاد و هددت المسيحية بالإبادة الشاملة فآضطروا إلى الأختفاء عن أعين المسؤولين والقيام بالصلاة الجماعية، لاسيما قداس الأحد، في الدياميس بين القبور وتحت الأرض. وكانت ممراتُ تقود المؤمنين الى مكان العبادة وعليها إشارات، لوحات مرورية، هي صور وتماثيل توضع في الممرات، وهي تشبه خنادق الحرب، لتسهيل وصول المؤمن الى المكان الأمين فيشترك في الصلاة ويتناول القربان، مُصَّممًا على الصمود في عبادة الله الواحد الحق، و الجهاد ضد الألهة الصنم. ولما آنتهى الأضطهاد لم يستغربوا ولا إستصعبوا وجود التماثيل في مكان العبادة بعد أن كانت لهم سلاحًا مُثمِرًا كلوحة مرور للوصول الى حيث يلتقون بالله من خلال ذبيحة المسيح. فآستساغوا فكرة إستعمال الصورة والتمثال وسيلة إيضاحٍ ودليلَ طريق الحق. فآستمروا في استعمالها بهذا الهدف.
ثم قامت موجة إعلامية قوية وشرسة ضد إستعمال التماثيل والصور. دُعيت الحملة المحاربة والمقاومة بآسم " حرب الأيقونات". وكان أحد أشهر المدافعين عن صحَّةِ إستعمال " الرسم" مُصَّوِرًا المسيح والعذراء و..و.. القديس يوحنا الدمشقي (+749م) الذي قاوم بشدة مُحَّطمي الأيقونات والتماثيل. وكانت حجَّتُه كالآتي: في العهد القديم لمْ يرَ أحدٌ صورةً لله حتى يرسُمَها. وكانوا يعبدون الأصنام كأنها هي "آلهة". أما المسيحيون: فنحن رأينا الله في شخص يسوع المسيح الذي قال:" من رأني رأى الآب". ويوحنا الرسول يقول أن" الذي كان من البدء ، الذي سمعناه ورأيناه بعيوننا ، الذي تأملناه ولمسته أيدينا من كلمةِ الحياة.. نبَّشرُكم به، لتكونوا أنتم أيضا شُركاءَنا " (1لو1: 1-3). كذلك يقول مار بطرس :" لقد عاينا جلاله.. وسمعنا صوته آتيا من السماء .." (2بط1: 16-18). ونحن لا نعبُدُ الصورة بل نستعملها لتقودنا الى الله ، فنُجَّسِدُه في فكرنا وقلبنا.
وعليه تقول الكنيسة :" إنَّ إبن الله هو الذي إفتتحَ ، بتجَّسُدِه، " نهجًا " جديدًا في إستعمال الصور" (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، رقم 1159). " لأنَّ الرسم المسيحي ينقل ، بالصورة ، الرسالة الأنجيلية التي ينقلها الكتابُ المقدس بالكلمة . الصورة والكلمة تستنيرُ إحداهما بالأخرى" (ت.م.ك.ك.رقم 1160). أمَّا أنتم ، قال الرب، " فهنيئًا لكم لأنَّ عيونكم تُبصرُ وآذانَكم تسمع .. كثيرٌ من الأنبياءِ والأبرار تمَّنوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا.." (متى13: 16-17). ما لم يرَهُ شعبُ الله الأول تمَتَّع الشعبُ الجديد بمعاينة شعاع مجده وجلاله، بنوع خاص وفريد على جبل طابور يوم تجَّلي يسوع أمام تلاميذه في مجد لاهوته ومن جانبيه موسى وايليا (متى17: 1-8)، وكأنهما يُسَّلمان له الأمانة ويخضعان لربوبيتِه معترفين أن الشريعة والنبوة قد إكتملتا وآنفتح للوحي سبيل جديد، لأنَّ الله تجَّسد وكلَّم الناس وجهًا لوجهٍ بكلام مكشوف (عب1: 1-3). تقول الرسالة الى العبرانيين" كان العهد الأول يهتم بشعائر العبادة والقدس الأرضي.. وكانت مفروضة الى الوقت الذي يُصلحُ اللهُ فيه كلَّ شيء .. وما ثبت الشعب على العهد الأول.. فقال الرب : أقطع لشعبي عهدًا جديدًا، لا كالذي عقدته مع آبائهم ..". وعقده بدم المسيح، وفيه أصلح كلَّ شيء. فلذلك " المسيح هو الوسيط الجديد ( عوض موسى ) لعهدٍ جديدٍ ينالُ فيه المدعوون الميراثَ الأبدي الموعود " (عب8: 8 – 9: 15). فالمسيح هو الله الذي تجَّسد فرأيناه وتكلم فسمعناه. وننقل وجهه وحديثه نقلاً حَـيًّا " كلمةً ورسـمًا ".


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com