الأحــد السادس للرسـل *********<>********* 2018.06.24


تتلى علينا اليوم القراءات : اش2: 1-19 ؛ 1كور10: 14-32 ؛ لو12: 57 – 13: 9

القـراءة : اشعيا 2 : 1 - 19

يلاحظُ إشعيا إنحطاط الشعبِ، قادةً ومواطنين، إيمانيًا وخُلقيًا. لقد تبَطرنَ الناسُ وآستعبدتهم الشهوات الدنيوية وسحرتهم الخيرات الزمنية من سلطةٍ وجاهٍ ومال. لقد تعَّمقوا في التجارةِ وتفننوا في المنطق فصاروا لا فقط يُنافسون العمل الألهي بل يتحَّدون الله غير معترفين له بالسيادةِ والكمال. أخذوا يتعالون عليه وبالنتيجة لا يعترفون بشريعته. أقاموا عوضها سنُّتهم بناءًا على مصالحهم. ولم يعُد للأنسان في ذاتِه قيمةٌ، علاقته بالله أصبحت نافلةً من الماضي. لقد أصبح سِلعةً أو وسيلة فقط بلا كرامة ، و" بالعافية من يأتي بنقش"!. لقد إغتنى الناسُ كثيرًا. ومع الذهب والفضة تكاثر الشَّرُ والفساد. لقد " إمتلأت الأرضُ أوثانًا، ومُشعوذين"، وكثرت الفِتن والنفاق والخصومات. وقامت الحروب القاسية، وتلاشت المحبة وآختفت الرحمة. مال الناسُ عن الإعمار وتنافسوا على الدمار.
وإذ يتاَّملُ النبي هذا الوضع يتألم ويتأَوَّهُ ويتحسَّرُ على الماضي المجيد عندما كان مجدُ الله في الساحة يتألَّقُ ويُبهرُ المؤمنين فيتنعَّمون بطمأنينةِ وراحة. وعندما كان الشعبُ يملكُ الله في فكره وقلبِه ، ويُحرزُ النصرَ تلوَ الآخر، لأنه كان يتقَّيد بكلام الله وشريعتِه، بينما يُعاني الآن من المشاكل والمصائب ما يُدمي القلبَ ويُدمعُ الروح، والسبب لقد نسيَ الشعبُ إلَـهَه بل عافه وتعالى عليه وآتَّخذَ طريقَ عبادةِ ذاتِه وإراحَةِ ملَّذاتِه بأيِّ ثمنٍ كان، دون وازعٍ أو رادع. وبينما يهيمُ النبي في هذه الحلقة المُغَّبرة ويقلقُ على مصير الأمة ومستقبل البشرية ويرنو الى نور يُسعفه ويَهديه الى سبيلٍ للخلاص، يأتيه الوحيُ من الله بأنه لن تُؤَّبدَ هذه الحالة المزرية ، إذ ليس هذا ما يريدُه الله للناسِ أبنائِه. إسمُ الله لن يستمرَّ في إنتكاسَة ولن يقعَ في نسيان دائم . سوف تنقلبُ الأمور ويأتي الفَرجُ من الله وبقدرتِه. الله نغسُه سيأخذ بيده زمام الأمور،" سيحكم بين الأمم". مرسَلُ اللهِ سيبني بيتًا إلَهيًا أعلى حتى من قمم الجبال. لن يبنيه على الأرض وبالحجارة. بل سيبنيه داخل قلب الأنسان وفكره. "إنَّ ملكوت الله في داخلكم" (لو17: 11). سيبنيه بالحب والرحمة والغفران. سيُعلم البشر كيف يتوَّقفون عن الخصومات والعداء، " أحبوا أعداءَكم، وأحسنوا الى من يبغضكم ويؤذيكم ." (لو6: 27). سيدعوهم الى عدم اللجوء بعد الآن الى العنف، إلى الحرب لفضِّ الخصومات ، ويعَّلمهم إستعمال الغفران لنيل السلام والوئام. " إغفروا يُغفَرُ لكم" (لو6: 37). ومن ليس له خطيئة فليرمِها بأول حجر" (يو8: 7). سيُعَّلم الناسَ أن يحَّولوا سلاح التدمير الى الإعمار،" وعوض صُنع السيوفِ لسفك الدماء سيصنعون آلات الحرث وأدوات الزراعة والصناعة و وسائل لراحة التنَّقل فتزدهرَالحياة وتكثر موارد العيش وتتقوى أواصر الألفة بين الناس. و عوض الرماح والقنابل والصواريخ يدعوهم الى صنع مكائن الحصاد والدرس. وعوض عزل المرضى ونبذهم سيتعلمون الرأفة والحنان تجاه المعَّوقين والمُعوَّزين فيكثرون لهم بناءَ المشفيات وصنع الأدوية لضمان علاجهم لا نبذهم، وإراحتهم لا التشَّكي والتذَّمر منهم. الروح الألهي يحُّلُ في المؤمنين ليُرشدهم الى الخير كلِّه (يو16: 13)، ويعضُدهم في جهادهم ضد مآسي الحياة ومشَّقاتِها. هذه القيم ينشُرها الله ويطلب من محّبيه والمنتمين إليه أن يتحَّلوا بها ويمارسوها في حياتِهم. سيتأثربها أهل العالم شاؤوا أم أبوا ويحنون إليها لأنها ترَّيح الفكر. لأنهم يحلمون بحياة من هذا الطراز ولا يستطيعون تَحقيقها. فأهل العالم أيضا، وكلُّ الناس، يحلمون بسلام وراحةٍ وهناء، ولكن على طريقتهم وحسبما يقتنعون، لا على طريقة الله. وإذا أصغى المؤمنون بالله وتفاعلوا مع ندائه ـ وسيصغون ! ـ كي لا يُفنوا بعضُهم بعضًا، وظهر فيهم مجد الله، سيقتنع الملحدون ، عاجلا أم آجلاً، بفشلهم. ولكن لأنهم يرفضون سلطةً تتحَّداهم لذا يتعالون فينكرون الله. وإذا رفضوا الأنصياع حتى للمنطق الأنساني، عندئذٍ " ذنبهم على جنبهم". لأنه في الأخير" سينخفضُ تشامخ الأنسان وينحَّطُ ترَفُعُّ البشر. والربُّ وحدَه يتعالى". وعندئذٍ لن يكون مصيرُ المتمَّردين أفضل من مصير أهل سدوم وعمورة، او من فرعون مصرالذي لم يتَّعِظْ بكلَّ معجزات الله بل رفض الأيمان به فدفع ثمنًا باهظًا. تندَّم لمَّا عرف أنه لا يقدر أن يقاوم جبروت الله، لكنه لات ساعة مندم. غرق في البحرهو وجيشُه وسلاحه وبادوا في أعماق البحر، فأصبحوا " نسيًا منسِيًّا "!. لم يتوقع النبي أن تتحَقَّق هذه النبوءة في زمانِه، ولا في زمان غير بعيد، إنما آمن أنَّ كلمة الله لن تعودَ أدراجها فارغةً، وستتحَقَّقُ عندما يأتي المخَّلصُ الموعود و يستلم قيادة الكون ويحكم بآسم الله " الذي أولاه سلطة القضاء لأنه إبن الأنسان" (يو5: 22-27). ولن تنفع الكبرياءُ بعدُ لأنَّ من دفع الإنسان إليها قد إنكسرت شوكته " فسيّدُ هذا العالم قد حُكمَ عليه" (يو16: 11 ). ولا يثبتُ تبريرٌ بجهلٍ، ولا ينجح تهَّرُبٌ من عدالةِ الله أو إختفاءٌ من حضرتِه لأنَّ حججَ الدفاع عن الذات تتبَّخر، وقوى الحمايةِ تتلاشى. مجدُ الله يشُّلُهم ولن يهرب أحدٌ من عدالتهِ.
وما كان من النبي إلا أنه تشاءَمَ من بلادة الأنسان وغبائِه حتى تشَّكى منه بمرارة: " فما لكم و للأنسان؟. في أنفِه مُجَّردُ نسمةٍ ، فما قيمَتُه:؟. بهذه تذكر النبي، وذكَّرَ قارئيه أصل الأنسان بإزاء الله. الله هو الوجود والخالق والمُدَّبر ! هو القدرة وهو الحياة. أمَّا الأنسان فهو صورة فقط من الله (تك1: 27)، ونسمةٌ جزئية من حياته تعالى نفخَها فيه عندما صنعه (تك2: 7). فهل يقدر الأنسان أن يجابه اللهَ ويتحَّداه فيتعالى عليه؟. ذلك جنون وآنتحار. عليه بعكس ذلك أن يعودَ الى مصدره ومنه يغترف الفكر ويستقي الروحَ. لذا يختم النبيُّ كلامه فيُحَّرِضُ شعبَه ، وكلَّ إنسان يطلبُ الحياة، ويُشَّجعُه على الألتزام بكلام الله :"يا بيت يعقوب تعالوا لِنسلكَ في نور الرَّب". وهذه هي رسالة الكنيسة اليوم وكلَّ يومٍ وإلى منتهى العالم فتنصح الناس ألا يتباهوا فوق الحد بإمكاناتهم وإنجازاتهم ولا يتعالوا على الله خالقِهم بل يتواضعوا فيعترفوا بوجودِه ، و يلتزموا جانب الأيمان والبر، ويستثمروا طاقات الله فيهم ويتخَّلقوا بأخلاقِ المسيح ، نموذج الحياة ، فيسلكوا سبيل الحَّق والمحبة، في الأحترام المتبادل وبذل كل الجهود لبناء الخير العام.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com