الأحـد الخامس للرسل ! ** ** ** <> ** ** ** 2018.06.17


تتلى علينا اليوم القراءات : تث1: 33 - 2: 1 ؛ 1كور14: 1-9 ؛ لو12: 16-34

القـراءة : التثنية 1 : 33 – 2 : 1

يعودُ موسى فيَقُّصُ خبر تمَّرد الشعبِ على الله ورفضهم الأنقيادَ لأمره في الحملة على دخول أرض الميعاد بعد تجَّسسِها. إنَّها مأساةُ شعبٍ جاهل، غير مؤمن، مُتعَّلق بالخيراتِ المادية الزمنية، وعطّالٌ بطّال، لا يعرفُ كيف يقضي نهاره ويملأ فراغ حياته في صحراءٍ لا شجر فيها ولا ماء. ولا ينفتحُ أمامه غيرُ أُفقٍ يكسوه ضبابٌ قاتم لا يدعُ خيطًا صافيًا يعضُدُ الوعودَ الذهبية للمستقبل. ولا تزالُ روابطُ حياة المدينة والعمل واللهو تشُّدُهم إلى مصرَ رغمَ كلِّ الشدائد والضيقات ومأساة العبودية والإذلال (عدد11: 4-6 ؛ 14: 2-10). بلغ بالشعبِ اليأسُ و القنوطُ حدَّ الثورةِ ضدَّ كل من يقودهم في المجهول. إتهموا الله نفسَه أنه يريدُ إهلاكهم لا خلاصَهم. لاسيما عندما سمعوا أن أهل فلسطين جبابرة عمالقة وشعبٌ مُتَوَّرس على فنون القتال ولهم أسلحة قوية. وإذ لا يملكون بالمقابل لا سلاحًا ولا خبرة خافوا أن يجابهوا قوَّة تتفَوَّق عليهم من كل النواحي. وفي ضعفهم وعدم إيمانهم بالله تآمروا خِفيةً على موسى فطالبوا بإقالتِه وإقامةِ رئيسٍ بديل عنه يُعيدُهم الى أرض مصر. وحاولوا رجم يشوع بن نون وكالب اللذين أيَّدوا موسى في تسييرِ حملةِ غزوٍ على فلسطين للأستيلاءِ عليها لاسيما والرَّبُ قد وعدَ أن يُنصِرَهم على جميع الأعداء و يُبيدَهم من أمامهم. لكنَّ ثورَتهم ستتلاشى قبل البدء بأيّ إجراء لتنفيذ خططهم عندما عاينوا جبروت الله يُعاقبُ المعارضين الذين أشاعوا برداءة الأرض وحَرَّضوا الشعب عبى التمرد.
يتنَّدم الشعب لكنه لا يتعَلَّمُ الدرسَ. قرروا أن يخرجوا الى القتال للأستيلاء على أرض الميعاد التي" تدُّرُ لَبَـنًا وعسَلا" (عدد13: 27). يُشيرُ إليهم الله بعدم القيام بالحملة. ليسوا هم من يحتلونها بقوَّة ذراعِهم بل هو للهُ الذي يهبَها لهم ويكسرُ أمامهم شوكة أعدائهم. عليهم الإصغاء إليه والتقَّيد بتوجيهاتِه. هو يقودُ الحملة. وكما فعل معهم عند خروجهم من مصر هكذا سيفعلُ أمامهم المعجزات البواهر لآدخالهم فلسطين. عليهم أن يثقوا به ويتَّكلوا عليه ويتوقَّفوا عن الأعتداد بفكرهم وعضلاتهم. أن يُبَّطلوا الحُنُّوَ الى الأكل والشرب واللهو. عليهم أن يروا الأمور بمنظار الله ويتفاعلوا معها حسب حكمته هو وتخطيطه. كَّلُ هذا لم ينفع معهم. لم يسمعوا كلام الله. بادروا الى الهجوم على الشعوب القاطنة في المناطق المتاخمة لحدود فلسطين. إتكلوا على غيرتهم وفي نيَّتِهم أن يُبرهنوا لله أنهم نادمون على تذَّمرهم و يُكَّفرون عن تقاعسهم وخطيئتهم. وكانت النتيجة أنهم فشلوا من جديد وخسروا المعركة، لأنهم رفضوا الخضوع لأمر الله.
وعدَ الشعبُ أن يسمع كلام الله ويتقَّيدُ به عند إبرام العهد معه (خر24: 3 و7). لكنه لم يُنَّفذ وعدَه وخالفَ عهدَه حتى تشَّكى الله منه كثيرًا وبشِدَّة " الى متى يستهينُ بي هؤلاء الشعب؟. و إلى متى لا يؤمنون بي رغم جميع المعجزات التي صنعتُها فيما بينهم؟. سأضربُهم بالوباء و أُبيدُهم وأجعلُكَ أنتَ أُمَّةً أعظم وأقوى منهم.. إلى متى أحتملُ هؤلاء القوم الأشرار الذين يُلقون اللومَ عليَّ؟.." (عدد14: 11-12 و26).
عاقب الله فريقَ التجَّسس على الأرض لأنهم كذبوا عند إدلاءِ تقريرهم فأحبطوا هِمَّة الشعبِ و حَرَّضوه على التمَّرد ليكونوا درسًا لغيرِهم وللمستقبل، بينما مدح الله موقف يشوع بن نون و كالب لأنهما تحَّليا بالأيمان بالله وأحسنا الأنقياد التام له ، فضمن لهما دخول أرض الميعاد و التمَّتع بخيراتِها، بينما حَرَّمها على الشعب، خاصَّة على الراغبين في العودة الى مصر. حتى موسى لم يتمتع بآمتياز يشوع وكالب لأنه قصَّرَ في إظهار مجد الله وشَكَّ في قدرة الله عندما أمَره بتفجيرِ ينبوع ماءٍ من الصخرة (عدد20: 10-12). فالذين رفضوا الله لفظهم هو. أما الذين إتّكلوا عليه وسمعوا كلامه فعَظَّمهم وكافأهم. لكن ضمان مجازاة الله ليست براحةٍ دون تعب ولا بمكسبٍ دون جهاد. يشوع وكالب سيستمرّان يخوضِان حربًا تلو الحرب ويواجهان ظروفًا قاسية وحتى مُخَّيبة أحيانًا ، لكنهما صمدا في إيمانهما والأستجابة لنداء الله. فتابعا الجهاد إلى أن إستتبَ الأمن وآستقَرَّت لهم السيادةُ على الأرض الموعود بها وتنظيم الحياة الأجتماعية في البيئة الجديدة وآطمأَنَّ الشعبُ على حياتِه في قوتِه وسلامه وعبادته. لم يفهم الشعبُ خُطَّةَ الله. ظلوا يُبادرون في تفعيل فكرهم وإرادتهم ولاسيما في آختيارِ راحتِهم قبل الأنصياع إلى إرشاد الله والأنقياد لتوجيهاتِه. كرهوا أحيانًا حتى موسى، مع أنه قادهم في عملية التحرُّر من العبودية وكفل لهم عون الله وحمايته ولم يُخَّيبْ ظنَّهم أبدًا. إنهم يُظهرون موقفًا أقَّل ما يُقال عنه أنه شعبُ مثل الجراد" يقودُ ولا يُقاد ". يرفضون أن يتحَّملوا الضيقَ و المشَّقة من أجل مستقبل أفضل. يرفضون أن يكونوا شعبًا مُختلفًا عن بقية الشعوب إلا في الأمتيازات والتي يرفضونها لغيرهم. يأبون التقَّيد بالعهد ويُطالبون الله أن يزيدَ من إنعاماتِه لهم. يغارون من غيرهم ويرفضون المساواة معهم. يريدون اللبن والعسل على طبق الراحة ويرفضون الكَّد والتعب. أما الله فمُتمَّسكٌ بالشعب، لا كمجموعة بل كإنسان. لا يريدُ أن يخسرَ الأنسان، وهو خالقُه و يُحِّبُه. وعلى الأنسان أن يتعَّلم العيش جماعيًا كما يعيشُ الله الثالوث. أن يُحَّبَ الواحد الآخر. و قبل ذلك أن يُحَّبَ اللهَ كما يُحَّبُه اللهُ وفي هذا الحب يتحد بالآخرين، وألا تُشغِلُهُ عنه الأمور الزمنية. يحاولُ أن يقودَ البشرية في هذا الطريق ويُدَّربُ شعبَه المختار ليكون في ذلك نموذجًا وقدوة فيُنير الدرب لبقية الشعوب. لكن الأنسان لا يستوعب هذا فلا يخرج عن ذاتِه ، بل يتقوقع على نفسِه وعلى أحاسيسِه و يتغَّربُ حتى عن أبيه الله. إنها مأساة الأنسان في كبريائِه، وفي تمَّسكه بالخيرات المادية، وفي عدم الأيمان والثقة بالله. يريد أن يكون هو إلهًا ولا يستطيع، ويَتظاهرُ بالأيمان والطاعة لله إنما حسبَ رأيِه ومزاجِه. لا يعرفُ أن ينقادَ كليًا لله لأنه يريدُ أن يتباهى بنفسِه وبقدراتِه وألا يُهملَ ملَّذاتِه.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com