الأحـد الرابـع للرسل ! ** ** **<>** ** ** 2018.06.10

يلاحظُ القاريءُ الكريم أنَّ نصَّ القراءة التي أتأملُ فيها يختلفُ أحيانًا عن التي تُقرأُ أثناء القداس. التخطيط القديم لقراءات القداس خصَّصَ من العهد القديم قراءتين. أما التخطيط الجديد فأمر بالأكتفاء بقراءةٍ واحدة. ولم يُحَّدِدْ أيَّ القراءتين تُقرأ. الأمرُ قيدَ الدرس مع إعادة النظر لتعيين القراءات حسب نظام جديد ولبقية أيام السنة البسيطة. فالأمر مرهونٌ حاليًا بالمحتفل بالقداس ليختار إِحدَيْهما. ولكي نغتني بالكنز الشامل للكتاب المقدس أحاولُ أنَّ نتأمل في القراءات التي تحمل معرفةً وغنًى لا يُستغنى عنه للتثقيف المسيحي


تتلى علينا اليوم القـراءات : تث1: 16-33 ؛ 1كور9:13-27 ؛ لو6: 12-46

الـتثنية 1 : 16 - 33

خبر تعيين قضاةٍ ورقباء للشعب. لقد ضاق الشعب من ظروف الحياة الجديدة. كثرَت الحاجة و آزدادت معها المطاليب والخلافات وحتى الخصومات. ثقل الحملُ على موسى فنصحه حموه يثرون بأنَّه من الصعب عليه أن يفي حاجة الشعب لوحدِه. وآعترفَ موسى بذلك أمام الشعب :" قلتُ لكم في ذلك الوقت : لا أقدر أن أتَحَّمَلَكم وحدي" (تث 1: 9). فنصحه أيضًا بأن يُشركَ معه بعضَ أبناء الشعب الأكِّفاء والجديرين بالقضاء فيوزّعَ بينهم الخدمات البسيطة والمهمات الأسهل ويحتفظَ بالحالات الصعبة لنفسه. كما أوحى إليه أن يحتفظ لنفسِه بالوساطَة بين الشعب والله " ترفعُ إليه دعاويَهم و تعلن لهم مشيئته " الفرائض والشرائع (خر18: 19-20). وهكذا فعل موسى. وبهذا سيكون رمزًا وصورة للمسيح (تث18: 15-18).

• وأخذ موسى يشرحُ كلام الشريعة !

إنَّ السفرَ الذي نقرأُ فيه يُدعى" تثنية الأشتراع"، لأنه يُثَّني فيُكَّرِر ما حوته الأسفارالسابقة من التوراة عن أخبار خروج شعب الله المختار من مصر وعقدِهِ عهد الأمانة بين الله والشعب، و تكوين الشعب كأمَّةٍ ، لها شعبٌ وإيمانٌ (حضارةٌ) ودستورٌ ومؤسساتٌ تخدمُ مصالح الشعب ، بقي لها فقط أن تستلمَ أرضَها / وطنها لتعيش عليه. وما يمتاز به سفر" التثنية " هو أنه أولًا يُعزى تأليفُه الى موسى مباشرة. وثانيًا فيه تفاصيلُ أدَّقَ تُسَّهلُ إدراكَ أبعادِ التدَّخل الألهي، و دقائق الأمور التي رافقت مسيرة الشعب نحو فلسطين. فـمثلًا أخبر سفرُ الخروج عن تعيين القضاة لكنه لم يأتِ على ذكر التفاصيل المهمة، مثل التثنية، والتي نوَّدُ أن نتوَّقفَ عليها قليلا.

• هاتوني رجالاً عقلاء أُصَّيرُهم رؤساءَ عليكم !

ترَّبى موسى على الثقافة المصرية لكنه لم يجهل شريعةَ حمورابي التي تعَّلمها من الآباء. و شريعة حمورابي نظمَّت الحياة الأجتماعية دينيًا ومدنيًا وسَنَّت قوانين يظهر مفعولها في كتاب التوراة، كقصَّة السيدة التي يحُّقُ لها أن تُعطي جاريَتَها لزوجها فتنجبَ لها منه أولادًا. لقد طبَّقتها سارة لما أعطت هاجر لآبراهيم فأنجبت له إسماعيل (تك16: 2-4)، و كذلك نساءُ يعقوب (تك30: 1-13). كذلك زواج أخٍ من امرأة أخيه المتوفي بدون نسل (تك38: 6-11)، أو زواج أرملةٍ من أنسباءِ زوجها ويُدعى " حَّقُ الولاء" (راعوث3: 6-10). وحتى تحريرُ العبيدِ بعدَ عدد من السنين أوفي مناسبات خاصَّة (خر21: 2-6؛ أح25: 39-41؛ تث15: 12 -18). وفي شريعة حمورابي أيضًا سُلطةٌ قضائية تسهرُ على العدالة في حقوق الموا طنين و واجباتِهم. وها هو موسى يُطَّبقُها لشعبِه لأنها ضرورية لحماية كرامة الناس وراحتهم ، بفَّضِ الخصومات و إحلال السلام والوئام.

• أُحكموا بالعدل !

إختار موسى رجالا يقضون للشعب. وحرصَ أكثر من حمورابي أن يكون القضاءُ حسب شريعةِ الله، مبنيًا على روح الحَّق والعدالة، واضعًا أمام عينيه حَّقَ الآخر إزاء واجبه هو تجاهَه. لقد تلَّقى من اللهِ محَّبة القريب مثل الذات. والمحبة أساس فرائض القداسة العادلة التي طالبَ اللهُ شعبَه بها :" كونوا قديسين لأني أنا الرَّبُ إلهكم قدّوس" (أح11: 44). و القداسةُ ليست صلاةً بل موقفًا حيويًا يُرَّيحُ الناس ويرضي الله. ومن هذا المنطلق أوعز الربُّ اليهم أن يتعاملوا بينهم بالعدل والأحترام والمحبة لاسيما مع الأحوج الى ذلك فقال : " لا تهدروا حَّقَ المسكين في دعواه "(خر23: 3)، ولا " تجوروا في الحكم. لا تسايروا فقيرًا ، ولا تُحابوا عظيمًا، بل أُحكموا للآخرين بالعدل " ( أح19: 15).
ويُشَّددُ موسى على تعليماتِه: أولاً ، سماع دعوى أيِّ كان بدون تمييز بين يهودي أو غريب. يكفي أنه يعيشُ بينهم أو تعاطى مع أحدهم وحصل بينهم خصومة. لا يُفَّرقُ الحَّقُ بين مؤمن أو غير مؤمن، ولا بين مواطن أو دخيل. الحَّقُ هو الحَّق لجميع الناس، والباطل يزهق أينما كان ؛ ثانيًا ، سماع الصغير كالكبير والتعامل معه بنفس المقياس. ليس الأنسان بكبر سِنِّه أو صغره. يكفي أنه موجود ، وأنه يحَّقُ للصغير كلُّ ما يحُّقُ للكبير. إنه كائن صورة الله مساوٍ لأقرانه الآخرين ؛ ثالثًا ، عدم ظلم أحد. لا يحكم القاضي حسب قناعته، ولا حسب مقام الفرد أو منصبه، أو حالته مادّيًا أو صحّيًا. فالمسكين والفقير والعظيم وذو الجاه، والقوي والضعيف والحاكم والمرؤوس كلهم قادرون على الخطأ، ولكلِهم واجباتٌ تجاه الجماعة، ولِكُلِهم الحَّقُ في أن يحترمَهم الآخرون ولا يسيئوا إليهم ولا يتعَّدوا على حقوقِهم الأنسانية التي حباهم بها الله بالتساوي. إذا خان الدهرُ بعضَهم، أو تعالى البعضُ على الشريعة وداسوا على كرامتهم الأنسانية فهذا لا يُخَّولُ القاضي إلى تمييزه، بل يخضعُ للشريعةِ والقانون مثله مثلَ الآخرين ؛ رابعًا ، يستندُ الحكم على العدالة. والعدالة الدينية تقومُ على أساس شريعةِ الله، والعدالة الأجتماعية على أساس القانون الوضعي المدني. والقانون، أيًّا كان، لا يُحابي أحدًا ولا يُفَّضلُ أحدًا على غيره، ولا يستهين بأحد أو يحرُمُه حَّقَه ؛ خامسًا ، عند إستعصاء قضية معَّينة و قصرِ باع القاضي فيها يجبُ العودة الى المُشَّرع لئلا يتصَّرف القاضي من نفسِه عن غير دراية أو عن تفسير الأمر على هواهُ. لأنَّ القاضي يحكم بآسم الله وليس بآسم نفسِه، ويُطَّبقُ شريعة الله و ليس شريعة الناس، حتى ولا شريعة ضميره. حتى ضميرُه يجب أن يرى ويقيسَ الأمور حسب رؤية الله ومشيئته ؛ سادسًا ، وهكذا تتحَّققُ العدالة و" ينصرفُ المتخاصمون إلى بيوتهم بسلام " (خر18: 23). فالعدالة تهدفُ الى تحقيق السلام والوئام بين الناس بزوال الخصومة وليس دومًا بآستعادة الحَّق المهضوم. إذا قُتلَ أحدٌ فلن يُعيدَه الى الحياة حتى ولا مُشَّرعُ القضاء ، حتى ولا إذا قُتِلَ قاتِلُهُ. القتلُ شَرٌّ غدرًا أو قضائيًا. والأنتقامُ شَرٌّ مُضاعَفٌ. لأنه يقضي على حياةٍ جديدة، ويُكَّرسُ العنفَ والحقد إذ يُلَّبي مطلبَ الناقِم. وعوض عودةِ السلام يزدادُ الحقدُ بين الناس. بينما يصبو القضاء إلى قطع دابر الشرَّ في الحقد والأنتقام بإحلال السلام بتراضٍ حول غفرانٍ أو غرامةٍ أو إتفاقٍ لأزالةِ نتائج الشرالأول وعودة المياه الى مجاريها.
هكذا أرادَ الله، وحاول موسى تنفيذَه. وهكذا أيَّد الله من أقامه من بين إخوةِ موسى قائدًا لشعبِه الجديد. فيسوع الذي أكَّدَ بأنَّ نبوءة موسى أشارت إليه (يو5: 46). هو الذي لم يدن زَكَّا مثل الفريسيين بل عرفَ أنه صالحٌ رغم أخطائه فدخل بيته وأكل معه وهداه الى إصلاح سيرته و العيش بسلام (لو18: 7-10). وكذلك أنقذ حياة الزانية ضد راجميها (يو8: 5-11)، ولاسيما رحم لصَّ اليمين التائب (لو23: 39-43). قضى لهم بالعدل حسب المنطق الألهي. فالعدالة ليست بإنزال عقوبةٍ زمنية بالخطأة و أصحاب الخصومات، بل توجيههم نحو الحَّق وإعطائهم فرصة التوبة ليعيشوا للأبد في سلام مع الله (حز18: 23) . فالقضاء أقيم لأجل تحقيق السلام والعيش في الراحة والهدوء وذلك بآتّباع الحق وسلوك المحبة. هذه هي العدالة الحقيقية : أنْ يقُّلَ الشر وتهنـأُ الحــياة.

• حتى أنظرَ فيه !

لا يقومُ القضاءُ على تلبية كلَّ مطلبٍ لكلِّ مُدَّع ٍ، ولا على تصديقِ كلِّ الأدعاءات من الطرفين . عدالة القضاء أنَّه يهتَّمُ بالأصغاء إلى جميع الأطراف المعنية من مُتَّهِمٍ فمُدَّع ٍ، ومُدَّعًى عليه فمُدافع ٍ. اللهُ الذي يعرفُ القلوب وخفايا حتى أفكارالناس لا يحرِمُ أحَدًا حَّقَ الدفاع عن نفسِه. لا يُغَّيرُ الله بذلك موقفَه بل يُعطي الأثيمَ الفرصةَ ليكتشِفَ بنفسِه موطنَ ضُعفِه وأين الخللُ فيه. يسوعُ نفسُه دافعَ عن نفسِه في المحكمة لا ليُّغَّيرَ قرارَهم فيتخَّلصَ من الموت ، ولكن ليشهدَ على عماهم وإصرارِهم في الشَّر. أعطى للقادة اليهود الفرصةَ ليكشفوا ما في أعماقِ نفوسِهم من خبثٍ وشَّر، فدعاهم إلى أن يقضوا بالعدل ولو مرَّة واحدة في حياتِهم. لكنهم لم يفعلوا. و مثله أوحى الله لموسى أن ينظروا في القضايا فـيدرسوها جيِّدًا حتى يأتيَ قرارُهم صائبًا. لأنَّ اللهَ هو الذي يقضي في أشخاصِهم. وموسى نفسُه يفعلُ كذلك عندما تعصى عليهم قضيةٌ وتُرفَعُ إليه : " إذا صعبَ عليكم أمرٌ إرفعوهُ إليَّ حتى أنظرَ فيه". إنَّ موسى هو المُشَّرع، فيعرفُ بُعدَ القوانين وعُمقَ تفسيرها لكي تحَّققَ هدفَها. لأنَّ لكلّ شريعةٍ أو قانون هدفًا يبتغيه المُشَّرع. ليس المُهَّمُ " حرفُ القانون "، بل روحه الذي يبحثُ عن إنقاذ الحياة للناس وضمان السلام، وليس العقوبة. ولهذا ضَمنَ القانونُ وثَبَّتَت الشريعةُ أنه لا يقوم قرارٌ إلا إذا إستندَ إلى إفادةِ طرفي الخصومة. وكم مرَّة ومرة أرادَ اليهودُ القبضَ على يسوع بهدف القضاءِ عليه. دانوه وآتهَّموه دون أن يسمعوا منه. حتى آضطُّرُ نيقوديمس مرَّة أن يعترضَ فقال: " أ تحكمُ شريعتنا على أحدٍ قبلَ أن تسمعَه وتعرفَ ما فعل "؟ (يو7: 51). ولمَّا كان هدفُ القضاءِ إجلاءَ الحَّق وتحقيقَ السلام لا تعاقبُ المخالفين بل تدعوهم الى التوبة وإصلاح الحال.
ظهرَ ذلكَ جلّيًا في السنين الأخيرة في سلوك الكنيسة التي أدانت" البيدوفيليا " في مؤسساتها وفي العالم كلِّه، إلا إنها لم تعاقبْ حسب رغبة الصحافة بل حاولت إصلاح الحال بإلأعتراف أولاً بما حصل، وبتطبيق شريعة المسيح في العفوِ والغفران، وأيضا بإزالة كلِّ نتيجة سلبية قدرالأمكان. ورفضت أن ترضخ لمطاليب أهل العالم بالأقتصاص من المذنبين مدنيًا وزمنيا، رغم ما طلبته منهم بالرضوخ للعدالة المدنية طوعيًا. الخطأُ لا يمحو كرامة الأنسان الطبيعية بل يُقَّللُ من قدرِه. وبالعدالةِ و العقابِ يستعيدُ قدرَه ويغسلُ طبيعته التي تشَّوهت لفترة ما دون أن يتغَّيرَ جوهرُها الطبيعي. فالقضاءُ لا يُدَّمر بل يُحاولُ أنْ يُعَّمرَ ما دمَّره الشر. و القاضي" ينظرُ" في كيفَ يُعيدُ المياهَ إلى مجاريها الطبيعية، وحتى يقوى على ذلك يفحصُ الأمر أولا بالتدقيق في أبعاد الشَّر الحاصل، ثم يستعملُ رحمة الله قبل حِقدِ البشر، ويُنَّفذُ إرادتَه تعالى قبلَ رأي الناس.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com