الأحـد الثاني للرسـل ! ** ** **<>** ** ** 2018.05.27


تتلى علينا اليوم القراءات : أع4: 5-22 ؛ 1كور5: 6-8 ؛ لو7: 36-50

القـراءة : أعمال 4 : 5 – 22

كان الرسل يواصلون الترَّدُدَ الى الهيكل ويشتركون في العبادة والتثقيف مثلما إعتادوا عليه في زمن يسوع. لم يكن قد بدأ بعدُ إضطهاد الرؤساءِ لهم، ولا كان قد تمَّ الفصلُ الرسمي بين الجماعتين. بعد خطاب بطرس الأول وآهتداء مجموعة من اليهود ركَّز الرسل على تثقيفهم وعيش الحياة معهم حسب نموذج يسوع وذلك بتنظيم لقاءات خاصّة بهم ورفد اللقاء بكسر الخبز، إقامة" القداس"، والصلاة ولاسيما تَقاسُم الخيرات كما تقتضيه المحبة، بالأضافة الى متابعة الترَّدُد الى الهيكل والأشتراك في الطقوس الدينية، والتقَّيد التقليدي بالشريعة. وحتى آضطُّرَ بولس مرَّة أن يسلك بموجب شريعة موسى للتخفيفِ من ضغط المُتعَّصبين (أع21: 26)، ويقُّرُ بها بنفسِه قائلاً : " .. وصرتُ لأهل الشريعةِ من أهلِ الشريعة ـ وإن كنتُ لا أخضعُ للشريعةِ ـ لأربحَ أهلَ الشريعة " (1كور9: 20).
وفي أحد الأيام إعترضَ كسيحٌ طريق بطرس ويوحنا الى العبادة في الهيكل يتسَّولُ رزقَه. لم يكونا يملكان مالا يُسعفانِه به. وألهمَ الروحُ بطرسَ أن يشفيَه فشفاهُ بآسم يسوع. وآنتشَرَ الخبرُ كالبرق. فتدافعَ الناسُ وتألبوا حولهم في حماسٍ وحيرةٍ. إستغَّلَ بطرس الفرصة ليشرح كيف جرت المعجزة بقدرة الهية وبآسم يسوع. ثم شهدَ لهم عن حياة يسوع وتعليمه وأنه هو الله مُنقذُ الأنسانية من أمراضها الجسدية والروحية. لم يرُقْ هذا المشهد للقائمين على إدارةِ الهيكل ولا للقادة الروحيين الذين لم يُصَّدقوا أنهم تخَّلصوا من يسوع الناصري فكيفَ يقبلون أن يتحَّملوا فيبتلوا بتلاميذه، وأن يتهموهم علنًا بصلب يسوع مما يعني أنهم لا يعرفون الله ولا الشريعة و بالتالي أنهم دجّالون يخدعون الشعب. لم يتحملوا الوضع بل ألقوا القبض عليهم وقادوهم للتحقيق، والكسيحُ المُعافَى مُلتصِقٌ بهم لا يفارقُهم. وكان التحقيق حول " بأيِّ سلطةٍ أو بأيِّ اسمٍ عملتما هذا "؟.

• لا خلاصَ إلا بيسوع !

تجاهل القادة ما سمعوه من الشعب بأن الرسل أعلنوا شفاء الكسيح بقدرة إلهية، بآسم المسيح. وتظاهروا بأنهم يبتغون العدالة بالتحقيق لمعرفة أصل الخبر. لم يهتم بطرس بدجلهم. لكنه ردَّ ببساطة مُعلنًا الحقيقة :" إعلموا جميعًا، وليعلم شعبُ إسرائيل كلُّهُ، أنَّ هذا الرجل يقفُ هنا أمامكم صحيحًا مُعافًى بآسم يسوع المسيح الناصري، الذي صلبتموه أنتم وأقامُه الله من بين الأموات. هذا هو الحجرُ الذي رذلتموه، أيُّها البَّناؤون، فصار رأسَ الزاوية. لا خلاص إلا بيسوع". ردٌّ قصير مليءٌ بالحقائق. وكأنه يقول : أردتم أن تتخَلَّصوا من يسوع فصلبتموه ، لكنه تغَّلبَ هو عليكم إذ رضيَ الله به وليس بكم فأقامه. إنَّه حَيُّ يعمل. إنَّ بناءَ مملكة الله يقوم عليه وصار حجرَ الزاوية، حجر الأساس، لذلك البناء. وشفاء هذا الكسيح دليلٌ على ذلك. لقد
سَلَّمَ أمرَ متابعة إقامة البناء إلى من آمنوا به، لا إلى من نكروه. ونحن شهودٌ على هذا. يسوع لم ينتهِ. نحن نعمل بآسمه. يسوع هو الذي يتابع البناء على يد رسله، لأنهم آمنوا به. أنتم لم تؤمنوا به. ويُضيف تأكيدًا لقولِه :" يجب أن تعلموا أنَّه ما من إسمٍ آخر تحت السماء وهَبَه اللهُ للناس، نقدرُ به أن نخلُص". حَيَّرهم كلام بطرس وأدهشَهم. يعرفون أنَّ بطرسَ ورفاقَه" أميون من عامّةِ الناس"، أي ثقافتهم الدينية تحت خط الصفر. بينما أجوبتهم تُوقفُ عقل الرؤساء والشيوخ والمعَّلمين. لم يقووا على غير الأعتراف بأنَّ ذلك يعودُ إلى جهدِ معَّلمهم يسوع. إستطاع يسوع أن يُثَّقفَ بثلاث سنوات ويُخرجَ " معلمين فطاحل"، ما لم يقدروا على إنجاز ربع مُستواهُ ولهم عقودٌ يترَّبعون على كرسي التدريس والتفسير. يدَّعون أنَّ اللهَ مُلكُهم وأبوهم ولم يُجروا معجزةً بأسمه وقوته طوال حياتهم. ويسوع الذي قتلوهُ صار يجري المعجزات حتى بعدَ موتِه!. لا يقدرون أن ينكروا ذلك والكسيحُ المُعافَى واقفٌ أمامهم. لم يجدوا بيدهم حجَّةً حتى ولا" أن يُجادلوهم فيه". وشُّلَّت إرادتُهم في الحكم عليهم. ولا يبدو الرسلُ مُستعّدين لتغيير إفادتِهم. ما العمل؟. إنفردَ القادة اليهود لوحدهم لآتخاذ موقف مهما كان. واقع المعجزة لا يمكنُ إنكارُه. و عن المعجزة عرف" كلُّ سُّكان أورشليم" أنها جرت على أيدي الرسل، فلا ينفعُ تكذيبُ الخبر بأي شكل كان. ولكنَّ تركَ الحبل على الجرار للرسل أيضا لا يُصَّرفُهم، وإلا باتَ مصيرُهم هم في الميزان. لم يجدوا حُكمًا يُحافظ على ماء الوجه غير ما قالوه :" لِننذُرْهما بألا يعودا إلى ذكر اسم يسوع أمام أحد".

• أَ نُطيعُكم ، أَمْ نُطيعُ الله ؟

أمَّا الرسلُ فلا يُخيفُهم بعدَ الآن شيءٌ، لا وعيدٌ ولا تهديد، حتى ولا التعذيب. لقد إعتمدوا بالروح القدس فحَرَّقتهم نارُه وسكبت فيهم ألسنتُه مُعجَمَ الحكمة والمعرفة. فلم يحتاجوا الى تفكير، ولا ترَّددوا لحظة في الجواب، :" أمَّا نحنُ فلا يمكننا إلاّ أن نتحَدَّثَ بما رأينا وسمِعـنا ". لقد سمعوا من يسوع ألا يكذبوا بل أن يقولوا الحَّق كما هو: " نعم تبقى نعم. و لا تبقى لا ". ولا زالوا يسمعونه يقولُ لهم " لا تخافوا ممن يقتل الجسد "، و وصيتَه الأخيرة لهم أيضًا " أنتم شهودٌ لي". ورأوا يسوع يسيرُ في هذا الطريق شاهدًا للآب بإعلان الحَّق، رافضًا كلَّ شر، وقابلاً الموتَ نفسَه بسبب ذلك. لم يعرفوا ولا رأوا غيره بهذه الميزة والفضيلة ولا أيضًا أحَّبهم غيرُه مثله. لقد تعَّلموا الدرسَ جَيّدًا و تتطَّبعوا بأخلاقِه التي لم يتطاولها خُلُقٌ عند غيره. عرفوه هو إلَهًا ، أمَّا حُكامُهم فليسوا سوى بشر، وبشر أخطأوا علنًا وأجرموا بحَّقِ بريءٍ صلبوه. فلن يفصلَهم بعدُ شيء "عن محبة الله في المسيح : لا الموتُ ولا الحياة .. لا الحاضرُ ولا المستقبل، ولا قوى الأرض ولا قوى السماء، ولا شيءٌ في الخليقةِ كلِّها " (رم8: 38-39).
هذا هو البناء الذي وضع يسوع أساسه وجعلَ من نفسِه حجر زاويتِه الذي" به يتماسكُ البناءُ كلُّه وينمو ليكون هيكلاً مُقَّدَسًا في الرب "(أف2: 21). و سيسنده مدى الأجيال وحتى نهاية الدهر. يبقى يسوع يعمل في البناء من خلال طوابيقه ويَضُّخُ الحياةَ والطاقة إلى كلِّ طابوقةٍ فيه. وكلُّ طابوقةٍ تسند الأخرى فتقاومُ أعاتي الدهر. وهذا البناء هو مملكة الله على الأرض. يعيشُ فيها الناسُ في المحَّبة والإخاء، للخدمةِ والعطاء متمَّـثلين بنموذجهم يسوع المسيح. إنها الكنيسة التي تشهد للحق في العالم ، ولن تقوى عليها أبواب الجحيم مهما غدر الزمن أوطغى عملاؤُه. لا خلاص للعالم بغير المسيح ، ولا بغير سلاحه. ولن يعرفَ الناسُ حقيقة المسيح ، و لا راحة البال من دون الكنيسة أو خارجًا عنها. لأنَّ الكنيسة هي المسيح المُجَّسَد في جسم واحد، يسوعُ الرأس والمؤمنون به الأعضاء (أف1: 22؛ 1كور12: 27).


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com