الأحــد الأول للرسـل ! ** ** **<>** ** ** عــيد العنصـرة 2018.05.20


تتلى علينا القـراءات : أع2: 1-21؛ 1كور12: 1-11؛ يو14: 15-16، 25-29، 16: 13

القـراءة : أعمال 2 : 1 – 21

قصَّتْ علينا القراءة خبر حلول الروح القدس على الكنيسة الأولى، الرسل والتلاميذ وكلِّ المؤمنين رجالاً ونساءًا الذين عاينوا صَلبَ يسوع وموتَه ودفنَه وقيامتَه وصعودَه الى السماء. هؤلاء الذين كلفهم يسوع بالشهادة له والذين مارسوا أول عمل كنسي جماعي في إنتخاب بديل يهوذا. على جميعهم حلَّ أولا بشكل عام ثم آنقسم الى ألسنة من نار وآستقَرَّعلى كلِّ فردٍ منهم. ثم يحُّسُ سكان أورشليم بالحدث ويهرعون الى المكان ليُعاينوا ويفهموا ماذا يحدث. وُجدَ بينهم يهودٌ أتوا للعيد من بلدان مختلفة وعاينوا صَلبَ يسوع. وآستغربوا أنهم يفهمون حديثَ الرسل مع أنهم لا يعرفون لغةَ فلسطين ولا يفهمونها. نتوقَّفُ عند هذه النقطة وعند غربتهم عن فلسطين.

• جاؤوا من كلِّ أُمَّـةٍ تحت السماء !

شدَّدَ لوقا على هذا العامل. فالذين سمعوا دوّيًّا كريح ٍ عاصفةٍ هرعوا الى مكان الحدث لم يكونوا فقط من سكان أورشليم بل خليطًا من أهل البلد وضيوفٍ قادمين من سبع عشرة بلدًا حيث تواجدت جالياتٌ يهودية من ضمنهم بلاد الرافدين / العراق حيث كانت تسكن وتعمل أكبر جالية يهودية خارج الوطن منذ سبي بابل سنة 597ق.م. وأشار لوقا بهذا الى أن الحدث شمل العالم كله فآنتشر صداه فيه. وأيضا أنَّ الروح القدس حلَّ في كلِ العالم لخلاصِه على يد تلاميذ المسيح الذي أعلنه " الله رَبًّا ومسيحًا " (أع2: 36). وبدأت تتحَّقَقُ منذ ذلك اليوم كلمةُ الرب يسوع :" وتكونون لي شهودًا في أورشليم واليهودية والسامرة وحتى أقاصي الأرض" (أع1: 8).
لم يستوعبها الرسل كليًا في ذلك اليوم. حسبوا أنَّ الشهادة والخلاص هي في كل العالم ولكن فقط " للأبناء الضالين من شعب إسرائيل" (متى15: 24). وعليه ستتركز البشارة في أيامها الأولى وتقتصر على اليهود. ويقولها بولس بصريح العبارة :" كان يجب أن نُبَّشرَكم أنتم أولا بكلمة الله، ولكنكم رفضتموها .." (أع13: 46). وقد إعترضَ المؤمنون الأوائل على بطرس لآتصاله بالضابط الوثني كورنيليوس وتبشيره وتعميذه : " خاصمه أهل الختان وقالوا له : دخلتَ الى قوم غير مختونين وأكلت معهم". ولما عرفوا حقيقة الأمر قالوا :" أنعمَ اللهُ إذًا على غير اليهود أيضا بالتوبة سبيلاً الى الحياة " (أع11: 2 و18).
كانت آذان التلاميذ الأوائل ما تزالُ تسمع يرُّنُ فيها صوت الرب، عندما أرسلهم يُبشرون :" لا تقصدوا أرضًا وثنية ولا تدخلوا مدينة سامرية " (متى10: 5). ولم تكن قد إختمرت بعد في أذهانهم كلمة الرب التالية :" لي خرافٌ أخرى ليست من هذه الحظيرة، ويجب عليَّ أن أقودَها هي أيضًا.. " (يو10: 16). اليوم أعلن الرَبُّ بعلامة فائقة وصريحة. كان المشاهدون والسامعون :" من كلِّ أُمَّـةٍ تحت السماء". وأبناءُ بلدان العالم إفتهموا لغة الرسل اليهودية وقبلوا كلامهم " فآنضَمَّ في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفسٍ. وكانوا يداومون على الأستماع الى تعليم الرسل وعلى الحياة المشتركة وكسرالخبز" (أع2: 41-42). ومن الطبيعي أن يكون بينهم كثيرون من القادمين من خارج البلد.

• سمِعَهم كلُّ واحدٍ بلُغةِ بلَـدِه !

سبقَ هذه الآية آية أخرى تقول :" وأخذ التلاميذ، كلهم، يتكلمون بلغاتٍ غير لغتهم، على قدر ما منحهم الروح القدس أن ينطقوا ". الروح الألهي الذي لملمَ شتاتَ اليهود والناس في العالم، بدأ عمله في شهود يسوع فأعطاهم أن يتحَدَّثوا لغاتٍ لم يتعلموها ولا مارسوها سابقًا مطلقًا. و هذا يُعلمنا أن الشاهدَ على يسوع قادرٌ بقوة الله ويجب أن يتسَلَّحَ هو بكل مستلزمات البشارة. وأولُّها أن يكون قادرًا على أن يُفهمَ المقابل، بلغته وعقليته وحضارته، بشارة المسيح. وإن كان لا يملك بنفسه وقوته الذاتية تلك الوسيلة فالرَبُّ حاضرٌ ليزَّودَه بتلك الطاقة اللأزمة. يكفي أن ينفتح للروح القدس ويستعين به ويتفاعل مع إرشادِه ولا يتمَرَّد على توجيهاتِه." لا تحزنوا الروح "، سيقول الرسول. واللغة أولى تلك الوسائل. ليس لله لغةٌّ مُحَدَّدة خاصَّة. لغته هو هي الحب والعناية الأبوية. البشر يختلفون في لغاتهم بسبب ظروف الحياة الأجتماعية وتقَّلبات الزمن. وليست لغة أحدهم أفضل من غيرها. تبقى اللغة وسيلةً للتواصل والتفاهم لا أكثر. و ما حدث في العنصرة أقوى مثال على ذلك. أفضل اللغات هي المحبة والأهتمام بالآخرين و خدمتهم.
وما تزالُ الكنيسة الى يومنا تمارسُ رسالتها بدعوةٍ وتخويلٍ من الله، وبواسطة مسؤولين { رسل} يختارهم الله فيدعوهم، وتكشفُ الكنيسة دعوتهم وتقيمهم حُكامًا على نفسِها، من قمَّة السلطة المتمَّثلة بالبابا، الرئيس الأعلى للكنيسة، والبطاركة الرؤساء المحليين وإلى الأساقفة والكهنة. وكلُّ ما تغَّير هو أنَّ إنتشار الكنيسة في أقطار العالم وتكاثرَ عدد المؤمنين حتى فاقَ البليون مؤمنًا لا يسمح لأنَّ تجتمع الكنيسة كلها لأجراء عملية إقتراعٍ مماثلة. فالروح القدس الذي قادَ العملية الأولى ما زال يقود الكنيسة عبر الأجيال والأمصار ويرشِدُها الى الحَّقِ كلِّه فتستغِلَّ الأمكانيات المتوفرَّة لتؤديَ رسالتها.
والروح الذي أعطى الكنيسة هذا الدرس وهذا العون لم ينسَ المقابل الذين تتوجه اليهم البشارة. لقد هيَّاَ نفوسَهم لقبول كلمة الله. أعطاهم أن يفهموا لغةً لم يتعاملوا معها قط. واللغة هنا تشيرُ الى أكثر من النطق بكلام وثقافةٍ خاصة. إنها تشيرُ الى التعليم الجديد الذي لم يسمعوا به من قَبلُ. كما كان تعليم يسوع مُدهِشًا ومُريحًا للسامعين يتلقونه كممن له سُلطان (متى7: 29)، هكذا بدت لغة الرسل وتعليمهم تدخل الأعماق وتُثيرُ السامعين :" فوخزَتهم قلوبُهم وقالوا لبطرس وسائر الرسل : وماذا يجب علينا أن نعملَ أيُّها الأخوة "؟ (أع2: 37). إنها لغة الروح القدس التي لا تتجه إلى الآذان بل الى الفكر والقلب. إنها لغة النور والنار. لم يكن التكلمُ باللغات سلاح التبشير الدائمي و وسيلته الرئيسية. وإن إستمَرَّ وجود هذه الظاهرة إلا إنها ستختفي مع الزمن عندما تنفى الحاجة اليها. لأنها كانت علامة فقط و وسيلة للتأثير على السامعين، ولتشكيل الرعيل الأول من مواطني السماء. لذا يقول مار بولس عن التكلم بلغات غريبة :" أحمد اللهَ على أني أتكَّلم بلغاتٍ أكثر من كلكم"، ولكن مع ذلك تبقى تلك الآيةً " لغير المؤمنين" لكسبهم وليست جزءًا من الأيمان (1كور14: 18 و22).

• ما معنى هـذا ؟

هكذا تساءَلَ ضيوفُ البلدان البعيدة لمعاينتهم ما يجري. لم يفهموا ما أوحاه الروح القدس الى كاتب السفر وألهمه إيَّاه لكتابتِه. ونحن نعلم أنَّ وحي الكتاب واحد ومتكامل من البدء وحتى النهاية. ويقول مار بولس بأن الوحي السابق" كُتب لتعليمنا " (رم15: 4). كما قال للعبرانيين بأنَّ ما حدث في الماضي" يخدم صورة وظلاً "(عب8: 5) للحقيقة الواحدة التي إكتملت في يسوع المسيح فالكنيسة.
ونقرأ في سفر التكوين خبر برج بابل، " تعالوا نبنِ لنا مدينَةً وبُرجًا رأسُه في السماء. ونقيمُ لنا إسمًا فلا نتشَتَّتُ على وجه الأرض كلها" (تك11: 4)، تحَّسًبًا لطوفانٍ جديد. والعملية هنا معكوسة. عوضًا عن أن تجتمعَ شعوبٌ معًا على تعليم شَّدَ روحَهم إلى الله، نجد شعبًا واحدًا، له" لغةٌ واحدة وكلام واحد" يفهمه كلهم وينطقون به للتواصل الأجتماعي بينهم ، هذا الشعب يبتعدُ عن الله بل يُحاولُ أن يتحَّداه. نجدُ فيه روحَ عصيانٍ وتمَّرُد، روحَ كبرياءٍ وأنانية يؤَّدي إلى بلبلة عشواءَ في الأفكار والمشاعر، وينتهي بآنقسامٍ خطير.
رغم لغتهم الواحدة " لم يفهم بعضُهم لغة بعض". لا أتصَوَّر أن مفردات اللغة هي التي تغَيَّرَت بين عشِيَّةٍ وضُحاها. ما تغَّيرهو، كما يبدو، أنهم لم يتَّفقوا في الآراء والمنافع. وربما حتى في المناصب في المشروع الذي قرروه ولكنهم لم يُحَّدِدوا طريقة إنجازِه. لم يقووا على الحوار المُقنع، إذ لم يكتسبْ بعضُهم ثقة البعض. ويعزو الكاتبُ الحدثَ الى تدخلٍ إلهي، كما سيحدثُ لفرعون الذي قال عنه الرب لموسى :" أنا أُقسّي قلبَه فلا يُطلقُ شعبَ إسرائيل من البلاد" (خر4: 22)، ثم قال بعده عندما إستاء الشعبُ وتشَّكى موسى إلى الله :" الآن ترى ما أفعل بفرعون. فهو بيدي القديرة سيُطلقُهم.." (خر6: 1). هنا أيضًا يقول الله " لنَنزِلْ ونُبلبلْ هناكَ لُغتهم ..". ويُتابع النص فيقول:" فشَتَّتَهُم الربُّ من هناك على وجه الأرض كلها، فكفوا عن بناء المدينة " (تك 11: 8).
في بابل غابَ الله عن حياة الناس وغابت معه المحبة والإخاء وكلُّ القيم الروحية المتوارثة من الله. ونَحَوا مَنْحًى خطيرًا فآتجَّهوا نحو معاداة الله ومحاربتِه. و كي لا ينجح هذا الشَّر في تدمير الأنسانية أضعف الله قوَّة الحوار والتفاهم بينهم فآنقلبوا على بعضهم، بحيثُ لم يعودوا قادرين على توحيد صفّهم ضِدَّ الله. خسروا المعركة. وربحَ الله الأنسان. وبعدَ آلافِ السنين و بعدَ أن تكوَّنت شعوبٌ وأممٌ ودولٌ وآمبراطوريات وزادَ الجهلُ بالله وتغَّلبَت الوثنية، آنَ الأوان ليفيَ الله بوعدِه فيُحَّررَ الأنسان من ظلمة الخطيئة التي قادته في مسالك الشهوةِ و العنف و الكبرياء والأنانية المؤلمة. ها قد إنتهى زمن الخطيئة وأشرقَ نور البر. ولمَّا دفعَ المسيح ثمن الخطيئة وكَفَّرَ عن ذنوب الناس وآنتصرَ على سَيِّدِ الشر، أرسلَ روحَه الألهي ليجمعَ شتات الأنسانية ويزرع الحُبَّ والإخاء بينهم فعَلَّمهم لغة الحوار والتفاهم ، لغة الحَّق والمحَّبة. وإذ كان الناسُ لا يفهمون لغة بعضهم أحَّلَ الله بينهم لغته، لأنها لغة أبٍ وفادٍ ومُحي ٍ. لم يكن تفاهمهم وآلتئامُهم حول بناء " مدينةٍ و برج يتحَّدَوا به الله"، بل كان تفاهمًا يبني الحياة على أساسٍ جديد يقومُ على الحبِ والإخاءِ والغفرانِ والتواضع والتعاون، نابذًا الأنانية والحقدَ و العنفَ وكلَّ شكلٍ للمظاهر والعِداء. البشريةُ جمعاءَ مدعُوَّةٌ أن تعودَ فتعيشَ بروح عائلةٍ واحدة تجمعها في السَّراءِ والضَّراء المحبةُ والخدمة. ما كان ممكنًا أن ينجح مشروع البابليين، إذ لم يكن عمليًا ممكِنا أن تحصُرَ البشرية، آنذاك و في المستقبل، ضمن حدود مدينةٍ مهما كبرت، ولا كان ممكنًا أن يقيَهم البُرجُ كوارث الطبيعة من زلزالٍ وبركانٍ وإعصار. كان لابُدَّ أن تتكاثر المدن وتتشكل شعوبٌ وأممٌ لتعيش البشرية بسلام، وتتعَّلمَ النظام والأحترام، ولا تفني بعضَها. لم تعرف البشرية دومًا أن تعيش بسلام و وئام بسبب مبادِئها في الحياة والأخلاق. وكان يومُ العنصرة موعدَ الله ليجمع البشرية كلَّها بقوةِ روحِه القُدّوس، في بيتِه الأبوي عائلة واحدة، فيُعَّلمَها كيف تحيا بإخاءٍ وسلام، سالكةً الدربَ الذي خطَّه لها يسوع المسيح.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com