الأحـد الخامس للصوم ! * * * * * <> * * * * * 2018.03.11


تتلى علينا اليوم القـراءات : يش9: 15-27 ؛ رم12: 1-21 ؛ يو7: 37-53

القـراءة : ايشوع 9 : 15 – 27

بعد الهزيمة أمام مدينة عاي طَهَّرَ ايشوع الشعبَ من الخطيئة وأزالَ الأثم برجم السارق و إحراقِ ما كان قدغَنَمَه. بعده باغت المدينة من جديد بحيلةٍ وهجومٍ كاسحٍ وأبادَها عن بكرةِ أبيها. أباد سكانها وأحرقَ ممتلكاتِها. فخافته بقية شعوب الضفةِ الغربيةِ لنهر الأردن فعقدت تحالفًا ضد بني إسرائيل، حمايةً لنفسِها، لكنها لم تفلح ولم تقـوَ على صَّدِ تقدمهم، لأنَّ الربَّ الأله عاد الى حماية بني إسرائيل لأنهم تابوا عن شرورهم وآلتزموا الأمانة لعهدِهم مع الله بالتقَّيُدِ بكلامه وآستجابةِ مطاليبِه، مُنفَّذين بذلك توجيهاتِ موسى وتعليماتِه في الوفاءِ للعهد.

• حـيلة أهل جَبْعـون !

ورغم هذا التلاحم الصميمي مع الله إلا إنَّ الشعبَ ظلَّ بشرًا قاصر الفكر وسريع الألتجاءِ الى الأعتداد بنفسِهِ وقُـوَّتِه، والتصَّرُف نتيجة لذلك دون الرجوع دومًا الى الله وآستشارتِه. وكما إستعملَ ايشوع الحيلةَ، بالأضافةِ الى استشارة الله، للأنتصار على أعدائِه هكذا فعل أيضا أعداؤُه، المرعوبون من زحفِه وبطشِه، فآستعملوا الحيلةَ للحفاظ على حياتِهم والنجاةِ من إبادةٍ محتومة. إنهم أهلُ مدينة جبعون. أرهبَهم زوال الشعوبِ المجاورة لهم فعقدوا المشورة بينهم لأيجاد طريقةٍ تضمن بقاءَهم في الحياة. رأوا سبيلا واحدًا للنجاة وهو: ألا يقاوموا جيش ايشوع ، وأن يتطوعوا عبيدًا له ولآلَهِهِ ، مُدَّعين أنهم آمنوا بجبروتِ إلَـهِهِ ويخضعون لسُلطانِه. فقَرَّروا أن يسبقوا ايشوع في الأهتمام بهم ويُـبيَّنوا أنهم مُهتَّمون به، فأرسلوا إليه وفدًا تظاهر بأنه قادمٌ من بلدٍ بعيد، وقد أنهكهم السَفَرُ وأشقاهم البُعدُ، لكنهم تحَّملوا مشّاق الطريق وما كَلَّفهم من تعب وعناءٍ وخطورة من أجل الإعترافِ بسيادة شعبِ الله على بقية الشعوب وطلب الأمانةِ مع الأستعداد لتنفيذ أي مطلبٍ يفرضونه عليهم.
هنا مربط الفرس. هنا إنخدعَ ايشوع ورؤساءُ شعبِه. بدأوا أولا بالأكل من زاد الجبعونيين وهذا عِرفٌ يدُّلُ على الصداقةِ والسلم. أكلُ نفسِ الزاد بين شخصين أو مجموعتين هو" زاد وملح " علامة سلام ومعاهدة (تك31: 46-54). وهذا دفعهم الى عدم إستشارة الله من جهة ، ومن أخرى الى مخالفةِ توصياتِ موسى في طريقة معاملة الأعداء البعيدين من دائرة سكناهم (تث20: 10-18). وقد إعترضَ الشعبُ فعلا على قرار ايشوع والرؤساء بقطع عهد الأمان للجبعونيين. مع أنهم لم يعرفوا بقرب موطنهم إلا بعد عقد العهد. لقد إنطلت الحيلة على ايشوع والرؤساء. لكن هؤلاء إعتبروا تناول الزاد معًا يُبَّررُ موقفهم السلمي وأنَّ اللهَ راضٍ عنهم لأنه طالبهم أن يعرضوا على أعدائهم أولا السلم، وإن لم يجنحوا إليه فعندئذٍ فقط يُبيدونهم. ويبدو من سياقِ الأحداث أنَّ الجبعونيين سبقوا فبادروا الى سبيل السلم ، وأنهم قبلوا مسَّبقًا بكل شروطِ قادة شعب الله. لا بل أقَّروا بأنفسهم أنهم يكونون خَدَمًا لهم، " نحن هنا في خدمتكَ.. نحن عبيدُكَ" (آية 9 ). وكان القادة قد حلفوا لهم بآسم الله أن يرحموهم ويقبلوا توَّسلَهم فيحفظوا حياتهم. إعتبروا موقفهم أنهم يضعون أنفسهم تحت نير شريعة الله. فمن كان عبدًا ليشوع يكون عبدًا لله. ومن لا يُعاديهم لا يرفضُ شريعة الله. وآعتبروا أنهم لهذا لا فقط حاموا شعبَهم من عدوى الوثنية بل عملوا ما أفضل، فقد كسبوا الجبعونيين للأيمان بإِلَـهِهم. فآعتقدوا أنَّ اللهَ لن يدينهم على فعلتهم بل يعتبرُ لهم سلامة نيتهم. خاصَّةً وأنَّ الجبعونيين لن يبقوا على قدم المساواة مع شعب الله. فإذا أصبحوأ عبيدَهم يتحَّكمون هم بهم.

• تذَمَّرَ الشعبُ على الرؤساء !

كان الأعتراضُ الأول للشعب على أنَّ ايشوع خالفَ أوامر موسى ولم يتقَّيدَ بمشيئة الله. أمَّا الآن فيتذَّمرون بعدَ أن إنجلت خدعة الجبعونيين. أستطاع ايشوع أن يُسَّكتَ الشعب المُطالب بإفناء الجبعونيين بأنَّ ذلك لا يرضي الرب. لقد طلب الله من شعبِه أن يحترمَ نفسَه فيوفي بنذورِه وأقسامه (عد30: 3؛ تث23: 24؛ متى5: 33). ربما نسي الشعب ذلك. والأصَّح أنَّ الشعبَ لا يزال يتبع غريزة العنف لاسيما للأنتقام عندما يشعرُ أنه مُهانٌ أومظلوم، وخاصَّةً عندما يلاحظ في مقابله خطأً ما فيريد أن يدينه ليُظهر قداسته الشخصية. لا يبدوالشعبُ مرنًا لينفتح بعمق على الله فيفهم دِقَّةَ إرادتِه. أمَّا ايشوع والقادة فيبدون أكثرَ تفَّهُمًا لمشيئة الله. لقد وصَّى الله " لا تقتل". وقد دعا شعبَه مِرارًا الى الجنوح الى السلام. لقد وَّصى بعدم النكث بالوعد والعهد. وايشوع يُبدي فِعلا أنَّه رجلُ الله.
سيُبَّررُ الكتاب بعد مئات السنين موقف ايشوع. حاول الملك شاول (1030. 1000ق.م)، بعد حوالي مائتي سنة، أن يُبيدَ كلَّ الجبعونيين (2صم21: 3-14). لم يرضَ الله عن ذلك و لم يهدأ غضبُه على شاول ونسلِه إلا بعدَ أن دفعوا ثمن تلك الجريمة. اما ايشوع فسبقَ وبَرَّرَ موقفَه قائلا: " علينا أن نُبقيَ على حياتِهم، فلا يكون علينا غضبٌ من الرَّب لليمين التي حلفناها لهم "(آية20). إحترم ايشوع حلفَه بآسم الله وتقَّيدَ به إكرامًا للآسم القدّوس. لكنه لم يُساوِهم بشعبِه. بل حكم عليهم بعبوديةٍ مُؤَّبَدة وأمرَهم بخدمة بيت الله، حيثُ يقامُ بمشيئته تعالى، وتزويد الشعب والهيكل بالحطب والماء بآستمرار. وقد جاءَ ذكرُ هؤلاء "العبيد "، ومنهم خُدّام الهيكل، عند العودةِ من سبي بابل سنة 538ق.م وعددهم " سبعة آلاف وثلاث مئة وسبعةٌ وثلاثون، ولهم مئتان من المغَّنين والمغنيات " (عزرا 2: 43-65).

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com