عيـد الختانة ، رأس السنة ! ****************** 2019.01.01

تتلى علينا اليوم القراءات : تك17: 1-27 ؛ غل5: 1-5 + في2: 5-11 ؛ لو 2: 21 ، 40 ، 52

الرسالة : فيلبي 2 : 5 – 11

جاء في نص رسالة غلاطية (5: 1- 5) تحذيرُ بولس للمسيحيينَ من العودة الى ممارسة الختانة كعلامةٍ في الجسد تعبيرًا عن إنتماءِ المختون الى الله حسبَ عهدٍ متبادَل (تك 17: 11-14). ولكن، لو كانت الختانة تُطَّهرُ الأنسان عن إثمهِ الأول وتُعيدَه إلى مجدِه الأصلي وتُثَّبتُ العهدَ والإنتماء الى الله لكان يسوع قد إكتفى بها وهو مختونٌ من يومه الثامن (لو2: 21) ، ولمَّا إعتمدَ على يد يوحنا، مُعلنًا توبة الأنسان على تمَّرُدِه على الله، ورغبتَه في المصالحة (متى3: 2 ، 8-11)، ولمَّا وصَّى أيضًا تلاميذَه بتعميد من يتتلمذون له (متى 28: 19-20؛ مر16: 15-16) علامة الأنتساب والأنتماءِ إليه. لذا يؤَّكد الرسول أنَّ المسيحي الذي يقبل الختان ، وهو يعتقدُ أنه يُبَّررُه، لا يبقى عندئذٍ معنًى للعماد، لأنه ينتسبُ بفعلهِ ذاك الى شريعة العهدِ القديم، فيتبَّرَأُ منه المسيح إذ " يقطعون معه كلَّ صِلةٍ ويسقطون من النعمة " (آية 4). لأنَّ التبرير يتمُّ مجّانًا بالنعمة لا بأعمال الشريعة.

كونوا على فكر المسيح !

هكذا تابع النصُّ المقرِوء، لكنه من الرسالة الى أهل فيلبي (2: 5-11). فالمسيح عقد مع الأنسانية عهدًا جديدًا " بدمه"، لأنَّ العهد القديم لم يكن قادرًا على أن يُخَّلصَ الأنسان. كان ناقصًا. كان مؤَّقتًا يُهَّيئُ لعهد كاملٍ أبدي يقدرُ أن يُخَّلصَ. و بالإضافة الى عُتقِه ونقصِه لم يلتزم به شعبُ الشريعة بل نقضوهُ وأهملوه فسئمَ الرَّبُ منهم فأهملهم بدورِه وفتح الباب لعقد عهدٍ جديدٍ ثابتٍ للأبد (إر31: 31-34؛ عب8: 5-12). وما جاءَ في العهدِ الأول لم يكن إلّا " رمزًا وصورةً " لما سيتِّمُ على يد يسوع المسيح، الذي كهنوتُه أسمى من كهنوت الختانة، لأنه كهنوتٌ إلهي ، قدّوسٌ بريءٌ، لا نقص فيه ولا عيب، وهو أيضًا أبديٌ لا يزول. وشفاعتُه تنبعُ من قدرتِه الذاتية على الحياة (يو8: 24؛ عب7: 20-26)،أمامه" تنحني كلُّ ركبةٍ في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض (في2: 10). لقد أكَّدَ بنفسهِ :" نلتُ كلَّ سلطانٍ في السماء والأرض " (متى28: 18). وهو يُعطي الحياة لأتباعِه (يو10: 10 و 28). عن هذا المسيح تحَدَّثَ بولس لأهل فيلبي وفالَ أنَّه جديرٌ بالسماع له، دون غيرِه ، والتقَّيُد بعهدِه. فهذا المسيح ليس إنسًانًا رضيَ عنه الله فرفعه الى أسمى درجة يمكنُ للأنسان أن يبلُغَها، وزيرًا لله أو وكيلاً على مملكته، كما فعلَ فرعون مع يوسف الصِّديق. ولا هو نبِيٌّ، مثل موسى وايليا وإشعيا ويوحنا و..، دعاه الله و كلَّفه بمُهِّمةٍ خاصة وأرسله الى الناس يُبَّلِغُهم بها ثم إنتهت حياتُه مثلَ كل البشر. بل هو " صورة الله "، أي الله الذي رأيناهُ بجسدٍ مثل جسَدِنا، كلمة الحياة، الذي " رأيناه بعيوننا، وسمعناه وتأملناه ولمسَتْته أيدينا " (1يو1: 1-2). ظهر بيننا لا كما في العهد القديم بدون صورة خوفَا من السجود لأَشكالٍ، من حجرأو شجر أوحديد يصنعونها بأنفسِهم ويعبدونها (تث4: 15-19). المسيح هو" شعاعُ مجدِ الله و صورة جوهرِه" كما نقول في نؤمن: " مساوٍ للآبِ في الجوهر"، يحفظ كلَّ شي بقُّوة كلامِه" (عب1: 3). هذا الله لم يتباهَ بنفسِه ولم يتحَّصن في قلعةِ مجدِه ولم يحتكر الحياة ونعيمَ الراحةِ لنفسِه. بل تأَّملَ وضعَ من خلقَهم. رآهُ تعيسًا يُهدرُ دموع الشفقةِ والرحمة. البشرُ صورَته العزيزة. إنَّهم أحِّباء. فتخَّلى عن مجدِه وراحتِه. تواضعَ وتجَّسِدَ بقدرتِه الألهية وصارَ" بشَرًا مثلَنا وسكن بيننا ، فرأينا مجدَه" (يو1: 14)، وآمتُحِنَ في كلِّ شيءٍ مثلنا ما عدا الخطيئة" (عب4: 15). شاركنا حياتَنا ليُعَّلِمنا كيف نشاركُ حياتَه. فأطاعَ البشر الخاطئين، وتحَّملَ وزرَ خطاياهم. بل صار من أجلهم " لعنَةٌ. لأنه مكتوبٌ: ملعونٌ من صُلبَ على خشبة" (غل3: 13)، وهو يُرَّددُ في نفسِه: " سأصفحُ عن آثامِهم ولن أذكرَ بعدَ ذلك خطاياهم" (عب8: 12). وفعلها فعلاً. فإِذ كان على الصليب صاح:" يا أبتاه إِغفِر لهم .." (لو23: 34). ويشهدُ بولس ومعه الكنيسة جمعاء و" كلُّ لسانٍ ، أنَّ يسوع المسيح هو الرب .." هذا الرب خضع في مثل هذا اليوم لنظام البشر وسيرفعُ وزرَه عن أكتاف الناس على فم نائِبه بطرس، الذي زوَّدَه سلطان الحَّل والربط وكلَّفه برعاية الكنيسة (متى16: 18؛ يو21: 15-17)، فقال عن الختانة :" لماذا نضع على رقابِ التلاميذ نيرًا عجز آباؤُنا وعجزنا نحن عن حملِه ؟. و لاسيما ونحن نؤمن أننا نخلُص بنعمةِ الرَّب يسوع "(أع15: 10-11). سيُطَّهرُ الأنسان " بالروح القدس والنار" (متى3: 11) ويُعطَى علامته الظاهرة " العماد" التي لا تبقى في الجسد بل تنغرسُ في الروح فتُغَّيرُ المؤمن من الداخل. لأنَّ ولادة المعمودية ليست من لحم ودم ولكن" من مشيئة الله " وبقوة " كلامه الحَّي" (1بط 1: 23).


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com