الأحـد الثالث للبشارة ! ********<>******** 2018.12.16

تتلى علينا اليوم القراءات : تك18: 1-19 ؛ أف3: 1-13 ؛ لو1: 57-66

الرسالة : أفسس 3 : 1 – 13

بولس سجين في روما ويقول لأهل أفسس" أنا سجينُ المسيح يسوع في سبيلكم". لقد سجن يسوع فكره وقلبه قبل أن يسجن الرومان جسَدَه، فمَيَّزَه وخَّصَّصَهُ لخدمةِ الوثنيين. هكذا بلَّغ يسوع حننيا عندما أرسله ليُعَّمِدَ شاول قائلا :" إخترتُه رسولاً لي يحملُ إسمي أمام الأمم و الملوك وبني إسرائيل" (أع 9: 15). وكان بولس واعيًا لرسالتَه تلك :" أنا مُعَّلمٌ لغير اليهود في الأيمان" (1طيم2: 7). بل كان ذلك مهمَّتَه الأساسية وعنوانه الرئيسي في الكنيسة: " رأوا أنَّ اللهَ عهدَ إليَّ في تبشيرغير اليهود.. ولمَّا عرفَ يعقوب وبطرس ويوحنا، وهم بمكانة عمداء الكنيسة، ما وهبني اللهُ من نعمة، مَدّوا إليَّ وإلى برنابا يمينَ الإتّفاق على أن نتوَّجهَ نحن إلى غير اليهود وهم الى اليهود" (غل2: 7-9). لكنه رغم ذلك لم يُهمل تبشير اليهود أيضا حيثما بشَّر. بل كان يتوَجَّه أولا الى جماعة اليهود قبل غيرهم منذ رحلته التبشيرية الأولى. لكنه إصطدمَ بمعارضتهم وكفرهم، حتى قال لهم:" إليكم أوَّلاً كان يجبُ أن يُبَّلغَ كلام الله. فإلى الوثنيين نتوَّجه الآن لأنكم ترفضونَه.." (أع13: 44-46). حتى بعده في أفسس توَّجهَ أولاً الى الجالية اليهودية، لكنهم رفضوا كالمعتاد. وكان غالبية أهلُ أفسس وثنيين إهتدوا إلى المسيح. لم يمنع الرَّب بولس من تبشير اليهود مع أنه أرسله لتبشير الوثنيين. كان بولس مُتعَّصِبًا أو غيورًا على شعبِه يريدُ له الخلاص ويتألمُ من جحودِهم فيقول:" إنَّ في قلبي لَغَمًّا شديدًا وأملًا ملازمًا. وددتُ لوكنتُ ملعونًا ومنفصلاً عن المسيح في سبيل إخوتي بني قومي من النسب " (رم9: 2-3). فأرادَ المسيح أن يُفهم بولس ، ويفهمَ رسولُ كلِّ زمان، ألآ يُحِّبَ غيرَه أكثر منه (متى10: 37)، وأن يتنازلَ عن كلِّ إنسانٍ وعن كل شيء ليتفَرَّغَ كليَا لمشيئة الله ويقودَ المحراثَ المُسَّلمَ إليه (لو9: 62) !!. إفتهمَ بولسُ أنَّ الشِّدَةَ والألم لأجل الآخر تنتهي بالمجد للطرفين (آية13).

التدبير الألهي !

تخَّصَص بولس بما أوحاه اليه الرب مباشرة من تدبيره الألهي السّري لخلاص العالم، ألا وهو أنَّ الخلاص ليس محصورًا على اليهود بل هو لجميع الناس، كل الشعوب، كلِّ العالم. إنه نعمة مجّانية، رحمةً منه لا إستحقاقًا من أحد، فائقة الوصف وغنيّة بفحواها تشملُ الذين ينتظرون الخلاص والذين لا فكرةَ لهم أصلاً لا عنه ولا عن الله نفسِه. بل جهلوه وجهلوا أصلهم أيضًا، فرحمهم الله كما رحم الذين آمنوا به لكنهم نكروا فضلَه ورفضوا الطاعة له. كان العالم منقسِمًا بين المؤمنين بالله: اليهود، وغير المؤمنين بالله: الوثنيين. أما في المسيح فالكل تشمله نعمة الخلاص، حتى قال الرسول: " المسيح سلامُنا. جعلَ اليهود وغير اليهود شعبًا واحدًا وهدم الحاجز الذي يفصلُ بينهما، أي العداوة، وألغى بجسدِه شريعة موسى.." (أف2: 14-15). فغير اليهود أصبحوا في المسيح " شُركاءَ اليهود في ميراث الله، وأعضاءُ في جسدٍ واحد، ولهم نصيبٌ في الموعود.." (آية 6). وكذلك أقام بولس رسولاً خاصًّا لمهمة تبشير الوثنيين. يعرف الله شُغلَه ويُحَّققُ مشروعَه الكوني.

في المسيح غِنىً لا حَدَّ له !

ليس المسيحُ نبيًا محدودًا مثل موسى، ولا مثل هارون كاهنًا زائلًا، ولا هو مَلِكٌ ضعيف مثل داود فيخطأ ، ولا عالمٌ يجتهد لتحصيل علمٍ قليل محدودٍ ثم يَشُّكُ. المسيح هو الله المتَجَّسد فهو كاملُ العلم والقدرةِ ونبعُ غناه لا ينضب، يفيضُ حُبًّا ورحمةً وعونًا، هو خلاصُ الأنسان وهو راحتُه ومجدُه. وغناه يُغَّطي جميعَ البشر من بدء الخليقة وحتى نهاية العالم. البشر كلهم شعبٌ واحد لأنهم ينحدرون من أصلٍ واحد، وآشتركوا في خطيئته لأنهم كانوا موجودين في صلبِه ومنه وُلدوا ولهم طبيعتُه. والخالقُ أيضًا واحد. كذلك المُخَّلصُ، الذي إتَّخذ ناسوتَه من نفس الصلب فأصبح في ناسوتِه أخًا لكل إنسان، فهو يريدُ أن يخلُصَ إخوتُه البشر جميعًا. لذا فهو " الوسيطُ الوحيدُ بين الله والناس..وجادَ بنفسِه فِدًى لجميعِهم" (1طيم2: 4-7). لقد جاءَ لتكون للناس أفضلُ الحياة (يو10: 10). والحياة الحَّقة هي أن يعرفَ الناسُ الله حَقَّ المعرفة (يو17: 3)، وأن يُدركوا " إلى أي رجاءٍ دعاهم، وأيَّ كنوزِ مجدٍ جعلها لهم ميراثًا مع كل القديسين ، وأيُّ قُوَّةٍ عظيمة فائقة تعملُ لأجلنا.." (أف1: 17-20).

حكمة الله في جميع وجوهِها !

للبشر حكمتُهم ومنطقهم في تدبير أمور الحياة لاسيما الأجتماعية. وقَلَّما يرتاحون الى حكمة الله التي تفوقُ أبعادَهم وتسمو على فكرهم. أمَّا بولس فهو حسَّاسٌ جِدًّا لحكمة الله المُتمَّيزة في رعاية الكون وتدبيرشؤونه ومرتاحٌ إليها. لأنَّ الله أعلمُ بخليقتِه وأولى أن يُعالجَ أمورها بنجاح . حتى الذين آمنوا بالله لم يُدركوا حكمة الله ولم يعوا لماذا يتصَّرف الله بطريقةٍ مغايرة لهم. إنَّ ما في الله من عقلٍ ومحبَّةٍ ورحمةٍ وطاقةٍ لا تجدُ لها مثيلاً عند البشر. لها عندهم صَدًى خفيفٌ يكادُ الواحد لا يشعرُ به. إعتبر المُؤمن نفسَه فاهمًا ذكيًا حكيمًا لكنه إكتشفَ بعدَه أنَّه طفلٌ يجهلُ أكثر الأمور والحكمة بريئةٌ منه. ما آعتبره نجاحًا ونصرًا إنتهى بالفشل لأنه إكتشف أنه ناقصٌ لا يُلَّبي كلَّ أمنياتِه. ولهذا أصغى بولسُ دومًا لله ونَفَذَّ كلامه بثقة النجاح التام. وله كلام صريحٌ وقوي عن الحكمة، الألهية والأنسانية، فقال:" كلامي وتبشيري لا يعتمدانِ على أساليب الحكمة البشرية في الأقناع. بل على ما يُظهرُه روحُ الله وقُوَّتُه، حتى يستندَ إيمانُكم إلى قدرةِ الله، لا إلى حكمةِ البشر" (1كور2: 5). وهكذا كان لله حكمةٌ أن يؤَّجلَ خلاصَ غير اليهود الى زمن المسيح وأن يكون الفضلُ للكنيسة، جسد المسيح السّري، أن تُطلعَ أهل العالم على أنَّ الخلاصَ يشملُ جميعَ الناس وأنَّ المسيحَ الوسيطُ الوحيدُ للخلاص، وأنَّها هي التي تسعى في تحقيقِه جيلاً بعد جيل إلى أنْ يكتملَ عددُ المُخَّلَصين، شهودُ يسوع المسيح (رؤ6: 11).


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com