الأحـد الثاني للبشارة ! **************** 2018.12.09

تتلى علينا اليوم القراءات : تث22: 20-35 ؛ كو4: 2-18 ؛ لو1: 26-56

الرسالة : كولسي 4 : 2 – 18

بعدَ أن أعطى الرسول توصياتِه لفئاتٍ خاصَّة من أبناء الرعية، توَّجه بالكلام إلى عامة المؤمنين في كولوسي يُحَّرضُهم فيها على السلوك المثالي كما وصَّى الرب يسوع. لا ننسى أنَّ بولس كتبَ رسائله كلَّها قبل تحرير الأنجيل. وكتب هذه الرسالة أثناءَ أسره الأول في روما حوالي سنة 62م (في1: 13-17؛ 2طيم1: 8). إستشهدَ بولس وبطرس سنة 67م ولم تُكتَبْ بعدُ أيَّةُ نسخةٍ من الأناجيل. فعرف المؤمنون الأوائلُ المسيحَ وتعليمَه مباشرةً من خلال كرازة الرسل و شهادة حياتِهم، وآستشهدوا من أجله. عرفوا المسيحية في شكلها الحيوي الذي خَطَّه الرب يسوع قبل أنْ يُوَّثَقَ ذلك بتحرير كلمات الأناجيل. فالرسائل مِرآةٌ يرى فيها المؤمنون صورة يسوع الحيوية، وهي نموذجٌ حَيٌّ لحياتِهم.

واظبوا على الصلاة !

قالَ يسوع "صلُّوا كلَّ حين ولا تمَّلوا". وذكر سفر أعمال الرسل أن الصلاة كانت منذ البداية أحد العناصر الأساسية للحياة المسيحية، لاسيما الجماعية. قال: " كان المؤمنون يداومون على الأستماع الى تعليم الرسل، وعلى الحياة المشتركة، وكسر الخبز، والصلاة " (أع2: 42 ). وجاءت الصلاة على أشكال متعَّددة. الجماعية الطقسية كالمذكورة، وجماعية غير طقسية كالتي جمعت أفرادًا مُعَّيَنين ومُقَّرَبين في بيت مرقس للدعاء إلى الله لأنقاذ بطرس وقد سجنه هيرودس ناويًا قتلَه بعدَ يعقوب إرضاءًا لليهود (أع 12: 12). وصلاة من أجل كسر شوكة الأضطهاد وسند الرسل في إعلان بشارة الأنجيل طالبين مواهب الشفاء والآيات ولاسيما قوةَّ الصمود وجُرأةَ التبشير(أع4: 24-31). للصلاة أوجهٌ عديدة غير مُحَّددة، لأنَّها حوارٌ مع الله حسب المُصَّلي وحسبَ آختلافِ الحاجة أو الدافغ إليها. منها تمجيدُ الله وتسبيحُه، أو إستغفارُه وآسترحامُه، أو سؤاله نعمة خاصَّة ، و لاسيما حمدُه وشكرُه على كلِّ أفضالِه وآلائِه التي لا تُحَّد. الأنسان أنانِيٌّ بطبعِه فيُفَّكرُ أولاً بنفسِه، وقد لا يطلب من الله شيئًا إلا لنفسِه. فيدعو الرسول ويُعَّودُ المؤمنين أن يخرجوا من دائرة الأنانية ويتوَّسع فكرُهم وقلبهم، مثل مُخَّلِصهم، فيهتَمُّوا بحياة العالم وخير كلِّ أبنائِه و فئاتِه. فيدعوهم قبل كلِّ شيء الى صلاة " الحُّب"، حب الله وحب كلِّ البشر، فيتعَّدوا المنفعة الزمنية ليحولوا صلاتهم، مثل الأطفال، الى التعبير أولا عن حُبِّهم لله. فالطفلُ في وقتِه وغير وقتِه، في الشدَّةِ والضيق أو الفرج والراحة، عند الحاجةِ أو عند الإكتفاء، يقول لوالديه " أُحِّبُكَ يا بابا ! أُحِّبُكِ يا ماما !". ليتعَّلم المؤمن أن يتعاملَ مع الله كالأبن مع أبيه، تمامًا كما عَلَّمنا رَبُّنا يسوع أن نصَّلي ونقول:" أبانا الذي في السماوات". لم يكن الأنجيل بعدُ مكتوبًا ليقرَأَه المؤمن فيتعَّلم. كان الرسل يُدَّربون من بَشَّروهم أن يعيشوا حياتَهم مع الله في علاقة محبة بنوية وليست علاقة عبودية رفضَها الله (يو15: 15).. ونبَّهَ الرسول أهل كولوسي، وفعلَ ذلك في جميع رسائله المبعوثة من روما وهو أسير، إلى أن تكونوا من الشاكرين". ويُكَرِّرُ القولَ عينه، ولو بصياغةٍ مختلفة، لأهل فيلبي (في4: 6)، وأهل أفسس (أف5: 4 و20)، وتلميذه طيمثاوس (1طيم2: 1). كما سبق وكتب في أولى رسائله لأهل تسالونيقية (1تس5: 17)، وتابع النداء أو التذكير لأهل كورنثية (1كور14: 16-17؛ 15: 57؛ و2كور4: 15؛ 9: 12)، وأهل روما (6: 17). وهذا الألحاح على الحمد مُهِّمٌ جِدًّا حتى يُذَّكرُ به كل المهتدين الى المسيح، في كلِّ رسائله. فالحمد عنصرٌ أساس في الحياة المسيحية. يسوع نفسُه رفع الحمدَ والشكر لله على نعمه وعطاياه (متى11: 26-27؛ يو11: 41). يدعوهم بولس الى حمدِ الله لئلا يأخذوا عدوى فساد الآخلاق من الوثنيين الذين كانوا بلا " فهمٍ ولا وفاءٍ ولا حنانٍ ولا رحمة " (رم1: 31). بل عليهم أن يتعَّلموا ويُمارسوا عرفان الجميل إزاء فضل الله وعطاياه المجّانية الكثيرة (2كور4: 15). فشكر الله " ثمرُ الأيمان بيسوع وآلتتلمُذِ له" (في1: 11). يكتفي الرسول هنا بالتذكير بواجب الحمد والشكر. لأنه سبق وعلَّمهم بعباراتٍ قوية أنَّ ذلك من شيمةِ المؤمنين " العقلاء والحكماء .. ومن مشيئة الله نفسِه أن: " يمتلئوا بالروح، و يتحَّدثوا بكلام المزامير والتسابيح والأناشيد الروحية". ويُضيف " رتِّلوا وسَبِّحوا الربَّ من أعماقِ قلوبِكم، وآحمدوا الله الآب حمدًا دائمًا على كلِّ شيء، بآسم رَبِّنا يسوع المسيح" (أف 5: 15-20؛ كو3: 16-17). والحمد واجب على النعم المجانية : بالوجود، بتوفير الخيرات ، بالغفران والفداء، بمشاركة الله ضعفَنا في تجَّسدِه ومشاركتِنا حياتَه الألهية بمقاسمة مجده وراحتِه الأبديتين، وبتعريفنا إليه لنحيا مثله في قداسةِ الحُّب والبر.

وآدعوا لنا أيضًا !

بعد رفع صلاة التسبيح والحمد لله، كما علَّم الرَّبُ يسوع في صلاة " أبانا الذي" نموذج كلِّ صلاة، طلب الرسول، كما نوَّهنا أعلاه، إنفتاح الفكر والقلب نحو الآخرين. من هذا المنطلق يطلب أن يُصَّلوا من أجله، ليفتح الرَّبُ أمامَه، وهو في السجن، باب الكلامِ " للتبشير بِسِّرِ المسيح ". مع أنَّه ذكر لأهل فيلبي بأنَّ " قيودَه في الرب" شَجَّعت إخوةً كثيرين على التبشير (في1: 12-14). ولكنه ليس بدوره أنانيًا حتى يطلب لنفسِه فقط. ما يُعَّلمه يُطبقه بنفسِه. لذا سيطلب الصلاة من أجل كلِّ فئات الناس ومن أجل جميع حاجاتهم. ولا يستثني حتى القادة الظالمين. ويطلبُ أنْ :" أقيموا الدعاءَ والصلاة والأبتهال والحمد من أجل جميع الناس. و من أجل الملوكِ وأصحابِ السُلطة ". ويُبَّررُ طلبه بقولهِ: " هذا حسنٌ ومقبولٌ عند اللهِ مُخَّلِصِنا، الذي يريدُ أن يخلصَ جميعُ الناس ويبلغوا إلى معرفةِ الحَّق " (1طيم 2: 1-4). نندهش لأول وهلة أن الرسول يطلب الصلاة من أجل القادة الزمنيين، بغَّضِ النظر عن سلوكهم. ذلك لأنَّ الرسولَ مؤمنٌ بأن " لا سلطةَ إلا من الله .. ومن قاومَ السُلطةَ قاومَ النظامَ الذي أرادَه الله...فلا بد من الخضوع، لا خوفًا. بل مراعاةً للضمير" (رم13: 1-6). وهكذا سيطلبُ بطرس رئيسُ الكنيسة أيضًا الخضوعَ " لكل نظامٍ بشري من أجلِ ربنا.. إتَّقوا اللهَ ، أكرموا الملك" (1بط2: 13-17). تقَّيُدًا بالنظام يخضعُ المؤمن لمن يقودُ النظام، حتى لو كان ظالمًا، كما أطاع المسيح قادة البشر الظالمين له بالذات. أي لا يكون ظلمهم فرصةً للفوضى. ومقاومة الشر بالشَّر شَّرٌ جديد وليس حَلاًّ للمشكلة. بل يجب غلبُ الشر بالخير (متى 5: 38 ؛ رم12: 19-21). ولهذا السبب طلب بولس أن يتصَّرفَ المؤمنون بحكمةِ و روية ويسالموا جميع الناس ويصلوا من أجلهم (رم12: 18).


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com