عـيد المحبول بها بلا دنس ! ******************** السبت ، 2018.12.08

ذكرى تكريس وتدشين كنيسة مريم العذراء
للكلدان في هوفخو - السويد

رسامة القس أنطونيوس سيفان المالح في نفس الكنيسة

تتلى علينا اليوم القراءات : سي24: 1-33 ؛ عب1: 1-14 ؛ متى1: 1-17

الرسالة : عبرانيين 1 : 1 – 14

عرفَ الأنسان اللهَ، عندما خَلَقَه، معرفةً ناقصة قصيرة وسطحية قبل أن تعزلَه عنه رغبتُه في التساوي معه ومنافسَتِه في تقرير ما هو الحَّق. لم يعرفْ عمقَ فكر الله وصِدقِهَ ُ وحُّبَهُ. لم يكن له بعدُ خبرةٌ في علاقتِه بالآخر، بالله الذي لم يكن غيرُه موجودًا، إذ " لم يجدْ بين الكائنات مثيلاً له يُعينُه" (تك2: 20). ولمَّا عزلت الخطيئة الأنسان عن الله وقع في جهلٍ عميق ومُظلم أفقدَه معرفة الله على حقيقتِه. وصارَ يتخَّبطُ في فكره عن آلِهةٍ " قره قوزية " ويسلكُ آدابًا نفعية ويبتعدُ عن الله بفكره وروحِه. لكنَّ الله، الذي سمح للأنسان بهذه المحنة ليختبر حياة الجسد بكل أبعادِها الحِسّية وشقائِها، لم يتخَّلَ عنه بل هيَّأَ له خطَّةً ليُعيدَه الى طريق الحَّق.

كَـلَّمَـنا الله !

وأخذ اللهُ االبادرةَ من جديد ليُحَّققَ للأنسان الوعدَ الذي قطعه له، قبل مغادرتِه بيتَ الله، بأن يُعيدَه إليه يومًا بعدَ أن يسحقَ رأس الدَّجال الذي ورَّطهُ فأسقطَه عن نعمتِه، فيسترجعَ المجدَ الذي كان يتمَتَّعُ به منذ االبدء (تك3: 15؛ 1صم2: 10). والوعدُ سيتِّمُ بأن يستعيدَ الأنسان معرفةَ الله ويُكَّثِفُها ويُنَّورُها فيتعَّلقَ قلبُه وفكره بالله فيسمع كلامَه ويسلكُ درب البِرِّ والقداسة ، ويسحق رأس عدُّوِه الذي أغواه في جهله والذي سيدفعُ فاتورة كِذبِهِ وغرورِه وشَّرِهِ. فآختار اللهُ شعبًا ربَّاهُ بنفسِه وهَذَّبَه بآيات فائقة ليثقَ به ويتبعَ مشورَتَه. فكَلَّمَ الآباء وعرفوه وأحَّبوهُ و آصطَّفوا إلى جانبِه. ولمَّا تكَّونَ الشعبُ وعاينَ جبروتَ الله وحكمتَه ومحَبَّتَه، عقدَ معه اللهُ العهدَ وزوَّدَه بدستور الحياة، و ذَكَّرَه بأنه على طريق إتمام الوعدِ المقطوع لهم فيرسلَ لهم من يُنقذُهم من الورطة الأولى ويعضُدُهم في المسيرة الجديدة فيتنعَّموا بنصرهم.

كلَّمنا قديمًا بالأنبياء !

وظلَّ الله يُرشدُ من جهَةٍ الشعبَ ويُقَّوِمُه ويُعينُه ليبقى أمينًا لعهدِه، ومن أُخرى يكشفُ لهم شيئًا فشيئًا عن هوية المُخَّلص الموعود، حتى إذا جاءَ يتعَّرفون إليه ويتبعونَه ويُنَّفِذوا أمرَه و توجيهاتِه. بدأ اللهُ من أيام موسى يوحي إليه، وإلى غيرِه من بعدِه، ويكشِفُ خطوط شخص المُخَّلِص : من هو، و كيف هو، وبماذا يتكلم، وماذا سيفعل، وبأَّيَةٍ وسيلةٍ سيُخَّلِصُ البشرية برُّمَتِها وليسَ فقط الشعبَ المختار. والذين تلَّقوا الوحيَ هم الأنبياء، الذين إكتشفوا إعلان الله وسمعوا كلامه فنقلوه بدورهم الى الناس. و لأنَّ أغلبَ تعليمهم كان يخُّصُ كشفَ ما سيحدثُ في المستقبل ، القريب أو البعيد، دُعيَ ذلكَ الوحيُ" نبـوءةً "، ومن تلَّقاها وبلَّغَها " نبيًّا " يُبَّلغُه الله علمَ الغيب. وكثرَ عددهم لأنَّ نزولَ الوحي إمتَّدَ على مدى ثلاثةَ عشرَ قرنًا، تبَعًا للتطَّورِ الفكري للأنسان. وتمَّ أيضًا بوسائل عديدة ومختلفة تبَعًا لثقافةِ وبيئةِ النبي وإمكاناتِه النقلية. وحتى الوحيُ بنفس الحقيقة إمتَّدَ أحيانًا على مراحلَ متعَدِّدة، متباعِدَة ومتكاملة ، لتوضيح الصورة بوجهٍ أجلى وأقوى. يتقدَّم الوحي سُمُّوًا بقدر ما يتقَّدمُ الأنسان وعيًا وإدراكًا وصِحَّةً في الأستقبال.

وكَلَّمَـنا أخيرًا بالإبن !

ولمَّا تمَّ الزمن وصارت الأنسانية واعيةً جاهزةً لفهم الحقيقة الألهية وتقَّبُلِها جاءَ الأبنُ الموعود، والحبيب الذي رضيَ عنه الله، يسوع المسيح (متى3: 17). فهو الذي نزل من السماء ليُحَّققَ رغبةَ الذي أرسَله (يو3: 13؛ 6: 38). فيسوع هو المُنقذُ المنتَظَر الذي جاءَ ليُتَّممَ المُخَّططَ الألهي. لقد تحَدَّثَ الأنجيل ربما بإسهاب عن ناسوتِه. إنه إبنُ مريم ويوسف وداود وإبراهيم، إنه مواطن فلسطيني عاش في الناصرة، مدينة في الجليل، ثم إنتقلَ إلى كفرناحوم حيثُ جرت أغلبُ معجزاتِهِ. إنسانيته لا شكَّ فيها. هو" ابن الأنسان". وقد إستعملَ هذا اللقب متى وحدَه ثلاثين مرَّةً. ويسوع نفسُه يُعَّرف نفسَه هكذا: " من يقولُ الناس إني أنا ابن الأنسان" ؟(متى16: 13). ولمَّا طرحَ يسوع هذا السؤال على التلاميذ أنفسهم ما رأيُهم هم بهَويتِه أجابوا " أنت المسيحُ إبنُ الله الحَّي". هو المسيح المُنتَظَر، وهو الأبنُ الذي وعدَه الله لآدم وحواء بأن يُعيدَهم إلى الفردوس. ويسوع كشفَ نفسَه أنَّه ليس فقط الأبنَ الموعود بل هو الله نفسُه الذي تجَّسَد و صَوَّرَ اللهَ بين الناس ليعرفوه. فقد قال:" أنا والآب { الله} واحد...إنَّ الآبَ فيَّ وأنا في الآب" (يو10: 30, 38). ويُؤَّكدُ على قوله بأنَّه ليس لا زَلَّة لسانٍ ولا رغبةَ تعالٍ وتجديف. بل هي الحقيقة التي يكشفُها للعالم فيقول: " من رآني رأى الآب". وزادَ عليها توبيخًا للتلاميذ الذين كانوا ما يزالون يشُّكون في لاهوتِه، فقال: " ألا تُؤمن { يا فيلبس} بأني في الآب وأنَّ الآبَ فيَّ؟. الكلامُ الذي أقولُه لا أقولُه من عندي. والأعمال التي أعملُها يعملُها الآب الذي هو فيَّ. صَدِّقوني إنْ قلتُ .." (يو14: 9-11).

بهاءُ مجدِ الله وصورةُ جوهرِه !

هذه هي الحقيقة التي كشفَها الله عن نفسِه أنَّه هو نفسُه مُخَّلصُ الأنسان. تجَّسَد وصار إنسانًا فقاسَمَنا مُرَّ الحياةِ وشقاءَها ليُشركنا بحلاوةِ حياتِه ومجدِها. فليس يسوع سوى هذا الله الذي صارَ "ابن الأنسان" ليرفعَ الأنسان الى مقام " ابن الله و وارث خيراتِه الأبدية " (رم8: 18 ؛غل4: 7). ونقلَ اليوم كاتبُ الرسالة هذه الحقيقة، التي عَرَّفنا بها يسوع، وبلَّغَها بدوره الى سامعيه وقُرّائِه من اليهودِ والمسيحيين. تخَّلى الله ذاتُه عن مجدِه وصار واحدًا مِنَّا (في2: 6-11) لنتعَّرفَ عليه بشكلٍ جَّيد و نرى أعماله ونتعَّلمَ لنحيا مثله في قداسةِ البِّر، في الحَّق و المحَّبة. هكذا رأى الناسُ اللهَ في" بهاءِ مجدِه وصورةِ جوهرِه"، يسوع المسيح. سبق المُزَّمرُ ورأى في الروح هذا مجدَ الأبن فتنبَّأَ عنه قائلا :" عرشُكَ يا الله ثابتٌ إلى أبد الدهور" (مز 45: 7). وعنه قال اللهُ أيضًا : " إجلس عن يميني لأَجعلَ أعداءَك تحتَ قدميك" (مز110: 1). وقد جلس فعلاً عن يمينِه بعد إتمام مُهِمَّتِه وصعودِه الى السماء (مر16: 19؟. دعاهُ الناسُ" ابنَ داود" وداود نفسُه يدعو المسيحَ " رَبَّه " (متى22: 42-45). هذا هو من حملته مريم العذراء في أحشائِها، وقد صانها الله من أجله عن الخطيئة الأصلية ، فولدته ورعته وقدَّمته ذبيحةً للآب تكفيرًا عن خطايا البشر. فعلى قمة صليب الذبيحة أعلن الغفران عن الخطيئة الأولى وعن كلِّ الخطايا إذا تاب عنها أصحابُها. فيسوع، اللهُ المُتجَّسِدُ، هو إبنُها بالجسد كما هو إبن الله بالولادة الروحية الفكرية والأزلية، فصارت مريمُ بذلك والدةَ الله وشريكةً في الفداء، كما صار اللهُ " إبنَ الأنسان ". وهو الذي كشفَ، عن الله، ذاتَه وفعله مُعلنًا بذلك ما هي الحياة الحقة وما هو الحَّقُ المستقيم. وفتحَ للأنسان طريقَ الخلاص ودَلَّهُ عليها، لأنَّ اللهَ نفسَه نطقَ فيه وفعل.

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com