الأحـد الرابع للكنيسة ! ********<>******** 2018.11.25

عـيد يسـوع الملك

تتتلى علينا اليوم القراءات : 1مل6: 1-19 ؛ عب9: 16-28 ؛ متى22: 41-23: 22

القـراءة : 1 ملوك 6 : 1 – 19


بدأ ببناء هيكل الرب !

أراد داود الملك بناءَ مقامٍ لله يليق بعظمته وجلاله عوض الخيمة البدائية. ردَّ عليه الله أنَّ رأيَه جميل ومقبول، لكنه هو الذي يبني لداود بيتًا، نسلاً، ويخرجُ من صلبِه ملوكٌ، فـيبقى عرشُه راسخًا إلى الأبد، وأنَّ إبنَه الذي يخلفه سيبني الهيكل المرسوم (2صم7: 2ـ15؛ 1مل2: 24؛ 1أخبار22: 6-11). وآخر مَلكٍ من صلبِه جلس على عرشِه ومازال مُلكُه ثابتًا من أكثر من ألفي سنة، ألا هو" يسوع المسيح إبنُ داود" كما كانوا يُلَّقبونه (متى22: 42-45). ولما إعتلى سليمان العرشَ وآستتَّبَ له المُلْكُ نفَّذَ وصيَّة أبيه وباشر في البناء في السنة الرابعة من مُلكِه. وكان الهيكلُ كبيرًا، على زمانِه،"عظيم الشهرة والفخامةِ في كلِّ الأرض" (1أخبار22: 5). بنى الأنسان مسكنًا للرب. نعم، ولكن هل يليقُ، رغم عظمتِه وفرادةِ نوعِه، بمقام الله الفائق الجلال؟. سليمان نفسُه يقُّرُ بعجز البشر أن يوفوا حَّقَ قدرِ الله.

سماوات السماوات لا تسعك !

قال سليمان، يومَ دَشَّنَ الهيكل، في صلاة حارَّة رفعها الى الله :" هل تسكُنُ يا الله على الأرض؟. حتى السماوات وسماواتُ السماوات لا تسَعُ لك، فكيفَ هذا الهيكل الذي بنَـيْتُه لك" ؟ (1كل8: 27). ليس الترابُ ولا الحجرُ ولا الحديدُ ولا أيُّ شيءٍ من المخلوقات، في أيِّ وجهٍ كان، جديرًا بأن يحوي الله. لأنها مادة زائلة. أمّا الله فروحٌ خالد. ولم يطلب اللهُ يومًـا من أي كان ممن إختارَهم وأقامهم رؤساءَ على شعبِه أن يبنيَ له " بيـتًا من الأَرز"(2صم7: 7). بل طلب اللهُ من كلِّ إنسان أن يهَبَه بالمحَّبة " قلبَه وفكرَه ونفسَه" (تث6: 5؛ مر12: 30). الله هو محبة (1يو4: 8). وحيث تكون موَّدةٌ ومحبة، تقول الترتيلة، هناك يُقيمُ الله. لأنَّ المحبة روحية وخالدة مثل الله، إذ هي حياتُه نفسُها. وقد أكَّدَ يسوع ذلك عندما تركَ لهم وصّيتَه الأخيرة فقال:" من أَحَّبَني سمعَ كلامي فأَحَّبَهُ أبي، ونجيءُ إليه ونُقيمُ عندَه" (يو14: 23). فالله لا يسكن بيوتًا من حجر، بل بيوتًا من لحمٍ ودم.
وقد هَيَّأَ اللهُ لنفسِه مَسكنًا عند" الأنسان" الذي خلقه على صورتِه. وقد بنى ذلك المسكن عندما هَيَّأ للمسيح جسَدًا (عب10: 5). فسكن الله في جسد يسوع. ذلك الهيكل الذي دمَّرَه البشر لكنه أقامه فأحياهُ بقدرتِه الألهية (يو2: 19-21). ومع المسيح أصبح كلُّ إنسان مؤمن هيكلاً يحُّلُ فيه الله بالنعمة. يقول الرسول :" أما تعرفون أنَّكم هيكلُ الله الحَّي {2كور6: 16-17}، وأنَّ روحَ اللهِ يسكنُ فيكم. .. هيكلُ الله مُقَّدَسٌ، وأنتم أنفُسُكم هذا الهيكل" (1كور3: 16-17). إنَّهُ يُبنى كما أسلفنا بالمحبة. فممارسةُ محَّبة الله والقريب تحَّولُ حياة المؤمن الى هيكل منه يشُّعُ مجدُ الله وينتشرُ فعلُه. لكن الله يقبلُ، رغمَ ذلك، أن " يُقيمَ في هيكل" البشر، أن يكون حاضِرًا للأنسان بالشكل الذي يستوعبُه. في هيكل سليمان وفي كنائسنا. إنَّه يُقَّدرُ بادرة الأنسان ورغبتَه في إبداءِ تكريمه له. ولا يرذلُ سذاجتَه بل يُباركُ جهدَه ويُرشِدُه في ذلك الى الأبداعِ في التكريم الذي لا يوفي حَقَّ الله أبدًا. يكفي المرءَ أن يفعلَ ما يقوى عليه بطيبةِ قلبٍ وآستقامةِ نيةٍ وسخاءِ روح. وهذا ما فعله سليمان فرضيَ اللهُ عنه وباركَ له خطوتَه و وَعدَ أن يُقيمَ بينهم في الهيكل ما دام الملكُ والشعبُ يحفظون وصاياه وفرائضَه.

إنْ عملتَ بفرائضي !

حتى يكون مسكنُ البشر لائقًا بالله فيرتضي العبادة فيه إشترط الله على سليمان " إذا عملتَ بفرائضي وأحكامي وحرصتَ على إتباع جميعَ وصاياي، أنا أفي بوعدي وأُقيمُ في هذا الهيكل". ليس المكان هو الذي يهم بل السلوك. الله هو حياة وليس مكانًا أوشيئًا. فتهمُه أيضًا حياة الأنسان لا منشَآاتُه، مهما بالغ في تعظيمها وتجميلها. لم يخلق الله الأنسان ليبني له بيوتًا وعمارات فاخرة تُدهش وتُحَّير. كان قادرًا، ولا يزال، أن يخلقَ أفضل منها يعجزُ الأنسان أن يأتيَ مثلها. بل خلقه ليُحِّبَه وينشر الحُّب في الكون فيرى فيه صورتَه الصادقة الناطقة. ولهذا لم يطلب من الأنسان أن يقيم له " بنايةً " يسكنها. ولم يشَأ أيضًا أن يطمع فيه الأنسانُ من أجل خيراتِه ،" ليس لآبن الأنسان ما يضعُ عليه رأسَه" (متى8 : 20). طلب من الأنسان أن يسمع كلامه فلا يزّل، وأن يتقَدَّس مثله في الحَّق فلا يتيه في الضلال (أح19: 2).
ولمَّا كان الأنسان جاهلاً بكل الحقيقة، و ضعيفًا أمام الشهوات الحسّية، خَطَّ له طريق الحق و أخبرَه بسُبُل البر فلا يكون له مُبَّرِرٌ إذا أخطأ ولا يتحَجَّج على الله أنَّه لم يُعَّلمْه ولم يُنَّبِهْهُ بهذا الخصوص. وبالأضافة الى ذلك عقد الله مع الأنسان على يد إبراهيم، ثم موسى وأخيرا على يد يسوع المسيح، عهدًا تقَّيدَ به الله فيُطالبَ الأنسان ايضًا أن يكون جديرًا بخالقِه فيلتزم بوعده ويسلك طريق الحَّق. والشعبُ وعد على يد موسى أن " كَلِّمْنا أنتَ بجميع ما يُكَّلِمُكَ به الله و نحن نسمعُ ونعملُ به " (خر20: 19؛ تث5: 27). وإذا لم يتمَّسك الشعبُ بوعدِه فلم يحفظِ العهد { الوصايا مع الفرائض والأحكام } بينه وبين الله ليس الله بدورِه مُلزَمًا برعايةِ الشعبِ وحمايته. فطالبَ الله سليمان والشعب أن يتقَّيدوا بالعهد فيُريحُهُم ويُسعِدُهم. وإلا فهو "حِّلٌ من عهدِه"، ويلاقي الشعبُ المصيرَ الأسوأ. وقد أكَّدَ الرَّبُ يسوع لليهود أن رعاية الله للأنسان مرهونَةٌ بأمانةِ الأنسان لمحبة الله وسماع إرشادِه، فقال: " لو لمْ آتِ وأُكَّلِمْهم لما كانت عليهم خطيئة. أمَّا الآن فلا عُذرَ لهم من خطيئتِهم.. ولو لم أعمل بينهم أعمالا ما عملَ مثلها أحدٌ قط لما كانت لهم خطيئة. لكنهم الآن رأوا ومع ذلك أبغضوني وأبغضوا أبي" (يو15: 22-24).

صلاة سليمان !

سبقَ سليمان فطلب من الله، عند تنصيبه ملكًا، أن يمُّنَ عليه بالحكمة والدراية ليُمَّيز الخيرَ من الشر. ولأنه لم يطلب مثلَ كلِّ الناس طول العمر والغنى قال له الرب :" أعطيكَ عقلاً حكيمًا راجِحًا لم يكن مثله لأحدٍ قبلكَ، ولا يكون مثله لأحدٍ بعدكَ. وأعطيك أيضًا ما لم تطلبْه : الغنى و المجد ، فلا يكون لك مثيلٌ في الملوك كلَّ أيّامك ، وأطيلُ عمرَكَ إذا سلكتَ في طريقي ، حافِظًا فرائضي ووصاياي.." (1مل3: 7-14). ويومَ تدشين الهيكل رفعَ صلاةً بارك فيها الله على كلِّ نِعَمِه وأفضالِه وطلب منه أن يسمع صلاتَه وتضَّرُعَه وأن تكون عيناه، من مقامِه في السماء، مفتوحتين ليلاً ونهارًا على الهيكل وعلى الشعب مستجيبًا لأدعيتهم وغافرًا ذنوبَهم ، قائلاً: " ليكن الرَّبُ إلهُنا معنا كما كان مع آبائنا، ولا يخذُلُنا ولا يرفُضُنا. وليُمِلْ بقلوبِنا إليه لنسلك جميع طرقِه ونعملَ بوصاياه.." (1مل8: 57).

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com