الأحــد الثالث للكنيسة ! ********<>******** 2018.11.18


تتلى علينا اليوم القراءات : عدد7: 1-11 ؛ عب9: 5-15 ؛ يوحنا2: 12-22 وعدد9: 15-18

القـراءة : عدد 7 : 1 - 11 ؛ 9 : 15 – 18


تقُّصُ خبر تدشين خيمة الأجتماع وقرابينِ رؤساء القبائل. وشملت القرابينُ" ستَّ عِجلاتٍ و آثني عشر ثورًا"، هذه لخِدمةِ الخيمة أي قوتًا للكهنة واللاويين خُدام الخيمة. أمَّا لأدوات الخدمة ولقرابين الذبائح فقدَّم رئيسُ كلِّ قبيلةٍ " قِصعةً من الفضّة وزنُها مئةٌ وثلاثون مِثقالاً، و مِنضحَةً من الفِضَّة وزنُها سبعون مثقالاً بالوزن الرسمي، كلتاهُما مملوءَتينِ دقيقًا ملتوتًا بزيتٍ للتقدمةِ، ومِجمَرةً من ذهبٍ وزنُها عشرةُ مثاقِل مملوءةً بَخورًا، وثورًا من البقَر، وكبشًا وخروفًا حوليًا للمُحرَقةِ، وتيسًا من المَعَزِ لذبيحةِ الخطيئة، ولذبيحةِ السلامةِ ثورين وخمسة كباشَ وخمسةَ تيوسٍ وخمسة خِرافٍ حولية "(عدد7: 13-18 أو84-88).

الخيمة والشعب !

الخيمةُ موقع إلتقاء الشعب بالله. الله يحضر بين شعبِه ليطمَئِنَّ هذا الأخير ويتآلفَ في التعامل مع الله والتواصل معه بشكل محسوس فتصبح العلاقة بينهما حميمة. يُعطي الله شعبَه فرصة التوَّدد إليه أكثر من الخوف منه. إنما عليه أن يتعَّلمَ أن يُحافظَ بينهما على المسافة الضرورية كي لا يستصغر الناسُ حضورَ الله ولا يتجاهلوه أو ينسوا فضله عليهم وإحسانه إليهم. وحتى يدوم حضورالله وتبقى العلاقة حميمة على الشعبِ أن يُبادرَ بدوره فيُبديَ أولاً إعترافَه بجميله ، وثمَّ آستعدادَه للبذل والتضحية بما يجودُ به الله نفسُه عليه لأجل تلطيف خاطرِه وإراحةِ بالهِ عنهم أنَّهم في مستوى التعامل مع جلالِه وقداستِه، وعدم إحدارِه الى مستوى ضُعفِهم وصِغَرِ نفسيَتِهم.
فالقرابينُ دليلُ هذه العلاقة البَّناءة والمريحة بدءًا بواجب الأعتراف بفضل الله، ثم بضعفِ و تقصير الناس و أخيرًا بأنَّ حياتَهم وحياةَ خيراتِهم هي مُلكُ الله جادَ بها عليهم فيحمون حياتَهم ويفدونها بآستعمال خيراتِهم لمجدِ الله وللتكفير عن مخالفاتِهم. فلا يعظمُ شيءٌ في عيونِهم أكثر من الله بل يكونون مُستعِّدين لبذلِ كلّ ما لديهم إرضاءًا لله وتكريمًا لمجدِه ورحمتِه. و بما أنَّ الله باركَ الشعب وكَرَّمَه بنوع خاص و وعدَه بأن يستمِّرَ بهذه البركة، فيُبادله الأنسان بعرفانِه بالجميل وبحمدِه. ويُعَّلمُهم الله كيف يُرُّدون له الجميل ويُعَّبرون عن تكريمهم ومحَّبتِهم له و عن آستغفارِهم أيضًا عن ذنوبهم. لمَّا أخطأَ آدم لم يُعَّبر لله عن ندمِه وتوبتِه. ولا فعلَ ذلك أهلُ الطوفان أو سدوم وعمورة، فأهلكتهم خطاياهم. ولا يريدُ الله أن يستمِرَّ الأنسان فيتجاهلَ حُّبَ الله ورحمتَه، فيهلكَ بسبب جهلِه. لذا عَّلمه كيف يتوبُ ويدفع ثمن خطاياه بمالِه و خيراتِه وليس بفقدان حياتِه. علَّمَه أن ما جادَ به الله عليه لم يُعْطِهِ إيَّاه ليطغيَ عليه فيُفسِدَه ويقودَه الى الهلاك. بل ليُديمَ حياتَه على الأرض ويحيا المحبة، لله أولاً ثُمَّ للقريب، بآستعمال خيراتِه الزمنية. و سيُوَضَّحُ يسوع ذلك علنًا :" ماذا ينفعُ الأنسان لو إقتنى العالمَ كلَّه وخسرَ نفسَه"؟. أو" بماذا يفدي الأنسانُ نفسَه " إذا لم يكن مُستَعِّدًّا أن يُضَّحيَ بماله وخيراتِه لأجل الحَّق ولأجل من كَرَّمَه بها ؟ (متى16: 26). إنَّه يُعيدُها فقط الى صاحِبها. لأنَّ " للرَّبِ الأرضَ وما عليها" (مز24: 1)، ولأنَّ " كلَّ عطيةٍ صالحة وكلَّ هِبةٍ كاملة تنزلُ من فوق من عند أبي الأنوار"(يع1: 17). وأضافَ أيضًا " إجعلوا لكم أصدقاءَ بالمالِ الباطل" (لو16: 9). وهكذا يتعَّلم الأنسان أنَّ ما يملكه ويقتنيه ليس ثمرة جهده وعقله وبقوة ذراعِه، ولأجل حاجتِه الخاصّة فقط، بل هو أولاً مكرُمَةٌ من عند الخالق، وثانيًا للحاجة العامة. ويحتاجُ الأنسانُ فقط أن يُبادِرَ فيبذِلَ جُهدًا ليحصلَ عليه بعدَ أنْ أنعمَ الله عليه به، وألا يبخُلَ به قط من أجل واجبٍ أو خيرٍ أعظم.

قرَّبَ الرؤساءُ قربانَهم !

لماذا رؤساءُ الأسباط وليس ربُّ كلِّ أسرة؟. يريدُ الله شعبًا مُتجانِسًا ، مُتماسِكًا ، متضامنًا و مُتكاملاً. ليست الأسرةُ " أُمَّةً ". إنها نواةُ الأُمَّة. وحتى تتكَوَّن أُمَّةٌ يجب أن يقومَ بين الأُسَرِ روابطُ تفوقَ تلك التي للدم. لأنَّ رابطة الدم ليست إرادية مُختارة. والرابطة التي تُكَوِّنُ الأمَّة يجب أن تتأسَّسَ على إرادة الأنسان فآختيارِه. وهذه تُبنى على المعرفة والتقدير. وضروريٌّ أن تمتلكَ الأُمَّة هذين العنصرين. بالمعرفة تظهرُ المواهبُ الخاصَّة وبالتقدير والمحبة يتحَّققُ القبول المتبادل بين أفراد الشعب الواحد، والمنفعة العامّة. وتظهرُالمواهب والتقدير في النظام الذي تتطلبُه كلُّ مجموعةٍ مُتَّحدة وفاعلة. هناكَ من يُرشد ويقود فيأمر، وهناك من يخضع و يُنَّفذ. و لكي يكون الشعبُ مُتَّحِدًا، " واحِدًا "، يجب أن يكون له رئيسٌ يُمَّثلُه ويتصَّرفُ بآسمِه ولأجل منفعتِه. ولكي تتفاعل الأسباط مع بعضها وتتعاون للخير العام يجب أن يكون لها كيانها و مُمَّثلُها لكي لا تذوبَ ببعضِها فيعدم التنافس، ولكي لا ينفَرَّدَ أخدٌ بمصلحتِه ويهملَ الخير العام. يريدُ الله لشعبِه ديمومةً في ظل خيمةِ الأيمان.
قرَّبَ رئيسُ كلِّ سبطٍ القربانَ، لكنَّ مواده وَفَّرَها أبناءُ السبط كلُّهم. كُلُّهم مؤمنون ومتَّفِقون في المشاركة في خدمة " مسكن الله " ( الخيمة ) وتوفير كلِّ حاجاتِه. فالإتّفاقُ، كان لعامَّةِ الشعبِ أم خاصًّا بسبطٍ مُعَّين، ضروريٌ لعيش الأيمان الواحد والأمانةِ لوصايا الله وفرائضِه. ونجاحُ كلِّ شعبٍ أو مؤَّسَسةٍ يتوقَّفُ على وحدةِ أفرادِه في القلب وآتّفاقِهم في العمل. وسيُشَّكلُ المسيحُ شعبَ الله الجديد أيضًا، الكنيسة، على أساسِ قيادةٍ واحدة يلتفُّ حولَها كلُّ أعضائِها، مُتَّحدين ببعضهم : كلُّ منطقةٍ مُحَّدَدة من خلالِ رئاستِهم المحَّلية ، الأسقف، ويتَّصلُ مؤمنو جميع المناطق مع رأس الكنيسة الواحد من خلال كل الأساقفة مُمَّثليهم. والأساقفةُ هم الذين يضمنون إستقامة إيمان المؤمنين في التعليم والعبادة. يقرَّبون عن الشعب ذبيحة المسيح وكل صلاة، وببتقادم الشعب وهداياه يضمنون توفير مستلزمات البشارة والتعليم وحياة خدمة المذبح. ويكون الله حاضرًا بين أبناء الكنيسة لا فقط في هياكله الحجرية، بل خصوصًا في هياكله الروحية، في المؤمنين الذين يسكن فيهم" روحُ الله القدوس" (1كور3: 16-17)، حتى أصبحوا " هيكل الله الحَّي" (2كور6: 16-17)، وخيمته القدوسة.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com