الأحـد الثاني لمـوسى ! *******<>******* 2018.10.21


تتلى علينا اليوم القراءات : تث11: 13-12: 1 ؛ غل5: 1-26 ؛ لو8: 41-56

القـراءة : تثنية 11 : 13 – 32


يستمرُّ موسى في إيصال كلام الله الى شعبه داعيًا إيّاه الى الألتزام، بحُّبٍ بنوي وثقةٍ عالية، بكلام الله في كلِّ أبعاد الحياة. وأولى كلمة لله هي " أحبب الرَّبَ إلهَك"، وثانيها " أُعبدِ الرَّب إلهَكَ". والعبادة تعني الأعتراف به إِلَهًا وحيدًا فريدًا، لا إلهَ غيرُه، خالقًا خَيِّرًا وراعيًا مُعتنيًا وحاكِمًا عادلاً. يضمنُ حياة من يُحّبُه ويوَّفر له كلَّ الخيرات. وحذارِ من البطرنة ومن فتنة المخلوقات التي تغري وتجرفُ بعيدًا عن الله. والمحبة تعني أن يُغَّذيَ المؤمنُ مشاعرَ البُـنُوَّةِ تجاه الله فيتعاملُ معه كمع أبيه وحاميه وضامن حياتِه. لا يخافُه، لا يستحي منه، ولا يتهَرَّبُ منه. فالحُّبُ يُقَرِّبُ البعيدين ويُوَّحدُ القريبين.
وعن الحُبَّ أوحى الكتاب أنه أعظم من كلِّ شيء ، حتى من الأيمان. فقد قال :" الآن يبقى الأيمان والرجاء والمحبة، وأعظم هذه الثلاثة هي المحَّبة". وأضاف :" لوكان لي الأيمان لأنقل الجبال ولا محبة عندي، فما أنا بشيء" (1كور 13: 2 و13). فعلى المحبة " تقومُ الشريعةُ كلُّها وتعاليمُ الأنبياء" (متى22: 40). فالوصايا كلُّها تتلَّخَصُ في هذه الوصية " (رم13: 8). والحُّبُ وحده خالدٌ إلى الأبد" لأنَّ الله محَّبة " (1يو4: 8)، وهو الذي أحَّبنا أوَّلاً (1يو4: 19). وبسبب حُبِّه العظيم خلقنا، ولم يعاقِبْنا على خطايانا، بل " بذل إبنه الأوحد.. و أرسله الى العالم.. ليُخَّلِصَ به العالم" (يو3: 16-17). فالحياة كلها والكون بما فيه من كائنات وخيرات، الوجودُ ذاته قائم على المحبة.

كأيّام السماء على الأرض !

فإذا بنو إسرائيل، ومثلهم كل الناس، أحَّبوا الله حفظوا وصاياه. وإذا حفظوا وصاياه وعملوا بها "فساروا في كلِّ طرق الله وتمَسَّكوا بها" تكون حياتهم عندئذ ٍسماوية، مثل حياة الله، و تكون السماء على الأرض. سماءُ الله، مملكتُه، لا تستتبُ على الأرض الترابية، في بلدٍ ما، بقوة السلطان والسلاح، بل هي" في فكر الأنسان وقلبه". إنَّ " ملكوت الله لا يجيء بمشهد من أحد، ولا يُقال: ها هو هنا ! أو ها هو هناك! إنَّ ملكوت الله في داخلكم" (لو17: 20-21). يبَّلغ موسى شعبَه ويُفهِمُهم أنَّ الله، الذي خلق الأنسان على صورته الخاصة، يُطالبُ الأنسان لا أن يُجري معجزات وعظائم بل فقط أن يعيشَ حياة كريمة تليقُ بمقامِه، ويُحَّققَ بذلك بوعيٍ وحريةٍ وكرامة راحَته ويتنعَّم مثل الله ومعه. وهذا لا يتحَقَّق إلا إذا إمتلأ الأنسان من فكر الله ولاسيما من روحه. وعَبَّر عنها موسى قائلا:" إجعلوا كلامي هذا في قلوبكم، وفي نفوسِكم، و آجعلوه وشمًا على أيديكم، وعصائبَ بين عيونكم.. وآكتبوه على قوائم أبوابِ بيوتِكم..". أن يكون المؤمن مُغَّلَفًا بكلام الله كأنه في داخل دائرة الله فلا يمكن أن يُخالفَه، بحيث يحتويه الله كليًا ويُقَّدسُه نفسًا وجسدًا؛ " يُظلِّلُه بخيمته .. ويمسحُ كلَّ دمعةٍ تسيلُ من عيونِه" (رؤ7: 17). فتُصبحُ الحياة على الأرض رسمًا وأساسًا لبيت الله، وتتحَّققُ بذلك سماءُ الله على الأرض.

علِّموه بنيكم !

وهذا نموذج الحياة الألهية على الأرض ليس حَكرًا أو فرضًا فقط على "بني إسرائيل"، في زمن موسى. بل يتحَّداه إلى الأجيال التالية. الشعب يتبنَّى هذه المُهّمة التي من أجلها إختاره الله، وصنع معه آياتٍ عظيمة ليكتسب القناعة والثقة فيتدَّربُ عليها ويُبَّلغُها إلى الآخرين. و أول المشمولين وأهمهم الجيلُ الناشيء الذي لم يُعاين قدرة الله ولا رأى شيئًا من المُدهشات ولا من التأديبات، فعلى" الآباء " (الوالدين) الذين شاهدوها وسمعوا الله يُحَّدثهم من بين النار وفي الغمام، وغفر لهم أخطاءً وتمَّردات كثيرة، أن يُلَّقنوه بالتفصيل لأولادهم، في كل الأوقات والآماكن :" إذا جلستم في بيوتكم، وإذا مشيتم في الطريق، وإذا نمتُم ، وإذا قُمتم ..". النور الذي توَّشحوا به يجب أن ينقلوه كاملاً، جيلا بعدَ جيل، كي لا ينطفيءَ نور الأيمان والمحبة ، بل يبقى مُضطرمًا طوال الدهر" يُضيءُ للجالسين في الظلام وفي ظلال الموت" (لو1: 79) لتهتدي به الشعوب الوثنية . يقول الرب" جعلتُك عهدًا للشعوب ونورًا لهدايةِ الأمم..وخلاصًا الى أقاصي الأرض" (اش 42: 6؛ 49: 6؛ لو2: 32). واجبُ تهذيب الأولاد وتربيتهم وتدريبهم على نموذج حياة السماء على الأرض يقع أولاً على عاتق الوالدين. لم يكن لهم بعدُ مدارس، بل حتى اليوم مع وجود مدارس ومعَّلمين يبقى البيتُ " المدرسةَ الأولى" منها تنطلق شرارةُ الحياة الألهية في سلوك الأنسان، فيتثـقف منها الأبناء و يشُّعون الحَّق والمحبة ويحيون براحةٍ وهناء، لإِدامة ملكوت الله وتمديده الى نهاية العالم.
كما عَلَّم الله أبناءَه سبيل الحياة بعد أن وَلَدًهم هكذا يلزم الوالدين أن يعَّلموا أولادهم المؤمنين الذين أمَّنهم الله عليهم لأنهم ولدوا أبناء له " من كلامه الحَّي" (1بط1: 23). إنَّه إلتزامٌ خطير لا مناصَ من أدائِه لأن المحاسبة َعليه ثقيلة. الطفلُ غالٍ عند الله ومادَّةٌ خام وحقلٌ لم يُفلح بعدُ يتلقَّف سريعًا كلَّ ما يرى ويسمع. ومعلمه ونموذجه هما الوالدان. فإن لم يزرعوا في حقله الحنطة سينبت فيه الشوك والزؤان، وإن لم يتعرَّف من والديه على الله، من هو وماذا فعل للأنسان وكيف يجب حفظ كلامه، سيجهل الله ويتبع آلِهَةً أخرى ويهلك، والذنب على الوالدين. لذا حَذَّرَ موسى الشعب من مغَّبةِ تجاهل الله في سلوكهم وفي أداء دورهم التعليمي، :" إحذروا أن تُفتَنَ قلوبُكم فتزيغوا وتعبدوا آلهةً أخرى.. سيشتَّدُ غضبُ الرب عليكم .. فتبيدون بسرعةٍ عن الأرضِ الصالحة التي يُعطيكم الرب ".

فآحرصوا ... !

وجود المؤمنين لا يفترضُ زوال الضالين والفاسدين كما لا يشترطُ ثباتُ الأبرار إبادة الأشرار. بما أن الأنسان مجبولٌ بالحواس، وهي ضرورية للعيش على الأرض، فلا بُدَّ من العثرات. فقد تتغَّلبُ الشهوات الحسية على الروحية، ويُفتـتَنُ الأنسان بالمغريات المادية و المباديء الدنيوية. فدعا الله شعبه أن يكون حريصًا على المباديء التي تلقاها منه تعالى ولا يتساهل مع الهوايات الحسية والذهنية الدنيوية. فالذي خدع أبَ البشرية فأغواه بالحواس لا يزال يعملُ لأغواء البشرية كلها فيجُرَّها الى الهلاك. فالمغريات لا تُحصى، و وسائل الأغواء خدّاعة ومَّكارة فعلى المؤمن أن يحرص لئلا ينزلق فيسقط. عليه حتى يحميَ نفسَه أن يُحاربَ تلك المغريات وأن يثق بكلام الله ويتقيَّد به، حتى لو أصابته الشدَّة والضيق، متذكرًا حبَّ الله ورحمتَه ، وأن المحنة تزول وتنتهي بإكليل الظفر إذا صمد على الحق ولم يتخَّلَ عن الله.

القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com