الأحــد 7 لأيليا و4 للصليـب ! ***********<>*********** 2018.10.07


تتلى علينا اليوم القراءات : تث10: 12-22 ؛ 1كور14: 1-33 ؛ متى18: 1-18

القـراءة : تثنية 10 : 12 – 22


قبلَ سبعين سنة ، ونحن صغارٌ نتَلَّقى التعليم المسيحي في مدرسة الكنيسة، كنا نرُّد، بعفويةٍ وبساطة، على سؤال الشماس :" لماذا خلقنا الله "؟، فنجاوب :" لكي :- نعرفَه ، ونُحِّـبَهُ، و نعبُدَه، ونرثَ ملكوتَه ". كنا نتَصَّورُ مثل كلِّ الناس أنَّ ذلكَ حملٌ تضَعُه الكنيسة على عاتِقِنا وتعَبٌ نتَحَمَّلُهُ مُقابلَ أن ندخُلَ السماء. أمَّا اليوم وبعدَ أن إطَّلعنا على الكتاب المقدَّس ونقرَأُه بشغفٍ ولَذَّة، فقد أدرَكْنا أنَّ ما عَلَّمته الكنيسة بأسلوب بسيط تستسيغُه كلُّ فئاتٍ المؤمنين لم يكن سوى الحقيقة، سوى معنى وجود الحياة، فنكون مع خالقنا في علاقة تفاعلية تكفلُ تحقيق وجودنا بشكل سهل ومريح وهنيئ. تلك هي مشيئة الله، تخطيطه الأزلي، وذلك هو سبيلُ الحياة الزمنية لضمان الحياةِ الأبدية، حياة السعادةِ والنعيم الخالدين.

ما يطلبُه الرَّب !

ففي قراءة اليوم نكتشِفُ فعلاً إرادةَ الله في خلقِ الأنسان وفي كلِّ ما صنعه له عبرَ الأجيال و ما يطلبُه منه. يُعلنُ موسى لشعب إسرائيل ما يطلبه الله منه :" ألا تخافَه ، وتسلكَ في كلِّ طرقِه، وتُحِّبَه ، وتعبُدَه بكل قلبِكَ وكلِّ نفسِكَ..لتدخلوا وترثوا الأرضَ التي أقسمتُ أن أُعطيَها لآبائِكم ". لم يطلبُ الله من الشعبِ أن يدفعَ له " ضريبَةً" ليمتلك فيغتنيَ. الخيرُ والثروة وكلُّ " عطية صالحة وكلُّ هبةٍ كاملة من عند أبي الأنوار" (يع1: 17). لم يطلب منه أن يُشَّكلَ جيشًا ويصنع سِلاحًا ويُحاربَ من أجلِه، دِفاعًا عن حقوقِه. فالله قادرٌ على أن يحمي نفسَه و يجمع بلحظةٍ " إثني عشرَ جيشًا من الملائكة" (متى26: 53). لم يطلبْ منه حتى ولا أن يبنيَ بيوتَ عبادةٍ فخمةً وهياكلَ تُبهرُ الناظرَ إليها (1أخ22: 5). بل أكَّدَ أنَّه هو الذي يبني له ، و للأنسانية، بيتًا أبديًا، نسلاً يملك للأبد (أخ17: 10-14).
ما طلبَه الله من شعبِه، ويطلبه من كلِّ إنسانٍ، ألا يعيشَ في الجهِل، ولا يسلكَ بالغريزة، ولا يفقدَ رُشدَه فيصنع لنفسِه ، بيدِه، آلِهةً خشبية أو معدنية ، آلهة مَيِّتة تُحني هاماتِها للشهوات و المَلَّذات. جُلُّ ما يطلبُه الله من شعبِه أن يكون " صورةً حقيقية " من الله في" الوجود اليومي" ، أي سلوك درب العقل فالمنطق، لتمييز الخير الحقيقي، ولآختيار السبيل الذي يضمن حَقَّ التنَّعم للأبد في فردوس الحياة مع الله. يطلب الله من الأنسان أن يحيا كـ " إِلَه"، لا مُرغَمًا مثل طفلٍ بل بوعيٍ وحُرِّيةٍ وإرادةٍ صادقة وثابتة. أن يحيا في البرارةِ وقداسةِ الحب. نعم أن يُحِّبَ اللهَ الذي سبقَه فبادرَ أولاً فأحَّبَه فأوجَدَه، مثل إبنٍ لأبيه. فقد قال الله :" أكون له أبًا وهو يكون لي إبنًا " (1أخ17: 13). ليس الله بحاجة إلى الأنسان حتى يساوِمُه ويُقايِضُه. لم يخلقِ اللهُ الأنسان ليُشَّغلَه فيغتنيَ بما يُنتِجُه. بل خلقَ الله الكون وخيراتِه والزمن وأنظمتِه ليٌسَّهِلَ حياة الأنسان مُوَّفرًا له كلَّ حاجاتِه ومُستلزماتِ راحتِه وهنائِه. وفعلَ ذلك قبل أن يوجدَ الأنسان، كما يفعلُ الوالدان عندما يكونان بآنتظار طفلٍ فيُهَّيئان له مُسَّبقًا كلَّ ما يحتاجُه. بل وأكثر كلَّ ما يتمكَّنان من توفيره ليتمتع طفلهما منذ ولادته بأعَّز حياة. نعم كان الأنسان عزيزًا، ولا يزال، على قلب الله بحيث وفَّرَ له أكثر من حاجتِه. خلَقَ له كلَّ ما كان ممُكنًا. وحتى يُحافظ على كل تلك الخيرات أرشدَه الله إلى "سبيل الحَّق والحياة "، طالبًا منه أن يمكثَ في خيمتِه تعالى ويثبتَ في محَّبتِه له ويستمِرَّ على السير في نور وصاياه و إرشاداتِه.

لا تُعاندوا الرب !

ومن منطلق العلاقة البنوية لله دعا موسى الشعبَ، ومن خلالِه الأنسانيةَ جمعاء، إلى " أن لا يخافَ الله"، من جهة، ومن أُخرى إلى" ألا يُعاندَه ". فالخوفُ يأتي من عدم محبة، والعنادُ من عدم ثقة. أما الذي يحب الله ويثقُ به فهو مُطمَئِّنٌ إلى توجيهاتِه ومبادِئه الحيوية إذ يُحّسُ بأن أباهُ السماوي يَغمرُهُ بكثرةِ محبته ولُطفِه وعنايتِه ولا يريد له سوى الخير والراحة. وبتبادل المحبة مع الله تثبت القناعة بقدرته والثقة بعنايته وتسمو معرفته، ويزولُ كلُّ شعورٍ بالغربة عنه. وإذا لم يكن الله غريبًا عنا فهو قريبٌ منا. وقربُه منا يفتح علينا باب حياتِه ليغمُرَنا بعونه وأفضالِه.

أَحّبُوا الغريبَ !

كان بنو إسرائيل غرباءَ في مصر. لكنهم لم يكونوا غرباء عن الله. بل كان اللهُ قريبًا منهم يسمعُ تأَّوهاتِهم الأليمة وصُراخَهم المُرَّ، ويرى معاناتهم القاسية وعذابَهم الشديد، ولم يتحَمَّل ظلمهم فقرَّرَ أن يُنقذهم (خر3: 7-8). وإذ أدان اللهُ معاملة المصريين الظالمين لا يُريدُ أن يسلك شعبُه نفسَ السبيل. بل يدعوهم إلى تعَّلم الدرس. البشرُ كلهم إخوة وليسوا غرباء عن بعضهم بسبب لغةٍ كانت أو قومية أو حضارةٍ أو لون البشرة. ولا يجوز لأحد أن يستغلَّ أو يستعبدَ أخاه الأنسان لأنه لا يقربه بالدم. قد يكون غريبًا بسبب سكناه في أرضٍ بعيدة. لكنه يبقى " إبنًا لله" خالقِه وراعيه. صورة الله الواحدة في جميع الناس تجعلهم إخوةً أبناء أبٍ واحد :" الله "!. الله قدوسٌ ومحب، "لا يُحابي ولا يرتشي"، يهتَّم بالمعوزين، ولا ينسى حتى المتمَّردين عليه أو "قساة الرقبة والقلب". أمور بشرية وزمنية كثيرة تُفَّرقُ بين الناس ، و تجعلهم غرباء بعيدين عن بعضهم، وبالتالي تُقَّللُ من المحَّبة تجاه بعضهم البعض. ومصالحُ دنيوية عديدة و مواهب تُمَّيزهم عن بعضهم. لكنَّ روحًا واحدة تُنعشُ جميعَهم وتُنَّميهم هي صورة الله الأب السماوي. لذا دعا الله شعبَه، وأراده نموذَجًا لكل الشعوب يتنَّورون به، أن يهتم ويعتني بمن لا يتقاسمون معه الأرض واللغة والدين، مُتحَّديًا بذلك الغرائز الطبيعية ليُفَّعِلَ موهبته الروحية. الغربة مرة وقاسية. إختبرها الشعب. فلا يُعاملَ غيره كغريب. بل يصنع للآخرين ما ينتظره منهم كما قال الرب :" عاملوا الآخرين مثلما تريدون أن يعاملوكم. هذه هي خلاصة الشريعة " (متى7: 12).


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com