الأحـد الـرابع للصيف ! ********<>******** 2018.07.29


تتلى علينا اليوم القراءات : تث5: 16-6: 3 ؛ 2كور10: 1-18 ؛ مر7: 1-16

القـراءة : تثنية 5 : 16 ــ 6 : 3

يستمِرُّ موسى في تذكير الشعب بالعهدِ وبدستورِه الذي هو وصايا الله، ويُشْفِعُه بسَّنِ الشريعة التي تُرشدُ الى كيفية تنفيذ بنود العهد في السلوك اليومي للحياة الأجتماعية. وتبدو تطَّورات في الفكر وولوجٌ في العمق لإدراك روح الوصايا.

سبت الراحة !

ففي حين ربط موسى ، في إعلانه الأول للوصايا، راحة السبت بالخليقة فتحَدَّث عن راحة الله ، وراحة الأنسان مثله ولأجله (خر20: 11)، ربطها هذه المرة بالخلاص الذي إختبره الشعب بتحريره من العبودية والذي أجراه له الله (تث5: 15). فراحة الأنسان هي رغبة الله ومشيئتُه عند خلقِه، عند تحريره من ظلم البشر على يد موسى، وعندما سيُحَّررُه نهائيًا من عبودية الشرير والخطيئة على يد المخلص الألهي يسوع المسيح. وإن كان الربُّ قد أوصى بالراحة فلكي يُعَّلمَ الأنسان ويساعدَه حتى يتحَرَّر من عبودية نفسِه، عبودية الرغائب والملذات الجسدية وعبودية المباديء المادية الدنيوية التي تقود الى الموت لأنها تمَرُّدٌ على الله (رم8: 6-8).

ثبات العهد !

يُشَّددُ موسى على الأمانة للعهد والوفاء للإلتزامات التي وعد بها الشعبُ. فالعهد لا يتعَّلق بموسى حتى يبطل بموته. ولا يرتبط بالأرض، برية سيناء، حتى يزول بالخروج منها و دخول أرض الميعاد. ليس العهد مؤَّقتا مرتبطًا بفترة الهجرة حتى ينتفي مفعوله عندما يستقر الشعبُ في وطنه موَّدعًا حياة البداوة. العهد أبدي مثل صاحبِه الذي لا يتغَيَّر، لا بذاته ولا بكلامه ولا بأفعاله (يع1: 17). ولا ينسخ منه شيئًا ولا يزيد عليه حرفًا. عهد الله حقيقةٌ قاعدة للحياة مدى الأجيال، آنيةٌ في كل بلدٍ وبيئةٍ وأُمَّة وزمن. وصايا الله هي دستور حياة الأنسانية مدى الدهر. فلا يجوز للأنسان أن يتلاعبَ بها، لا أن يُغَّيرها ولا أن يُضيفَ عليها ولا أن يحذف منها شيئًا ولا أن يُفَّسِرَها على هواه (2بط1: 20-21). إنها نموذج الحياة المثالية كما في الله وسبيلٌ لتقديس الذات. فيدعو الله شعبَه إلى أن يتمسَّك بها وتُصبحَ قوتَه الروحي. يتمنى الله منه " أن يخافَه ويعمل بوصاياه طوال الأيام، لينالوا خيرًا هم وبنوهم إلى الأبد" (آية29).

جودة الوساطة !

ذكَّرَ موسى الشعب بوساطته لهم عند الله. لقد أخطأوا خطأًا جسيمًا عندما صنعوا صنمًا و عبدوه فتشَّفع عند الرب فغفر لهم (خر32: 1-14)، وعندما لم يثقوا بقدرة الله وحمايته ثم خالفوا أمره فحاربوا العمالقة وآندحروا فتشفع لهم موسى من جديد ونال لهم غفران الله (عد 14: 1-19). سمع موسى حماه مرَّة والشعبَ مرَّةً ثانية ان يُمارسَ دور الوساطة للشعب عند الله (خر18: 19-20)، فيؤدي المطلوب منه كما قال له الشعب :" إقترب أنتَ وآسمع جميع ما يقوله الرَّبُ إلَهُنا، وكَّلِمنا بجميع ما يُكَّلِمُكَ به، فنسمع ونعمل به "(آية 17). لقد إستحسنَ الله المطلبين:" أحسَنوا في جميع ما قالوا" (آية28). لقد إختارالله موسى وسيطًا له فأرسله الى الشعب والى فرعون لأجل تحريرهم، ثم زوَّده بالتعليمات والأرشادات ليقود الشعب إلى أرض الميعاد. لم يختَرْه الشعبُ للمهّمة. وفي أول فرصةٍ سانحة ضاجوا منه وتحُجَّجوا على غيابه فآستلموا القيادة وأعطوا الأمر لهارون أن يفعل ما يأمرونه به (خر32: 1). و في ثاني فرصة عند عودة بعثة التجسس تآمروا عليه ليتخَّلصوا منه (عد14: 2-4). فعندما أرسل الله اليهم موسى قائدًا ورئيسًا لم يبدِ الشعب موافقته ولا إستطاعوا أن يرفضوه لأنَّ الله بيَّن بمعجزات باهرة أنه " رجل المهمات الصعبة "، رجل الساعة المنقذ من الظلم والشقاء. لم يكن لهم لا إختيارٌ ولا مُرَّشَحٌ بديل. وبعد خبرة الخروج من مصر ، وشَّقِ البحر الأحمر أمامهم ، ولقاء الله على جبل حوريب، ولاسيما تعامل الله معه بفعل مباشر أقنعهم أنه لا مَفَرَّ من القبول به والخضوع لتوجيهاتِه.
هنا إكتملَ العهد عندما إقتنع الأنسان أن يثق بالله ويقبل بوعيٍ ورضًى تامَّين مشيئته وتدبيرَه. هنا عندما إختبرَ الشعبُ أنَّ التعاملَ مع الله يتطلبُ مستوًى من القداسة لا يتوَّفر دومًا عند كلِّ الناس. هنا عندما تأكَّدَ الأنسان بأنَّ التواصل مع الله لا يتحَقَّقُ على أيدي أي فرد من الشعب. إنَّهم بحاجة الى خبير بفكر الله وروحه، إلى صديقٍ له أو نديم يتحَدَّثُ معه، كما يحاورالناس، بدالةٍ وثقةٍ وآحترام. فأقتنعوا بضرورة أن يوجدَ وسيطٌ بينهم وبين الله. وآقتنعوا أيضا أنه من الأفضل أن يختار الله الشخص المناسب، لأنه " فاحصُ الكلى والقلوب" (مز7: 9)، ويعلم من دون ان يسأل (يو16: 30)، فيُمَّيزُ الجديروالقدير من المنافق والهزيل. إقتنع الشعبُ أنَّ المرءَ يتوَّهم ويخطأ في الأختيار بسبب جهله نوايا قلب الأنسان. أما الله فليس" بإنسان ليكذب، ولا كبني البشر ليخطأ فيندم" (عد23: 19). إقتنع الشعبُ أنَّ الحَّقَ هو في أن يستقبلَوا من يرسله الله لهم قائدًا ويتعاونوا معه فيتبعوا إرشاداتِه ويمتثلوا لقراراتِه. إختبروا قُوَّةَ وساطة موسى عند الله لأنه صالحٌ وقديس. شَدَّدَ موسى على دور وفاعلية الوساطة حتى إكتشفَ بألوحي أنَّ الله سيُقيم للشعبِ، وللبشرية جمعاءً، وسيطًا مثله هو، بل يفوقه عظمةً وقدرةً (تث18: 15-19). ويربط موسى ذلك الأمر بحادثة سؤال بني إسرائيل إقامةَ وسيطٍ لهم عند الله. لقد أحسن الناسُ في طلب وسيطٌ لهم عند الله إعترافًا منهم بأنَّ الخطيئة قد نجَّست الأنسان ولم يتطَّهرعنها كليا جميع الناس. فمن إرتفع في سُلَّم القداسة بمستوى إرضاء الله هذا وحدَه، وأمثالُهُ، يقدر أن يتشَّفعَ لدى الله ويُلَّين قلبه على البشر. وسوف يؤَّكدُ يسوع أنَّ موسى عنه تنَّبأَ (يز5: 46)، وسيُعلن الرسل ذلك للعالم ويُؤَّكدون أنه " الوسيط الوحيد المقام بين الله والناس" (1طيم 2: 5)، لأنه ليس فقط وسيطًا وشفيعًا بل " مُخَّلِصًا" لأنه أصبح هو" رأسَ الزاوية " في بناء مملكة الله على الأرض (أع 4: 12). ولأنه هو وحدَه إختَبَرَ شقاءِ البشر وآبتُليَ بذُلِّهم فأصبحَ " قادرًا أن يغيثَ المُبتَلينْ" (عب2: 17-18).


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com