الأحــد الثـالـث للصيـف ! *********<>********* 2018.07.22


تتلى علينا القراءات : اش5: 1-7 ؛ 2كور7: 1-11 ؛ يو9: 1-38

القـراءة : اشعيا 5 : 1 – 7

• كان لحبيبي كـرمٌ !

ينقلُ النبي ما أوحى الله اليه بالرؤيا وسمعه وهو" نشيدُ الكرم"، فيه يتغنى الله بأمجاد شعبه ، بيت إسرائيل، وما كَرَّمه به من نعم وأفضال تكادُ الشعوبُ المجاورة له لا تتجاسر أن تحلمَ بها لعظمتها إذ فاقت كلَّ إمكانية بشرية وكل طموح وكلَّ تصَّور. شَبَّه الله شعبَه " كرمًا" زرعه في أرضٍ خصيبةٍ، فأسكنه في بلادٍ غنيَّةٍ بالخيرات " تدُّرُ لَبَنًا وعسلاً"، من أفضل ما تمَنَّتْه الأممُ القريبة والبعيدة. وحتى لا يتألمَ الشعبُ من فضوليين مُستهترين، ولا يتأذى من أعداءَ مهاجمين طمعًا بخيراتِهم وثرواتِهم حماه بسور عنايته الفائقة القدرة وسَيَّجَ كلَّ فِئاتِ أبنائه بشريعة الحَّق والقداسة معَّلمًا إيّاه سُبُلَ الأخلاق الكريمة الحميدة ليرتفعَ رأسُه بين الشعوب وتتعالى سُمعتُه الطيبة والقديرة، حتى جاءَت الملوك والقادة يتباهون بمجد هذا الشعب ويُبَّجلون إلَـهَه الذي عَظَّمَه وجعلَ له إسمًا مُمَّجَدًا و ممدوحًا بين الأمم، حتى صار يتباهى و يتفاخرُ بنفسِه ، بحالِه وماله وجاهِه.
من جهَةٍ أُخرى" حرثَ الرَّبُ كرمَه ونقّاهُ"، لم يدعه جاهٍلاً يعيش على الغريزة، أو متَسَّولاً يستعطي الفكرَ والآداب من الفُتاتِ التي تسقطُ من مائدة الشعوبِ الوثنية. لقد عقد معه عهدًا أن يكفل سلامه ويضمن له طريق الحياة، فأوصاه كيف يتعاملُ مع الله الواحد الحق، خالقِه ومُخَّلصِه ومرشِده، وكيفَ يتفاعلُ مع كل الناس على قاعدة المحبة ،" أحبِب الله ، وأحبِبْ قريبَك كنفسِكَ". وكما يحرثُ الفلاح الأرضَ ويُنَّقيها من الحجارة والحشائش المُضّرة ويبذرُ فيها زرعًا جيّدًا هكذا نبَّه الله شعبَه وحَذَّرَه من عبادة الأصنام وعبادة الذات، ومن الشر و الفساد، ومن النفاق والكبرياء. علَّمه طريق المحبة والتواضع وتقديرالآخر وعدم الأساءة إليه ، من أي نوع كانت الأساءة مادية أو معنوية. زوَّدَ الشعبَ بشريعةٍ تساعده على إدراك أبعاد الوصايا الروحية ، وأعطاهم نفسَه نموذجًا يقتدون به. وعليه يضمنُ حياتَهم ويعدهم بأمجاد النصر وراحةِ السلام والأستقرار. وضمن حضورَه الدائم بينهم و يرمز اليه الهيكل، كأنه بيتُه الذي فيه يلتقون معه ، يُصغون اليه ويقربون له عبادتهم ويقابلهم هو بالسهر على راحتهم و سعادتهم.

• أعطى حُصرُما برّيًا !

وهذا الكرم الذي سقاه بحُّبِه وأنماه بسمادِ جبروتِه إنتظر منه الله ثمرًا شهيًا، ثمرًا على قدر العنايةِ به، جميلا مَبعَثًا للفخر والأعتزاز. كلُّ حقلٍ يُثمر، وكلُّ كرم يتوَّشح بعناقيد العنب الجيّد حسب نوعية بذرِه وبناءًا على الخدمة التي تلَّقاها من صاحبِه. وما أجراه الله لشعبه لم ينعم غيرُه بربع ما حصلَ عليه بيت إسرائيل. ماذا كان بوسع الله أن يفعل له أكثرَ ولمْ يفعلهُ؟. ماذا كان الشعبُ يفتقرُ أليه ولم يوَّفره الله له؟. ماذا كان ينفعُ الكرم ويلزم إجراؤُه ولم يُجْرِهِ الله ؟. ماذا ؟ ماذا ؟. إنتظرَ منهم الرب أن يتقَّيدوا ببنود العهد، خالفواها. إنتظر منهم أن يسمعزا كلامه ويتبعوا شريعتَه، أم هم " فنبذوها وآستهانوا بكلام قدوس إسرائيل"(اش5: 24). إنتظر منهم ثمار القداسة الطيبة أما هم فطالبوه أن يُريَهم أعماله متناسين عظائم مجده التي أنقذتهم من عبودية مصر وأورثتهم جتة الميعاد التي إحتضنتهم وأنستهم شقاءَهم ومأساتِهم. طالبوه أن يكشف مقاصدَه متعامين عن حبه لهم وغيرته عليهم. إستصغروا كلَّ ما وفَّره لهم من مُلكٍ وجاه وراحة، يريدون من الله أن يُبَّررَ لهم عن أفعالِه وكأنه عاملٌ عندهم. لقد تصَّرفوا بجهلٍ ، فتبع الناسُ شهوة قلبهم وأرضوا أهواءَهم ، حتى قال عنهم المزَّمرُ :" قال الجاهل في قلبه : لا إلَـهٌ !. فسدوا ورجسوا بجورِهم. ما من أحدٍ يعملُ الخير.. ضَّلوا كلهم وفسدوا.. و بالله لا يعترفون " (مز14: 1-4؛ 53: 1-5).
إنتظر الله من شعبِه أن يتواصلَ معه فيسلك درب القداسة إذا بالشعب ينحرف وينجرفُ الى الأمور النجسة. إنتظر منهم التصَّرف بالعدل فإذا بهم يظلمون ويغُّشون ويتكَّبرون فيتعالون على الفقير والضعيف ويحتقرونه. طلب منهم أن يُذيعوا أمجاده ويُخبروا بعظائمه ويكونوا " نورًا للأمم وخلاصًا للشعوب" إذا بهم يتقوقعون على منفعتهم ويلتهون بسهرات السُكرواللهو. وإذ لم يعترفوا بالله قلَّبوا موازين الحَّق والبر" فدعوا الشَّرَ خيرًا والخيرَ شَرًّا، وجعلوا الظلامَ نورًا والنورَ ظلامًا" !!. هكذا بدَلا من أن يتهذَّبَ الشعبُ بأخلاق الله وقِيَمِه جرى الشعبُ وراءَ هواه وطالبَ الله أن يُوَّيدَه ويوافقَ على شَرِّهِ. ولم يُبدِ الشعبُ مُبَّررًا لسلوكه الشاذ ولا قدر أن يُثَّبَ على الله مخالفةً أو نقصًا أو عيبًا !!. عليه سيحصُدُ ما قد زرع هو. سينجو زرعُ الله من فساد الشعب. سيحميه الله ، وبالمقايل سيوقفُ حمايتَه لشعبه ويُسَّلمُه ألى جهلِهم وعنادِهم.

• سُبيَ شعبي لجهالتهم !

لن يتخَلَّ الله عن الشعبِ كله. بل عن قادته وعن كل الذين تمَّرغوا بوحل إلحادِهم ونكرانهم الجميل وزوال إيمانهم، فـسيُسْبَون و" يفنون كالحشيش اليابس في اللهيب ويذهبون كالعود النَخِرِ أصلُهم، ويتناثرُ كالغبارِ زهرُهم" (اش5: 24). وحتى السبيُ لن يُقّوِّمَ إعوجاج الأشرار كلهم لأن الشرَّ قد ضربَ أطنابه في جذورِهم. يحتاجون الى تغيير قلبهم وفكرهم. وسيجري الله ذلك على يدي المسيح، الذي عمل في شخصِه الله والأنسان معًا لتنقية النفوس وتطهيرها بعماد الروح القدس والنار. وقد أنهى يسوع تعليمه بـ" أمثلة التينة العقيمة والكرامين" الذين لم يُعطوا ثمارًا لصاحبِ الكرم، فسحبَ الله عنهم إمتياز"كونهم شعبه". لم يُعطِ الله للأنسان الحياةَ ليتباهى بها ويفنيها على الأرض. يريدُ منه أن يُحَّققَ صورة قداستِه وعدالته ومحبته ورحمته. عطيته في المسيح هي للشعب الجديد أعظم بكثير من معجزات التحرير والتوطين و التدبير. في المسيح الله نفسُه عاش معنا وقاسمنا حتىى ذلنا ليرُّدَ إلينا مجدنا الأول ويرفعه ألى درجة أعظم بتبنيا أبناءَ له نُقاسمُه حياته الألهية وخيراته الأبدية. سنحظى بها إذا قَدَّمنا الثمار التي ينتظرها الله من كل إنسان شَبَّهه بالكرمة.


القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com