الأحـد الخامس للدنح ! * * * * *<>* * * * * 2018.01.21

ملاحظة : نظرا لوقوع القيامة في 1/ 4 نيسان لن تتوفَرَّ كلُّ الآحاد المطلوبة حسب النظام الطقسي. فآضطُرَّ المنظم الى تفادي الأشكال بحذف أحدين من الدنح ، ويعَّوِضُ عنها بإضافةِ آحادٍ بعد سابوع إيليا، ودعاها "آحاد موسى". ولم يحذف من الآحاد الأخيرة ليُوَّفِرَّ المجال فتُصَّلى الباعوثة في موقعها الثابت ، ثلاثة آحاد قبل الصوم ، ومباشرة بعد الأحد الخامس للدنح. وعليه نعبرُ من الأحد الثاني الى الخامس


تتلى علينا اليوم القراءات : تث18: 9-22 ؛ عب6: 9- 7: 3 ؛ يو3: 1-31

القـراءة : تثنية 18 : 9 – 22

يُشَّددُ النبي على التحذير من عبادة الأوثان أو الأصنام، ولاسيما من الأنزلاق الى تبِعاتِها فالتحَّلي بالأخلاق السِّيئة. مسيحيون كثيرون يعترضون لاسيما على العنف المذكور في العهد القديم، وبالأخص ما يُعزى مباشرة الى الله، إذ يبدو وكأنه هو الذي يأمرُ إبادة جماعية لشعوبٍ عديدة بقتل حتى أطفالها الأبرياء. في البداية ليس الله هو الذي يأمر بقتل الناس ولا حتى المجرمين. لأنه هو الذي نهى عن القتل بشكل عام في وصيته الخامسة على يد موسى قائلا :" لا تقتل" (خر20: 13؛ تث5: 17)، وبشكل خاص بخصوص هلاك الشّرير، على فم حزقيال النبي، قائلا :" أ بموت الشرير يكون سروري؟ كلا. بل بتوبته عن شرّه فيحيا " (18: 23). فكم بالأحرى لا يأمرُ بقتل الأبرياء لاسيما الأطفال!.
ما يقوله الكتاب عن فم الله لا يعني أنَّ الله هو الذي يأمر. بل إنَّ الأمر يعودُ الى القائد أو الملك الذي يُصدرُه بآسم الله لأنه يعرفُ أنَّ اللهَ يكرَهُ الشَّرَ ويرفُضه، ويتصَّور أنَّه بالقضاء بالسيف على الأشرار يستأصلُ الشَّرَ ويُنهيه، فيُرضي بذلكَ اللهَ ويُوَّفرُ على الشعب الحماية من خطورة المثل السَّيئ. ويتصَّورُ أنه يخدمُ بذلك قضية الأيمان، فيرضى عنه الله. ولهذا يُسدي تعليماتِه ويُعلن أوامرَه بآسم الله لُيعطيَ للأمر سُلطةً أقوى تحملُ الشعبَ على الطاعةِ والأنصياع إليها بسهولة وتنفيذها بجدّية وهِّمة. وقد يفترضُ البعضُ أنَّ على الله ألا يسمح بذلك. ماذا يعني لا يسمح؟. أ ما أوصى وبَلَّغَ وطلب الألتزام بوصاياه وأحكامِه؟. أَ ما ندَّد بالمخالفين؟. ماذا يفعل أكثر؟. أَ يخطأُ الله إذا أحَّبَ الأنسان وآحترم حُريَّته وأعطاه ، بعدَ خطَأِه، فرصة التوبة والحياة ؟. أم على الله أن يتخَّلَى عن لاهوته وعقله وحُبِّه ويتَعَّـلمَ من الأنسان فيستعملَ العنفَ ويعاقب ؟. أم "هل تقول الجبلة لجابلها لماذا صنعتني هكذا" (اش 45: 9)، أو" لا عقل لكَ " ؟ (اش29: 16). لمار بولس جوابٌ صاعقٌ على مثل هذه السذاجة ويقول :" مَن أنت أَّيُها الأنسان حتى تعترضَ على الله "؟ (رم9: 20).
إنَّ الله حَّذرُ الأنسان، منذ قائين، من الأنحدارِ الى مسلك الشَّر. لكن روح العالم طغت على الأنسان فتبع شهواتِه. فحَذَّرَاللهُ شعبَه من الأنجراف وراء " أهل العالم " وتصَّرُفاتِهم، فقال :" لا تتعَّلموا أن تمارسوا ما تمارسُه الأمم من الرجاسات" (آية 9). ولأن الأمم تمارسُ رجاسات " حرق الأطفال للأصنام، وتتعاطى العِرافة والشذوذ الجنسي والسحر..." و غيرها من الأخلاق السَّيئة، فبسببها " سيطردُ الرَّبُ إلهُكم أولئك الأمم من أمامكم. { أما أنتم } فكونوا كاملين عند الرب إلهكم". إنَّ قداسةَ الله تتطلبُ بالمقابل قداسة الإنسان عامة والمؤمن خاصّة. فالمؤمنون " شعبٌ مُقَّدَسٌ للرب" (تث7: 6)،:" أنتم تكونون لي مملكةَ كَهَنةٍ، وأُمَّـةً مقَّدَسة (خر19: 6)، فـ " كونوا قديسين، لأني أنا الربُ إلهُكم قدّوس" (أح19: 2). والشعوبُ التي تتنَجَّسُ بالأدناس والرجاسات يرفُضها الله لأنها تهينُ قداستَه وتتحمَّلُ بالنتيجة وزرَ إثمِها (تث20: 10-18).

• كُن أنتَ وسيطًا للشعب عند الله ! خر18: 19

إنَّ قداسةَ الله تُخيف أحيانًا لاسيما مَن يُوَّبخُه ضميرُه على عيبٍ أو نقصٍ أو إثم. على جبل سيناء خاف الشعبُ من قداسة الله وجبروته اللتين ظهرتا من النار و البرق والدخان فطلبوا من موسى أن يتوَّلى هو الحديث مع الله ويُبَّلغهم بكل كلامه ولا يتعاملوا هم مع الله مباشرة قائلين :" إن عُدنا فسمعنا أيضا صوت الربِ إلهنا نموتُ "(تث5: 25-27). وأيَّد الله كلامَ الشعب. و وافقَ على أن يكون موسى هو الوسيط بينهما. تماما كما سبق يثرون حمو موسى فنصحه بأن يُسَّلم أمرَ قيادة الشعب وقضاءَه الى معاونين له أما هو فيحتفظ لنفسِه الوساطة عند الله " يرفعُ إليه دعاويَهم، ويعلن لهم فرائضه وشرائعه، و يُعَّرفهم الطريق الذي يسلكونه و النهجَ الذي ينهجونه" (خر18: 19-20).
تبع موسى النصيحة وآستطاعَ أن يُنقذ الشعبَ مرتين من غضب الله وأن ينال لهم منه العفو عن سلوكهم الوثني ( خر32: 11-14، و 30-35). وعد الله موسى أن يفعلَ كلَّ ما يطلبُه منه،" الذي قلتَهُ أفعَلُـهُ. لأني رضيتُ عنكَ "(خر33. 17). قلَّما يرضى الله عن الأنسان. لأنَّ الناسَ يُسيؤُون التصَّرفَ. رضيَ عن موسى لأنه كان يثقُ بكلامِه ويحفظه ويُنَّفِـذُهُ. وسيرضى أيضا عن شبيه موسى الذي يُقيمُه الله وسيطًا أبديًا بينه وبين البشر. سيقولُ عن يسوع :" هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيتُ، له اسمعوا "(متى17: 5).
وهذه الوساطة أعظم من وساطة موسى. لأنَّ يسوعَ دعاه اللهُ إبنَه، وأوصى له بالسمع والطاعة، قائلا :" وكلُّ من لا يسمع كلامي الذي يتكَلَّمُ به بآسمي أُحاسبُه عليه". هذا لم يفعله مع موسى. لهذا وعدَ اللهُ الشعبَ أنَّ هذه الوساطة لن تتوقف بموت موسى. بل ستستمّر وتتحوَّل الى حالةٍ أفضل إذ يُقيمُ اللهُ للأنسانية كلها، وليس لشعبٍ واحد، " وسيطًا " أبديًا ينقل الى البشرية ما يكلمه الله الآب ويفعله (يو5: 19و 30؛ 8: 38). وهذا " الوسيط بين الله والناس واحدٌ هو المسيح يسوع الأنسان الذي ضَحَّى بنفسِه فداءًا لجميع الناس"(1طيم 2: 5). يسوع المسيح وحدَه يحمل الى البشرية كلام الله، لأنه هو" الكلمة الألهية " منذ الأزل :" في البدءِ كان الكلمة. والكلمة كان الله"(يو1: 1). هو الله نفسه يتجَّسد إنسانا ويُكَّلم الناس بالحَّق. والناس لن تخافَ منه بل تُحِّبُه وتلتذ بالأصغاء إليه. هكذا يبقى لنا العهدُ القديم تعليمًا ونورًا يشُّع على الجديد يُغنينا بالعبرةِ " نحن الذين إنتهت إليهم أواخرُ الأزمنة" (1طور10: 11)، لأنَّ " كلَّ ما جاءَ قبلاً في الكتب المقدسة إنما جاءَ ليُعَّلمَنا كيفَ نحصلُ على الرجاء.." (رم15: 4). ويبقى يسوع المسيح ، من قَبلِ موسى بل من الأزل ، هو مركز التأريخ وقُـبلة الخلاص ، إذ لا خلاص من دونه ولا بغيرِه.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com