الأحـد الأول للـدنـج ! * * * * *** * * * * 2018.01.07


تتلى علينا اليوم القراءات : خر3: 1-15 ؛ 2طيم3: 1-15 ؛ لو4: 14-30

القـراءة : خروج 3 : 1 – 15 لقــاء موسى بالله.

بعد أربعين سنة من هروبه من مصر، وقد بلغ الثمانين من عمرِه، وبينما يرعى موسى غنم حميه يثرون كاهن مديان، في جبل حوريب، وهو جبل سيناء (أع7: 30)، رأى عوسجةً تلتهمُها النار دون أن تحترق. إستغربَ فآحتارَ فدفعته الفضوليةُ ليقتربَ منها ويتفَحَّصَ الخبر. إنه لَأَمْرٌ غريب، و" مشهدٌ عظيم" يشُّدُ النفس إليه. فتقَّدمَ نحوها ليقفَ على سِرِّها. لكنَّ صوتًا سِريًّا أجفله وسَمَّره في مكانِه. لم يرَ أحدًا لينتبهَ إليه. صوتٌ ناداه بآسمِه ! أمرٌ مُدهِش! من يكون مُختبِئًا وراءَ العليقة أوالشجيرات المنتشرة على الجبل بين الصخور بجانبِ المرعى الوفير؟. يبدو صاحبُ الصوتِ قريبًا أو رفيقًا يعرفه حتى يناديه بآسمِه :" موسى ! موسى". أجابَ موسى سريعًا " نعم"، ولكنْ دون أن يرَ شخصًا أو يتعرَّفَ على صوتِ المنادي. ربما قلقَ أو حتى خافَ، لأنه لم يحدُثْ له سابقًا أمرٌ مثيل.
تابعَ صوتُ المنادي مانِعًا إيَّاه من الإقتراب من النار. وأضافَ " إخلع حِذاءَكَ.. أنتَ واقفٌ على أرضٍ مقَدَّسة". كان موسى ما يزال مرعوبًا. حتى سمع الصوتَ يقول :" أنا إِلَه آبائِك إبراهيم واسحق ويعقوب ". عند معرفة أنه صوتُ الله إطمَأَنَّ موسى قليلاً ، ولكن إعتراهُ خوفٌ من نوع آخر. فالله لا يمكن رؤيتُه. من يراه يموت (خر19: 21) لأنه يتحَوَّلُ الى حالة الله الروحية. فحتى لا ينظرَ اليه " سترَ موسى وجهَه " وقايةً لنفسِه من الموت. لكنه سيشتاقُ بعدَه الى رؤيةِ " مجدِ الله ". هكذا يُسَّمي موسى وجهَ الله. ولمَّا طلبَ ذلك من الله أجابه :" سأعرُضُ كلَّ جلالي أمامكَ .. أما وجهي فلا تقدرُ أن تراه. لأنَّ الذي يراني لا يعيش "(خر33: 18-19).
يبدو الله أنه لا فقط لا يتعالى عن الأنسان، بل أنه قريبٌ منه، يعرفه جيّدًا ، ويهتَمُّ به. إنَّه نارٌ ونور، وقدوسٌ لا يتحَمَّلُ وسخ حتى حذاء الأنسان. وسيلبسُ الله يومًا الحذاءَ في شخص يسوع، وسيتقدَّسُ الحذاءُ بلمس ناسوت الله حتى يصرخ يوحنا ويُعلنُ للملأ أنَّ الأنسان، مهما سما في براءَتِه ومهمته أو موهبتِه السماوية مثله، إلا إنه سيبقى أدنى من مُستوى حمل حتى حذاءِ الله (متى3: 11). هذا من جهة. ومن أخرى كان لبسُ الحذاءِ مقتَصَرًا على السادة. أما العبيد فهم حُفاة لأنهم لا يملكون شيئًا. والله هو سيدُّ الكون وصاحبُ كل خير(يع1: 17). أما الأنسان فلا يمتلكُ شيئًا، إنه" بائسٌ مسكينٌ فقيرٌ عريانٌ وأعمى" (رؤ3: 17). كل الناس فقراء إفتقدَهم الله ليملأ حاجاتهم (لو4: 18). ولأنَّ الكلَّ أخطأ فأعوزه مجد الله (رم3: 23) حُرم من كلَّ خيرٍ ما لمْ يُعطِه له الله. واللهُ هو نفسُه" الذي يعمل كلَّ شيءٍ في جميع الناس .. مُوَّزِعًا مواهبَه على كلِ واحد كما يشاء" (1كور12: 6 و 11). فيبقى موسى نفسُه، إزاءَ الله، عبدًا فقيرًا حتى لو ترَّبى في قصر فرعون وتثقَّفَ وتمَكَّن من كل علوم زمانه، وأدنى من قداسةِ الله ، لأنه ترابٌ واليه سيعود (تك3: 19)، فلا يليق به أن يتعالى حتى ولا على التراب بلبس الحذاء. حيثُ يحضر الله يتـقَّـدَس كلُّ شيءٍ حتى الأنسان، وإلا يهلك !.

• رسالة الله !

أوَّلُ بلاغ الله للأنسان أنَّه لمْ يَنسَهُ، بل يُتابعُ أخبارَه وأخبارَ الكون بدّقةٍ وتمَّعن وعنايةٍ. كيفَ لا والأنسان قد خرجَ من فمِه بنَفَسٍ حي. إنه إمتدادٌ لوجوده تعالى، وحياةٌ من حياتِه. لاسيما هذا الجزء من الأنسانية الذي خَصَّصَه لنفسِه شعبًا يجعله نورًا بين الأمم من خلاله يُعَّرفُ نفسَه لبقية الشعوب، وعلى يده يُضيءُ في البشرية نورَ الأيمان به ويُضرمُ شُعلةَ المحَّبة. لم يتنازل الله عن صورتِه. بل بها تألمَ ولها حَنَا وترأفَ بأبنائِه الحاملين لها. ولن يتأخر كثيرًا حتى يدعو هذا الشعبَ " إبنَه البكر" (خر4: 22).
وإذ تفاقمَ شقاؤُه لم يُقاوم اللهُ إضطرامَ حُّبِهِ له. وسيتكَّررُ ذلك وتدمعُ عيناه فيبكي عند مأساة موت لعازر (يو11: 35). وهكذا يكشف الله عن حُبِّه العظيم للأنسان لاسيما إذا خانه الزمن وآلمته الأقدار. لقد تلَّقى حُبُّه ذبذباتِ البثِّ الأنساني لِعذابِاتِهِ، وطرَقَ أنينُهُ سَمعَه فتحَرَّكَ لأنقاذِهِ. فقال لموسى:" تعالَ أُرسِلُكَ الى فرعون لتُخرجَ شعبي، بني إسرائيل، من مصر" العبودية، حيث " تُعانون الذُّل" (آية 17).
وأيضًا يُعَّرفُ الله بنفسِه ويكشف هويتَه. إنه " الرَّب"، سيّد الكون المطلق. إلَهُ الأقدمين و الأحدثين من البشر. ليس إلهَ بلدٍ مُحَدَّد. ولا إلَه شعبٍ مُعَّين. ولا يتحَكَّمُ فيه الزمن كبقية " الآلهة". إنه ليس صَنمًا صنَعًه البشرُ من طينٍ أو خشبٍ أو حجرٍ أو نحاس. إنه " الوجود الأزلي الأبدي : هو الذي هو"، و الذي لا يزول ولا ينتهي. لا ماضي له ولا مستقبل. كلُّ شيءٍ فيه هو " حاضر". فقد سبقَ ورأى شعبَهُ قبل " اربعمئةِ سنةٍ " يرزحُ تحت نير العبودية. فآنَ الأوانُ لتحريره (تك15: 13). وهو قادرٌ على ذلك. إنه " القدرةُ على كل شيء" والمُسَّلطٌ حتى على فكر الأنسان وقلبه. إنه الذي يكرهُ الحقدَ ويرفُضُ الظلمَ ويَدينُ الأستعبادَ، فجاءَ يُعيد الى شعبِه " حُرّيتَه وكرامتَه". وحتى يتحَقَّقَ ذلك يحتاج الله الى تعاون الأنسان نفسِه. يحتاج الى جنودٍ ينَّفذون أوامره دون جدال أو نقاش. يحتاج الى من يثقُ بهِ ويقبل أن يتلَّقى تعليماتِه ويقودَ تلك الحشودَ ويُنَّظمَها لكسر طوق الكبرياء والعبودية، :" تعالَ أُرسلك.."، " إذهب وآجمع شيوخ بني إسرائيل..". الشعب كله ، بتأييد كبار القوم والمتنَّفذين منهم، وبقيادة موسى الذي يتقيَّد بتوجيهات الله ، ينتفضون ضد الظلم ويُطالبون بحريتهم ويُدافعون عن كرامتهم. هكذا سيتصَّرفُ الله طوال الدهور حتى مع شعبه، فيُرسلُ اليهم أيضا من حين لآخر أنبياء، مثل إشعيا (اش6: 8-10) وإرميا (ار1: 4-8)، والرسل (متى4: 18-22؛ 10: 1-10) الذين يدعوهم ويُكَّلِفُهم بأداء هذه الخدمةِ القيادية. حتى دعا الله، في العهد الجديد، تلك العملية القيادية بـ" الخدمة " (متى 20: 26). الله يُنقذُ الشعبَ، " أنا أكون معك.. أنا أَعِدُكم أن أُخرجَكم من مصر.. أنا أَمُدُّ يدي وأضربُ مصر بجميع عجائبي.." (خر3: 12، 17، 20). لكن ما يفعله الله إنما يُنجزُه على يد موسى وشيوخ الشعب، " فإني أنا أرسلتُكَ.. تدخلُ أنت وشيوخُ بني إسرائيل على ملك مصر و تكلمونه.." (خر3: 12، و18)؛ " أنا أُعينُكما { أنت وهارون } على ما تقولانه، وأُعَّلِمُكما و أريكما ما تعملانه. هو يُخاطبُ الشعبَ عنكَ وينطقُ بآسمِكَ، وأنت تكونُ له كأَنَّكَ اللهُ يوحي إليه" (خر4: 15-16). هكذا يتمُ تحريرُ الأنسان من كلِّ ظلم وخطيئة، على مَّرِ الأجيال ، بتعاون الأنسان مع الله وتتميم مشيئته بمعرفةٍ كاملة وآنقيادٍ سلس وتصميمٍ حُّر.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com