الأحــد الرابـع للبشـارة ! ه ه ه ه ه ه <> ه ه ه ه ه ه 2017.12.24

عـيد مار يوسف البـتول


تتلى علينا اليوم القراءات : 1صم 1: 1-18 ؛ أف5: 5-21 ؛ متى1: 18-

الرسالة : أفسس 5 : 5 - 21

سبق وطلب الرسول من أهل أفسس أن " يقتدوا بالله كأبناء ويسلكوا في المحَّبة كما سلك المسيح فادينا". وحتى يقووا على ذلك طلب منهم أن لا يعترفوا بغير الله أو يعبدوه، ولا ينجرفوا وراء خديعة البشر وخطابهم الباطل. هؤلاء يعيشون في الظلام، أما المسيحي فهو " نورٌ في الرب". وما يليق بالنور أن يُشاركَ في أعمال الظلام بل هو مدعُوٌ إلى أن يفضحَ أعمال الظلام ويُحاربَها. وبمحاربتها يعني الرسول عدم تلقُّح الشر من الآخرين والسير في طرقهم، بل الأحتفاظ بنور الحق والبر الذي تعَّلمه من المسيح. لا يسمح ان يتحَوَّلَ النورُ الذي فيه الى الظلام بفساد السيرة وتبَنَّي مباديء آداب العالم السَّيئة. بل يحمي نوره ويُفَّعلُه ليُنيرَ أمام الآخرين دربَ الخلاص.

• إنتبهوا أن تكونوا عقَلاء ! {آية 15}

أول مِيزةٍ في المسيحي أن ينتبه إلى ما يجري حواليه. لا يتبع الركب الدنيوي بشكل أعمى ، دون أن يعرفَ الأسباب الدافعة والأهداف المنشودة في كل ما يحدث. لا يليق بالمسيحي الذي إفتداه المسيح بدمه أن " يجهلَ " الشر والفساد العاملين بين الناس. الجهل يُشبه العمى الذي يُعَّتم كلَّ شيء فلا يُمَّيز الأعمي لا طريقه ولا يُفَرِّقُ بين الصالح و الطالح. الأعمي مغلوبٌ على أمرِه ومحكومٌ عليه بالشقاء. بينما الأنتباه يقود الى المعرفة. وهذه " نورٌ" تُضيءُ دربَ الأنسان في الحياة. والنورُهذا هوالعقلُ. فالأنتباه لا يعني فقط التأكدَ من سلامةِ الجهات الأربع. بل تفعيلَ الفكر في كلِّ ما يجري والتعَّمقَ في معرفة أسبابه ونتائجه و لاسيما سلامة المجرى الذي كالنهر يجُرُّه الى المصَّبِ المجهول. لقد أعطى الله العقل للأنسان لينيرَ دربه في الحياة فيعرف أن يختارالخير من الشَّر. فهو لا يسلك غريزيًا مثل البهيمة. بل يفحصُ طريقه أولا ثم يختار الإتجاهَ الأمثل. وهذا النور، هذه المعرفة هي الأيمان بالمسيح وبنموذج سلوكه عندما عاش بيننا أو وصَّانا أن نتمَّسكَ به. و" آنتبهوا " تدعو المسيحي لاسيما الى أن لا يستسلم للروتين. فلا يتصَّرف عن عادةٍ أو تقليدٍ أولاسيما تكرار صلاةٍ ما أو فعل خيرٍ وعادةٍ حميدة دون وعيٍ خاص بذلك الفعل ذاته. لأنَّ من يتصرف عن " لا وعيٍ"، نتيجة سلوكٍ طويل الأمد قد يتعَّود على عمل الشر أيضا. والعادة كما يُقال تصبحُ طبيعةً ثانية يصعبُ التخَّلصُ منها بسهولة أو تبديلُها بغيرها أفضل منها أو إقتضتها ظروفٌ جديدة. الأنتباه يجعلُ المؤمن يتصَّرف دومًا بوعيٍ وهدفٍ وثبات. والأيمان يتطلبُ أن ترافقَه المحبة ويسندَه الرجاء. وإلا قد يقعُ في روتين قاتل، أو مراءاةٍ ونفاقٍ خطيرين.

• إغتنموا الفرصة السانحة ! { آية 16}

وبجانب الأنتباه طلب الرسول" إغتنامَ الفرصةِ السانحة ". لقد أعطانا اللهُ في شخص يسوع المسيح أفضلَ فرصَةٍ لمعرفةِ الحق وأصدقَ مثال للآداب الحميدة. قال يسوع "ولدتُ وجئتُ الى العالم حتى أشهدَ للحَّق" (يو18: 37). وسَبَّقه بقول آخر:" أنا الطريقُ والحَّقُ والحياة. لا يجيءُ أحدٌ إلى الآب إلاّ بي" (يو14: 6). العالم وأهله لا يتبعون الحق بل ولا يعرفونه. إنهم يدَّعون المعرفة على طريقتهم وحسب منفعتهم. وحتى " لم يعرفوا الله " (يو8: 54) الذي هو الحق. فالذين آمنوا بالمسيح حصلوا على نعمة كبيرة، وهي فُرصتهم أن يتعَّمقوا بمعرفةِ إيمانهم على وجه صحيح ومتين. وهي فرصتُهم أيضا للثبات في سلوكهم المثالي ليشهدوا للعالم عن النعمة التي نالتها البشرية في آقتناء المسيح. يُضيفُ بولس قائلا:" هذه الأيام كلها شَرٌّ". وليست أيامنا، نحن ايضًا، أقَلَّ شَرًّا وفسادًا. و هل نعرفُ اللهَ حقًّا في حياتِه ومشيئته ، عدا إسمه ؟. نحمدُ الله على أننا قد آمنا بالمسيح، ولو بالوراثة، وعرفنا شريعته ولو بالتقليد. لكننا يدعونا الرسول الى إنتهاز هذه الفرصة المتاحة لنا لنُنَّورَ إيماننا بالدرس والمطالعة فلا نكون، مثل الفريسيين، " عُميانًا ومنافقين ". يجب أن تكون معرفتنا عن المسيح كاملة وصادقة حتى تُصبحَ شهادتنا له فعَّالة ومُثمرة. وشهادتنا لن تثمر إلا إذا قامت على أُسس العيش في الحق والبر حتى تُخرسَ السُنَ التهمِ الباطلة و تفضح الدعايات المغرضة. وأداءُ تلك الشهادة الصادقة واجبٌ على المؤمن ليُعطيَ للمسيح فرصةَ أن يظهر للعالم من خلال حياتنا، أقوالنا وأعمالنا. هذه هي مشيئة الرب:" أنتم شهودٌ لي " (أع1: 8). وطلب بولس أيضا أن " نفهم ما هي مشيئة الرب". ومشيئة الرب في الشهادة له أن نمتليءَ "بالروح القدس"، أي أن ندعه يعمل فينا ليقَّدسُنا فنصغي إليه ولا " نحزنُه " (أف4: 30). إنه يُرشدنا الى الحقيقة كلها (يو16: 13) إذ يكشف لنا كلَّ شيء (يو14: 26) ويُنجدنا في ضُعفنا (رم 8: 26)، فيحملُ معنا أوزارَنا لنتحَّملَ ضيقاتنا عوضَ أن نتذمَّرَ أو نتشَّكى ، و يُعَّزينا في شدائدنا فنعرف أن نحمدَ الله دومًا وعلى كلِّ شيء. أن نفهم مشيئة الرب فلا نخف ولا نرتبك عندما يحاربنا اهل العالم، أويهينون مقدساتنا، أوينصبون لنا الفخاخ لأيقاعنا و إذلالنا. لقد سبق ومرَّ يسوع بهذه الدروب وأطاع مشيئة الله إذ إفتهم أنَّ الألم والضيق لا يرسلهما الله بل يسمح بهما عندما تقتضيها الشهادة للحق. لابدَّ وقد سمعنا بنصائح بولس هذه إن لم يكن قد إطلعنا عليها عن كثب. يدعونا الرسول نحن أيضا ، واليوم أكثر من غيره، بأن لا نجهل هذه الأمور ولا نهملها في حياتنا. لابد و أننا قد أهملناها أحيانًا أقَّله أو جُزئيًا، لأنَّ إيماننا بالمسيح لم يكن قويًا وثابتًا: لأننا ترددنا ؛ لأننا خِفنا؛ لأننا إنخدعنا بأمور الزمن. لذا حَثَّنا بولس على الأنتفاضةِ من كسلنا أو ضُعفِنا فقال :" إنهضْ أيها النائمُ وقُم من بين الأموات {الذين لم يعرفوا المسيح ورفضوه}، يُضيءُ لكَ المسيح " (آية 14).
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com