الأحــد الثالث للبشـارة ! ه ه ه ه ه ه <> ه ه ه ه ه ه 2017.12.17


تتلى علينا اليوم القراءات : قض13: 2-24 ؛ أف3: 1-21 ؛ لو1: 57-80

الأنجـيل : لوقا 1 : 57 – 80

بعد الكلام، في الأحدين الماضيين، عن شخصين من العهد القديم، لهما دورٌ في تحقيق التدبير الألهي لخلاص البشرية، ننتقل هذه المرة الى شخصيات بين العهدين القديم والجديد لهما دورٌ في هذا الأنتقال ويُعتبران حلقة الوصل بين العهدين أو المرحلتين في حياة الأنسانية. ونتحَدَّث اليوم عن شخصية هذا الأحد، ألا وهو يوحنا المعمدان.

• يكون عظيمًا عند الرَّب !

هكذا قَدَّمه الملاك لأبيه زكريا عندما بَشَّرَه بمولِده. وآسمه يُشيرُ الى ذلك :" الله تحَنَّن". كأنه ملاكُ الله الذي يُبَّشرُ بأنَّه سيُعيد فتح باب الفردوس ليعود اليه الأنسان ويتمتع بصحبة الله المجيدة. قسى في البدء على الأنسان الخاطيء ليشعره بجسامة سوءِ فعله. والآن حَنَّ عليه وبدأَ يُنَّفذُ خطّة عودتِه. فيرسُمُ عنه لوحَةً بديعة لا يشبع المرءُ من إعادة قراءَتها، وكم يتمنى لو أصابه خطٌّ واحد من ريشة الفنان الألهي، التي زَيَّنت لوحة يوحنا. فتقول ألوانها :" يفرح به كثيرٌ من الناس.. يكون عظيمًا عند الرب.. يمتليء من الروح القدس..يهدي كثيرين الى الرب الههم .. يُصالحُ الآباء مع الأبناء .. يعيد المتمَردين الى الحكمة .. ويُعِدُّ للرب شعبًا جديرًا".

• يتقدَّس قبل ولادته !

ومكرمة أخرى لمْ تفُقْها غيرُ مكرمةِ مريم العذراء، ولم يحظَ غيرُه بها قبله. إنها مكرمة التحَّرر من تبعية الخطيئة الأصلية. صان يسوع منها مريم لحظة الحبل بها فقدَسَّها. أما يوحنا فقد طهَّرَه منها لما كان بعدُ في بطن أُمّهِ. ما أنَّ دخل يسوع بيت اليصابات وسمع يوحنا سلام مريم، الناقل سلام المسيح نفسِه، حتى خَضَّته النعمة المُبَرِّرة وطهَّرته وقدَّستْه، فتحَرَّك وتهَلَّلَ فرحًا وحمدًا (لو1: 44). نحن المؤمنين بالمسيح نتمتَّع بتلك النعمة ونتقَدَّس بعد ولادتنا، عند عمادنا، أما هو فتمَتَّع بمفاعيل النعمة المُبررة قبل ولادته. وربما أفهمنا الروح بذلك أنَّ الخطيئة الناسوتية أو الأصلية قد إنتهى مفعولها بموت المسيح فيمكن أن نتمتع بمفاعيلها حتى قبل الولادة إذا آنتمينا الى المسيح عن طريق وصاية الوالدين. لأنَّ شوكة الموت، وهي الخطيئة، قد حُطمت (1كور 15: 55-56)، وقد أصبحَ الوالدان قناةً لنقل حياة الجسد والروح، حياة الزمن والأيمان.

• يد الرَبِّ كانت معه !

ولما ولد يوحنا ورافقت المعجزاتُ مولدَه وتسميَتَه إندهش وتعَجَّبَ كلُّ من سمع بخبره في كل جبال اليهودية. فحامت حوله علامات الأستغراب والحيرة وفكروا " ما عسى أن يكون هذا الطفلُ "؟. لغزٌ سيفُضُّ ختمَه والدُه زكريا الذي تلَّقى الوحيَ من السماء، والذي إنفتح عُقالُ خرسِه وآمتلأ من الروح القدس مثل اليصابات وكشفَ مستقبَله وبما قد كلَّفته السماء من رسالةٍ ومهمة. فقد عرفَ أكثر من الجيران وملتقطي الأخبار بأنَّ يدَ الرَّبِ معه. الآن حان وقته ليشكفَ عن الصبي ما قد سبق ووصفه بها الملاك. وبالأضافةِ الى اللوحة التي نقل وصفَها عنه كاتبُ الأنجيل فقد أضافَ زكريا عنه ما أوحاه إليه الروح القدس. وبدأَ كشفَه هكذا: " وأما أنت أيُّها الصبي، فتُدعى نبيَّ العَلي، وتتقَدَّم المخَّلص الآتي، وتُهَّييءُ الطريقَ له ، وتُعَّلمُ أنَّ خلاصَه في غفرانِ خطاياه لأنَّ المُخَّلصَ الموعود أشرفَ على أن يتَفَّقَدَنا " (آية 76-78). أنقذ إيليا النبي شعبَ الله من إنجرارِه وراء الشر بفتح عيونه على حقيقة الله وبطلان الصنم ودفعَ ثمن دفاعه عن الحق أن قضى حياته شاردًا في البراري هاربًا من سيف ظلم القادة الطغاة والمجرمين. هكذا سيعيشُ يوحنا حياته في البرية ناسكًا زاهدًا في الدُنيا، مثل إيليا (2مل1: 8)، متوَّشحًا ثوبًا من شعرِ الجمل ومتمنطقًا حزامًا من جلد (متى3: 4). وهكذا قال عنه الملاك بأنه " يسيرُ أمام الله بروح إيليا وقوَّتِه". مثله دعا الناس الى التوبة (لو3: 3) و علمَّهم أن يعترفوا بخطاياهم طالبين عنها المغفرة. مثله وقف في وجه ملكٍ عاتٍ وظالم و مجرم، يلومه ويوَّبخه حتى إنتهى بالقتل على يده (متى14: 3-12).

• وتُهَّييءُ طريقَه !

لقد عاشَ يوحنا وتصَرَّفَ في الشهادةِ للحَّق والبر، وفتح بذلك طريق الروح لتتعَرَّفَ عليها الجماهيرُ المؤمنة وتسلكها ، فتتهَيَّاُ بذلك للتعَرُّفِ على المسيح المخَّلص الذي ظهر على ساحةِ العمل. أخبرعن المسيح وعن أنه أسمى منه وأقدم لأنه الله النازل من السماء ، المخلص الذي لا يستحق يوحنا "حملَ حذائِه. والذي يُصَّفي حسابَ الله مع البشرية ويُعطي كلَّ واحد حَقَّه" (متى3: 11-12)، وعليه يجب أن يعلو شأنُهُ بينما يوحنا يختفي عن الساحة "(يو3: 30). وقد نعته يسوع بأنه" أفضل من نبي، ولم يظهر بين الناس أعظم منه"(يو 11 : 9-11). وبهذا أصبح يوحنا رمزًا ونموذجًا لكل من يؤمن بالله الحق، وبيسوع المسيح، ويسمع كلامه ويحفظه ويشهد له بسلوكه ولاسيما بجهاده من أجل الحق والبر. كل رسول حقيقي يبُّلِغُ كلامَ الله ويُمَّهدُ الطريق أمامه ليدخل الى عمق حياةِ الناس. مثله يسلك رسول كل زمن يدعوه الله الى خدمة كلمته فيتشَّبع من روح الله ومشيئته ويحيا على ضوئها، فتكون شهادته أبلغ رسالةِ الى العالم بأنَّ كلَّ علمٍ وكلَّ قوَّةٍ يزولان وينقصان أمام علم المسيح وقوته اللذين ينموان في قلوب الناس.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com