الهوية: بين نموذج البناء ونموذج الدعوة

قراءة روحية لثمار العصر الحديث (3)


بقلم روبير شعيب

الفاتيكان، الخميس 4 مارس 2010 (Zenit.org). – السؤال الأول الذي يجب أن نطرحه على الحداثة هو التالي: ما هي الصورة الأنثروبولوجية الأساسية التي ترتكز عليها كل ظاهرة الحداثة؟

الحداثة هي حقل صراع شهد أربع ثورات صاغت بدورها صورة الحداثة والإنسان الحديث: النهضة، الإصلاح البروتستانتي، الثورات السياسية، والمذهب الرومنطيقي. تلتقي هذه الثورات الأربعة على مفهوم يصرح بأن الهوية هي أمر يجب بناؤه. في المقابل، إن ركيزة الأنثروبولوجيا الكتابية هي الدعوة. فالله يدعو آدم من العدم إلى الوجود، ويدعو ابراهيم من حاران لكي يعيش بحسب وعد الله ولكي يصبح بحسب الوعد "شعبًا عظيمًا" (تك 12، 2)، ويدعو الله موسى لكي يحرر اسرائيل من عبودية مصر (راجع خر 3، 10؛ راجع أيضًا بندكتس السادس عشر، رسالة بمناسبة اليوم العالمي الرابع والأربعين للصلاة من أجل الدعوات بعنوان "دعوة خدمة كنيسة الشركة"، 10-2-2007). وكذلك الأمر في خبرات القضاة، الملوك، الأنبياء، وصولاً إلى يسوع الذي يصرح بأن طعامه هو أن يعمل بإرادة الآب (راجع يو 4، 34). والرسالة إلى العبرانيين تطبق على يسوع كلمات المزمور 39: "لم تشأ ذبيحة ولا قربانا ولكنك أعددت لي جسدا. لم ترتض المحرقات ولا الذبائح عن الخطايا. فقلت حينئذ ‘وقد كان الكلام علي في طي الكتاب: هاءنذا آت، أللهم لأعمل بمشيئتك‘" (عبر 10، 5 - 7). وأخيرًا، تشكل الكنيسة الشعب الذي أحبه الله ودعاه أولاً (راجع 1 يو 4، 19)، الكنيسة هي الشعب المدعو "والمُجْتَمِع في وحدة الآب والابن والروح القدس"، بحسب وصف القديس قبريانوس أب الكنيسة (Cipriano, De oratione dominica, 23; PL 4, 553; Cf. LG 4). تعيش الكنيسة والمسيحيون الأفراد في اتكال حيوي على المسيح، مثلما تتكل الفروع على الكرمة وتستمد منها الحياة، فمن دون المسيح الذي يدعو الأشياء فتكون لا يستطيع المسيحيون شيئًا (راجع يو 15).

والسؤال الثاني الذي نطرحه هو: هل نحن موجودون في هذا العالم لكي نبني هوية مستقلة؟ هل إحقاق ذاتي بذاتي هو السبيل المناسب لتحقيق معنى وجودي؟

الحداثة تجيب إيجابًا. يلاحظ الفيلسوف أومبرتو غاليمبرتي (Umberto Galimberti) أنه مع عصر الحداثة ينتقل علم الله (scientia Dei) إلى الإنسان؛ ومن خلال العلوم تنتقل كلية قدرة الله إلى الإنسان الذي يبدأ بالنظر إلى ذاته ككلي القدرة وكضابط الكل، ويبدو له العالم كمشروع يقوم به من تلقاء نفسه فيبني ويخلق عالمًا جديدًا، كما لو كان إلهًا يستغني عن الله. بدل ملكوت الله، يبني الإنسان ما يسميه فرنسيس بايكون "ملكوت الإنسان"، حيث يبدأ المرء بتحقيق ما كان يكتفي بانتظاره من قِبَل الله (Cf. U. Galimberti, “Nessun Dio ci può salvare”, in Micro Mega 2 (2000), 196).

بالطبع، الإنسان، ككائن روحي، هو مدعو لكي يبني معنى وجوده، ويخبرنا سفر التكوين عن هذا الواجب الذي يوكله إلى الله من خلال التعبير الرمزي: "أخذ الرب الإله الإنسان وجعله في جنة عدن ليفلحها ويحرسها" (تك 2، 15)؛ ولكن "البناء" لا يشكل كل هوية الإنسان، وهو ليس الواقع المؤسِّس. البناء الذي يقوم به الإنسان هو واقع تجاوبي، أي أن الإنسان يفلح في البناء فقط من خلال جوابه على نداء وعلى دعوة من الله. إن البديل المسيحي لواقع البناء هو هذا: يحقق الإنسان ذاته، مصيره ومعنى وجوده عندما يضحي وجوده جوابًا على دعوة تستبق وجوده، تؤسسه وتحققه.

في نموذج البناء، يقيم الإنسان نفسه ركيزة وخالقًا لمصيره؛ في نموذج الدعوة يجيب الإنسان على دعوة الله الذي يجعله شريكًا في الخلق، ويدخل في مفاعيل نعمة التعاون (gratia collaborans).

البناء والتعاون ليسا واقعين متناقضين بالضرورة. ولكن إذا ما نسينا عنصر الدعوة ، لا نعود نفسح مجالاً لله، ويبقى الإيمان واقعًا هامشيًا، يرتبط في الحياة الخاصة دون تأثير ودور في الحياة العامة. وهذا هو بالضبط ما يحدث في الحداثة: الإنسان الحديث يفتقد لاستعدادية خبرة الإيمان. اكتفاؤه الذاتي يغلق الباب في وجه العلائقية الروحية والدينية.

أما نظرة المسيحية التي تنطلق من نموذج الدعوة فهي تستلهم مبدأ "الجهد المشترك" (sinergia) التي يمكننا أن نلخصها بالمبدأ المنسوب للقديس اغناطيوس دي لويولا (افعل كل شيء كما لو أن الكل يعتمد عليك، وترقب كل شيء من الله لأن كل شيء يعتمد عليه). في هذا النموذج توجه نعمة الله الدعوة، والإنسان يشترك بالنعمة في تحقيق ملء الخليقة. فالله الذي "أتم العمل الذي قام به" في الخلق (تك 2، 1)، والذي قال "قد تم" مشيرًا إلى عمل الفداء (يو 19،30) يقدم اكتمالاً، على صعيد الله. وهذا الاكتمال هو بدء على صعيد الإنسان. يضحي الله هكذا حليف الاكتمال البشري، لأن عمل الخلق والفداء لم ينتهيا بالكلية، بل، كما يقول يسوع: "الآب يعمل وأنا أعمل أيضًا" (يو 5، 17).

فما أتمه الله يضحي مهمة للإنسان يحققها على مدى التاريخ، في كل ذرة حرية بشرية في تاريخ البشرية. ففي حميمية الحرية يلتقي عمل الله مع عمل الإنسان، ويتحقق الخلق والفداء بشكل شخصاني، حميمي وحر. إن آباء الكنيسة يبنون في هذا المجال لاهوتًا بديعًا انطلاقًا من آية سفر التكوين: "لنخلق الله على صورتنا فمثالنا" (تك 1، 26). يشرح الآباء أن الصورة هي المعطى الثابت الذي يعطيه الله منذ البدء للإنسان، أما "المثال" فهو المعطى الديناميكي الذي يجب على الإنسان أن يحققه من خلال العون الذي يقدمه له الله (V. Loosky, À l’image et la ressemblance de Dieu, Paris 1967).

قدمت الحداثة نظرة فضلت نموذج البناء على حساب نموذج الدعوة التي من خلالها يدعو الخالق الخليقة لكي تضحي شريكة في عمل الخلق الذي يستمر على مدى التاريخ.

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com