روما، الخميس 25 فبراير 2010 (zenit.org). – ننشر القسم الثاني
من المقال حول الجسد من خلال الصوم
1- الصوم بحسب مار أفرام ويوحنا المتوحّد
عرضتُ ولو بشكلٍ موجز مِحورَين أساسيَّين عن الجسد، تمهيداً
لفهم الصوم كفكرة عيش. لذا أعود لأبدأ مجدداً مع أفرام ومن ثم
أتابع مع يوحنا مفهومَ وعيش الصوم (الغريب إنهما، رغم البعد
الكلي في مفهوم الجسد، يلتقيان في طريقة تطبيق الصوم بحسب
أغلبية نقاطه)
إن آباء الكنيسة عامةً والشرقيين خاصة أكدوا على المفهوم
الخلاصي لعيش الصوم، لذلك شجعوا المؤمنين على الإلتزام به
وعيشه الكلي، وصوّروه وكأنه عملية تحضير للمشاركة في العرس
الخلاصي والذي فيه يُحتفل بانتصار وغلبة المسيح على الموت
والخطيئة.
بالنسبة لأفرام الصوم هو:
الهروب من المائدة الأرضية نحو المائدة السماوية.
صلاة وانتصار؛ صعود إلى الجبل المقدس بالتخلي عن الأمور
الأرضية.
فرح وغفران؛ توق إلى الماء الحي وتلذذ بالأمور السماوية.
سلاح يطلق أسهمته ضد الشر، بها غلب المسيح الشيطان.
بالصوم تُغلب شهوات الجسد، عندها يجد الراحة والسلام.
يدعو أفرام كل مؤمن إلى حب الصوم، إلى تَبنّيه وعيشه لأنه
يساعد على النقاوة. من خلاله، تصبح الأفكار بسيطة غير معقدة.
الصوم يطال الجسد والروح معاً، يلمس كل طاقاتهما، يحييها
وينعشها، يثمر ثمارا نقية، له حسنات على الجسد وعلى الروح،
يكلّلهما، يجمّلهما كلٌ بجماله وبرونقه الخاص، فتصبح الروح
مشرقة أمام الملائكة والجسد باهراً نقيّاً أمام الناس.
الصوم هو المفتاح الذي يفتح كنوز الروح القدس؛ لأن من يصوم،
تمجيداً لله، يمكنه أن يحصل على الإلهام الحقيقي، بل ويصل إلى
الحقيقة الكاملة التي يبحث عنها والتي يحصل عليها من يصوم فقط،
أي الذي يبتعد عن الشهوات الحسيّة والأرضية.
هنا يلتقي يوحنا المتوحّد مع أفرام حول الصوم، فيقول أنه:
أداة لمحاربة كل شهوة رذيلة تعيق إرتفاع الروح نحو خالقها،
فيحسن لمن يصوم أن يقتل الشهوة والتغلب عليها، لأنها تحمل
سيئات عدة وتمنع الطبيعة البشرية من التنعّم بالحرية الإلهية.
الدواء المناسب الذي يحمل الشفاء للجسد والنفس معاً، طعمه حلو؛
ولخفّة نيره، ينحلّ ثقل المرض.
يشدد المتوحّد على اللجوء إلى الصوم وعلى اتباع نهجه الذي
يُوضح الخطأ ويُشير إليه حيثما وجد.
الصوم ليس فقط الامتناع عن الأكل والشرب، إنّما هو الرجوع
إليها؛ يذكّر بنتائج العبودية، ويدعو إلى مواجهتها بآمال جديدة
سماوية، ويقول: "قليلون هم الذين يصومون، لأن الصوم يتطلب
التزاماً وتضحية. الصوم يأتي بثمار السموات في حياة المؤمن.
2- مفاعيل الصوم في أيامنا
في نهاية نشيده الثاني عن الصوم، يتوجه يوحنا المتوحّد إلى
الذين يقولون: "ما فائدة الصوم، إذ أنّ الله لا يطلب الصوم بل
نقاوة القلب؟"، وجيبهم على النحو التالي:
"أما أنت، يا عزيزي، تعتبر الصوم وكأنه شيء سطحي لا يؤدّي إلى
نقاوة القلب؛ ولذا أنت لا تطيع الكتب المقدسة ولا حتى الذين
فاخروا بجمالات الصوم، لا تحترم ولا تطيع وصايا الله. في
الكتاب المقدس تجد بهاء الصوم الذي يشرق أينما كان؛ وإذا سالتَ
الصائمين ما فائدة الصوم؟، يجيبونك: إنه يساعدنا على ضبط
شهواتنا وغلبة رغائبنا الجسدية ويجعلنا أنقياء الفكر، والأهم
أنه من خلاله نصبح قريبين من صوم مخلصنا الذي صام من أجلنا".
إن هذا النص الذي يعود إلى 1500 سنة إلى الوراء، يُجيب على
السؤال عينه المطروح اليوم حول الصوم، عن فائدته ومنفعته.
إن الذين لا يعيشونه لا يستطيعون فهمه ولا استيعابه، ففي
ممارسته يمكن استخلاص فوائده، من هنا أستطيع أن أقول شخصيا،
وعن خبرة، في الصوم:
هو الطريقة التي من خلالها يُعبّر المؤمن عن إيمانه بالله
بواسطة جسده، هو عكس ما يُعاش من خلال وسائل تسعى لتنقية الفكر
والحس البسيكولوجي التي تتفشى بكثرة في هذه الأيام. ((ex: Yoga
إنه عمل إيماني سريّ، يُقام به على الصعيد الشخصي بخشوع وتواضع
بهدف واضح، وهو الحصول على العدالة إلاهية والمشاركة وحب الله
والآخر؛ لذلك فالصوم يكون مؤلِماً لِمن لا يعرف حسناته وغير
مفيد له.
إن الصوم يبلغ فينا مستوى روحي عالٍ مترفّع لأنه مرتكز على
الصلاة وعمل الخير، كما يقول عنه المسيح؛ إنه جزء لا يتجزّأ من
إتباع المسيح والمسيرة معه؛ هو إداء الطاعة للمسيح عندما طلب
من تلاميذه ومنا الصوم والصلاة؛ هو تعليم المؤمن على حمل
كلِّيته وتقديمها كاملة ساجدة أمام الرب؛ هو التسليم الذاتي
الناضج والمسؤول، الواعي للخالق.
الصوم هو كـ"ميزان الحرارة"، هي المدة التي وضعتها الكنيسة،
بحسب تعليم المسيح، كي أقوّمَ ذاتي، لأقوّم مدى حضوري
وجهوزيّتي وتجاوبي مع مشيئة الله في القيام بالواجب المسيحي
وبحسب مشيئته.
قد نقول: عِوضا عن الصوم نقوم بأعمال خيرية، بيد أن الأعمال
الخيرية، كالصدقة وما شابه ذلك، هي معنا دائماً، مطلوبة منّا
في كل حين، أمّا الصوم فهو الفترة المحددة زمنيا والتي فيها
نقيس ذواتنا لنرى كمّ نحن مستعدون للقيام بهذه الأمور.
الصوم هو الرجوع للذات لرؤيةٍ أفضل ولعملِ خير أشمل وأكمل؛ إنه
المصباح الذي يضيء ذاتي الداخلية لكشف هفوات ناتجة ووليدة
أفعال سيئة، فيسعى جاهدا لإبطالها ولتحسين حالتي الداخلية.
هو حقل الرماية والتمارين العسكرية للإنطلاق لمحاربة الشر
ومواجهة تجاربه.
من لا يجرّب الصوم ويعيشه، ليس بمقدوره أن يفهم ماهيّته
وفوائده؛ فهو كمن لا يجرب طعاما ما، ويقول: لا أحبذ أكلَه قبل
إستذواق طعمه والتلذذ بفوائده.