روما، الثلاثاء 23 فبراير 2010 (zenit.org). - قيل الكثير،
كُتب ويُكتب الأكثر عن الصوم، ولكن واقعياً وفي أيامنا
الحاضرة، إن الصوم هو الركن الأقل تطبيقا وممارسة في حياة
المؤمن المسيحي وفي الكنيسة، في الغرب أكثر منه ما في الشرق.
أسئلة عديدة تدور حول الصوم وكيفية تطبيقه. الصعوبة تكمن في
عيشه والإلتزام به. إمّا لأنه يتطلب جهاد أكثر على مستويات
عدة، أم لأنه يمس خاصة وبشكل جذري أحاسيس جسدنا ورغائبه
وحاجاته والتي تَعوَّدنا يومياً على إرضاءها بانتظام ودون
تردد. وتحتلّ هذه الأخيرة الدرجة الأولى في حياتنا قبل أي حاجة
أخرى، لكونها ضرورية وطبيعية، اعني بذلك "لا غنى عنها". إذا
عدنا إلى المفهوم الديني القديم ونظرنا إلى سيرة الآباء
والأنبياء، نرى ذواتنا اليوم بعيدين كل البعد عن هذا الإلتزام
أو بالأحرى عن تطبيق ولو جزء بسيط مما كانوا يلتزمون به على
الصعيدين الجسدي والروحي.
ومع تطور العلم والفكر الأخلاقي-الروحي، يأتي الصوم وللأسف في
الدرجة الأخيرة من حيث الإلتزام به واعتباره أداة حسّية
وجوهرية للتقرب من الله ولكشف الذات أكثر فأكثر على ضوء تعليم
وحياة السيد المسيح.
الحجج كثيرة؛ منها المقبولة بعض الشيء، ومنها المرفوضة أصلاً.
من جهة، تساهلت الكنيسة في إرشادها وتوصياتها لأبنائها في عيش
الصوم، خاصة في الغرب، إذ أنّها تكتفي بتوصية المؤمنين على
الصوم أولَ وآخرَ يوم من الزمن الأربعيني (أربعاء الرماد
والجمعة العظيمة).
ومن هنا السؤال: كم من أصدقاءكم ومعارفكم الغربيين يلتزمون
بهذا التعليم أو ربما سمعوا به، إذا لم يقرؤوا أو يعطوا
انتباها أو اهتماما للكنيسة وتعاليمها؟
قد تكون الحالة في بلادنا المشرقية أفضل، نوعا ما، مما هي عليه
في الغرب. فما زال الصوم نقطة محورية لعيش روحي عميق، يدفعني
للتجرد من أشياء أحبها وأفضل الحصول عليها إكراما لآلام السيد
المسيح التي أتحضر لعيش معانيها والقيامة من خلالها. أحرم ذاتي
من هذه الأشياء لأتذوق معنى الألم الجسدي الحقيقي والذي، في
الوقت عينه، يولّد لذة روحية تشعرني برغبة روحية مميزة تحرمني
منها الملذات الأرضية عندما أغوص وأتمسك بها وحدها. وهنا أطرح
السؤال: أيكون جسدي عائقا أم مسهِّلاً لعيش الصوم؟ أهو أداة
عرضة للتحقير لكي أفهم اللذة الروحية أم وسيلة إكرام بها أتمتع
بالملذات السماوية على هذه الأرض؟
من هنا قد يكون مفيدا وضروريا أن نسلّط الضوء على بعض مفاهيم
"الجسد" في تراثنا السرياني، وتحديداً في بعض كتابات مار أفرام
السرياني و يوحنا المتوحد عن الصوم، قبل النظر والتبصر في
مفاعيل الصوم ومدى أهميته في حياتنا المسيحية عامةً،
والرهبانية بالأخص.
1- مفاهيم الجسد في التراث السرياني
أبدأ مع مار أفرام، ملفان البيعة وكنارة الروح القدس، الذي
يعطي أهمية بالغة للجسد في تعاليمه وأناشيده من خلال عبارات
وصوَرٍ لاهوتية عميقة، فريدة من نوعها:
1.1 الجسد "حُلة المجد"
إن عبارة "حلة المجد" تشكّل العامود الأساس في تعليم أفرام، إذ
يأتي على ذكرها مرارا في أناشيده، خاصة في أناشيد الميلاد، إذ
يقول في النشيد 23: "قام بكل ذلك الحنّان: تعرى من المجد ولبس
الجسد لأنه كوّن وسيلة ليرجع آدم إلى حالته الأولى التي أضاعها
وتعرّى منها"
ما هي هذه الحلة الممجدة، أهي حلة خارجية يكسو بها آدم عاره؟
أم هي مجرّد رمزية؟ إن سقوط آدم ورفضه للملكوت، دفع بالأبن إلى
التخلي عن ذاته، عن حلة مجده، ليلبس الجسد، أي عارنا. ولكي
نفهم هذا الفعل الإلهي لا بد من أن نتوسع قليلا في تحليلنا
لمفهوم الجسد عند أفرام.
2.1 الجسد بحسب مار افرام
بالنسبة لأفرام، الإنسان هو إتحاد الروح بالجسد، مبدأ واحد،
هيكليةٌ أساس للطبيعة البشرية، لا يمكن الفصل بين الواحد عن
الآخر. الروح هي عروس الجسد والجسد هو الخِدر الزوجي للروح،
يعني أنّهما آداة واحدة تجعل الإنسان مترابطاً مع الآخر
وبعلاقة معه. الفرق يظهر في دور كل واحد منهما.
يقول أفرام في هذا المجال: " يؤدي الجسد لك الشكر، يا سيد،
لأنك خلقته مسكنا لك؛ والروح تعبدك، لأنك خطبتها عند مجيئك".
الجسد، بالنسبة لأفرام، هو الإنسان بكامله، إذ لا فصل بين
الجسد والروح: هما في إتحاد كامل ووثيق. هذا ما يعبّر عنه
أفرام عندما يتحدث عن الإفخارستيا: "إن الخبز الروحي يُحلِّق
ويطير، كذلك الشعوب يطيرون مرتفعين إلى الفردوس، حيثما يوجد
جسد آدم الثاني"؛ ويعني بذلك أن كل من يأكل جسد الرب، يلتقي به
حيثما وجد.
إن هذا الجسد يضعف ويذبل عندما يحاول أن يجعل من ذاته نقطة
انطلاق وركيزة لوجوده وجوهره، ليصبح بذاته مصدر كل شيء؛ بيد أن
هذا دليلٌ على فشله وضعفه.
بحسب أفرام، لا يمكننا أن نهمل الجسد، لأن الله بذاته حلّ فيه:
إنه المسكن الذي يحل الإنسان فيه ويميزه عن سائر المخلوقات.
إنه مكان لقائي بالآخر، إنه تعبير عن حضوري للآخر والآخر لي،
حقيقة تواصل، مرآة الآخر فيّ.
3.1 الجسد بحسب يوحنا المتوحّد
انتقل من أفرام إلى يوحنا المتوحّد والمعروف بالآفامي، من
الآباء السريان في القرن الخامس. نظرته إلى الجسد تختلف تماما
عن نظرة مار أفرام، فهي سلبية وبعيدة عن الفكر السرياني العام،
فيقول في إحدى خطبه عن الصوم:"باطلة هي خدمة جسدنا المريض،
فحاجاته لا تُحصى، ورذائله تتوالد من جيل إلى آخر، ورغائبه
كذلك".
في قوله هذا، يُجسد يوحنا المتوحّد الفكر الفلسفي اليوناني
الرافض كلّيا للجسد كما كان يُقال على لسان أفلاطون "الجسد
مقبرة الروح" . لذا يشدد يوحنا على أن خدمة الجسد والروح معاً
عمل غير معقول، فيقول: " أترون كم أن خدمة الجسد ثقيلة؟ أفهمتم
كم أن عمله غير مفيد؟ لذلك يستعصي علي خدمة الجسد... ابتَعِدْ
عن خدمته وعن رغائبه، اقبَلْ نير الروح".
إننا أمام مشهد معاكس لمفهوم وإيمان مار أفرام وغالبية الآباء
السريان عن "الجسد"؛ يرفض يوحنا بالمطلق فكرة الجسد أو بالحري
خدمته. إنه ثقيل الحمل وشهواني، رفضه يدفعك لخدمة الروح دون
الجسد؛ يدعو يوحنا سميعَه إلى التحرر من ملذاته ورغباته قدر
المستطاع.