بولس والمؤمن في المسيح

بقلم لؤي سامي الشاباني

الفاتيكان، الاثنين 11 يناير 2010 (Zenit.org). – على غرار الرسل الاثني عشر الذين اختارهم يسوع خلال حياته الأرضية، هناك رسل آخرون بين الرجال والنساء الذين "بذلوا حياتهم من اجل اسم ربنا يسوع المسيح" (أعمال 15: 26). وأولهم المدعو من قبل السيد المسيح بعد قيامته من بين الأموات، ليكون واحدًا من الرسل الحقيقيين بلا شك، هو بولس الطرسوسي. لوقا يخبرنا بان اسمه الأصلي كان ( Σαύλου) «ساولو» (انظر أعمال 7: 58؛ 8: 1... الخ)، لا بل بالعبرية (Σαύλ) «شاول» (انظر أعمال 9: 17؛ 22: 7. 13؛ 26: 14). كان من يهود الشتات من مدينة طرسوس الواقعة بين الأناضول وسوريا. في شبابه ذهب الى القدس لدراسة الشريعة الموسوية على يد المعلم الشهير جملائيل (انظر أعمال 22: 3). وقد تعلم حرفة يدوية شاقة نوعا ما، وهي صناعة الخيم (انظر أعمال 18: 3)، واستطاع من خلالها أن يعيل نفسه دون أن يشكل عبئا على الكنيسة (انظر أعمال 20: 34؛ 1كور 4: 12؛ 2كور 12: 13ـ14).

من اللحظات المصيرية في حياته التعرف على جماعة هؤلاء الذين يشهدون بأنهم تلاميذ المسيح. وقد علم منهم بان هناك دينًا جديدًا ـ طريقًا جديدًا، كما كان يقال ـ كان يُرَكّز اهتمامه ليس على شريعة موسى بل على شخص يسوع المصلوب والقائم من الأموات والذي كان يربط به غفران الخطايا. وباعتباره يهوديا متحمِّسًا كان الرسول بولس يعتبر هذه الرسالة غير مقبولة وفاضحة، وأحسّ بوجوب اضطهاد اتباع يسوع في أورشليم نفسها بل أيضا خارجها. وبينما هو في طريقه الى دمشق، في اوائل الثلاثينات، "قبض عليه يسوع المسيح" (في 3: 12)، ومن جانبه لوقا يسرد تفاصيل الحادثة وكيف أنّ نور يسوع الذي قام من الأموات قد لمسه وغيّر مجرى حياته جذريا. يتحدث بولس في رسائله شخصيًَّا عن الحدث ويصِفه ليس فقط كرؤيا (راجع 1كور 9: 1) بل انّه يتحدّث عن تنوير (راجع 2كور 4: 6) لا بل عن الهام وعن دعوة بخصوص لقاءه مع يسوع القائم من الأموات (انظر غل 1: 15-16). ومن تلك الوهلة كرّس كل طاقاته لخدمة يسوع المسيح وأنجيله. لم تخلو رسالته من مصاعب، ولكن بسبب حبّه للمسيح استطاع أن يواجهها بشجاعة (2كور 11: 23ـ28).

يتبين من أحدى فقرات الرسالة إلى أهل رومة (انظر 15: 24. 28) رغبته في الوصول الى إسبانيا في أقصى الغرب للتبشير بالإنجيل في كل مكان، ولغاية حدود المسكونة المعروفة في ذلك الوقت. كان من الواضح انه من المستحيل مواجهة ظروف هكذا صعبة وميئوس منها أحيانا من غير وجود دافع مبدئي مطلق لا يتوقف عند أي حد مهما كانت العقبات. وبالنسبة للرسول بولس ان هذا الدافع كان، كما نعلم، يسوع المسيح والذي يصفه بهذه الكلمات "محبة المسيح تدفعنا [...] كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام" (2كور 5: 14-15). إن الرسول بولس قبل الإهتداء لم يكن بعيدا عن الله وشريعته بل على العكس كان رجلا ملتزما إلى حد التطرف. وعلى ضوء لقاءه مع المسيح أدرك بأن هذا الالتزام ساهم في بناء نفسه وعدالته وبهذه العدالة عاش حياته من أجل نفسه. وأدرك بان حياته كانت بحاجة إلى تغيير مسارها، وهذا المسار الجديد نجده في كلماته: "مع المسيح صُلِبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا في. فما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الأيمان، إيمان ابن الله، الذي احبني واسلم نفسه لأجلي" (غلا 2: 20). ان بولس لم يعد يعيش من أجل نفسه ومن أجل عدالته بل من أجل المسيح: واهبا نفسه بدون أن يهتم ببناء نفسه وان يبحث عنها. هذه هي العدالة الجديدة والمسار الجديد الذي وهبه لنا الرب والذي وهبه الإيمان.

بالنسبة للرسول بولس، الانضمام الى الكنيسة جاء نتيجة تدخل مباشر من قبل المسيح الذي تجلى له على طريق دمشق وتمثل بالكنيسة وافهمه إن اضطهاد الكنيسة هو اضطهاد له، أي اضطهاد للرب. من هنا يمكننا أن نستشف لماذا كانت الكنيسة حاضرة بهذه القوة في أفكاره وفي قلبه وفي أنشطته. إنه قام بتأسيس العديد من الكنائس في عدة مدن اتجه إليها للتبشير. وعندما يتحدث عن "حرصه على جميع الكنائس" (2 كور 11: 28) فانه يشير الى مختلف الجاليات المسيحية التي نشأت في غلاطية وفي ايقونية وفي مقدونية وفي أخائية. وفي رسائله يوضح لنا الرسول عقيدته حول الكنيسة بحد ذاتها. يصِف بولس الكنيسة بانها "جسد المسيح"، ووصفه هذا هو الأول من نوعه بين المؤلفين المسيحيين في القرن الأول. ان جذور هذا التعريف المثير للعجب نجدها في سر تناول جسد المسيح. يقول القديس بولس: "فاننا نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعا نشترك في الخبز الواحد" (1كور 10: 17). في الافخارستيا نفسها يهبنا المسيح جسده ويجعلنا جسده. بطبيعة الحال ان التجديد للحاجة الى الوحدة لا يعني توحيد او تسطيح الحياة الكنسية وفق أسلوب عمل واحد. وفي فقرة أخرى يعلمنا الرسول بولس فيقول "لا تُخمِدوا الروح" (1 تس 5: 19)، أي فسح المجال لِديناميكية مظاهر هبات الروح القدس، الذي هو مصدر طاقة وحيوية متجددتين دائما. ولكن المعيار الأساسي الذي يعتمد عليه الرسول هو البنيان المتبادل: "فليكن كل شيء من اجل البنيان" (1كور 14: 26). كل شيء يجب أن يساهم في بناء النسيج الكنسي بانتظام. إن المسيحية ليست واقعا روحيا بحتا، إنها تتعلق بالجسد، وبالكون وتمتد نحو ارض جديدة وسماوات جديدة. إن هبة المسيح لذاته يؤدي الى استقطاب الجميع الى شخصه (عند الاشتراك بجسده) وفي النهاية الى توحيد العالم بأسره.

ولكن كيف لنا أن ندخل في هذه البداية الجديدة وفي هذا العصر الجديد؟ إننا مرتبطون طبيعيا بالحِقبة الأولى الملوّثة كوننا ننحدر من الجسم البشري الواحد. ولكن كيف تتحقق الشركة مع يسوع والولادة الجديدة للدخول إلى الإنسانية الجديدة (الحقبة الثانية)؟ اذن كيف يدخل يسوع في حياتي وفي ذاتي؟ إن جواب القديس بولس، ومعه العهد الجديد برمته، على هذه الأسئلة هو: انه يدخل بفعل الروح القدس. فإن كانت الحقبة الأولى تنطلق، إن صح التعبير، من الطبيعة البيولوجية فإن الحقبة الثانية تنطلق من الروح القدس وهو روح المسيح القائم من الأموات. إن هذا الروح خلق في عيد العنصرة بداية للانسانية الجديدة والتي تمثلت بالمجموعة المؤمنة الجديدة، وهي الكنيسة أي جسد المسيح. ولكن علينا أن نكون عمليين اكثر ونطرح السؤال التالي: كيف يُمكِن ان يُصبِح روح المسيح، أي الروح القدس، روحَنا نحن بالذات؟ والجواب هو انه يصبح روحنا بثلاثة طرق مرتبطة كلها بعضها البعض: الطريقة الأولى هي أن روح المسيح يطرق باب قلبي، ويلمسني في الصميم. ولكن على الإنسانية الجديدة أن تكون جسدا حقيقيا لأن الروح يجب أن يجمعنا وأن يؤسس جماعة حقيقية من المؤمنين. ولذلك يستخدم روح المسيح عنصرين أساسيّين لجمع المؤمنين بعضهم إلى بعض وهما كلمة البشارة والأسرار وخاصة سر المعمودية والأفخارستيا. وفي رسالته إلى أهل رومة يقول القديس بولس: "إذا شهدت بفمك أن يسوع رب، وأمنت بقلبك أن الله أقامه من بين الأموات، نلت الخلاص" (رومة 10: 9)، أي ستدخل العصر الجديد وهو عصر الحياة وليس عصر الموت. ثم يضيف القديس بولس: "ولكن، كيف يدعون من لم يؤمنوا به؟ وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون بلا مبشر؟ وكيف يبشر أحد إلا إذا كان قد أرسل؟ "(رومة 10: 14-15). وفي المقطع الذي يليه يقول أيضا: "فالأيمان إذا من السماع، والسماع يكون سماع كلام على المسيح" (رومة 10: 17).

ان الأيمان ليس نتاج فكرنا وتاملنا: انه شيء جديد لايتسنى لنا ابتكاره بل لا نملك الا القبول به كهبة جديدة مُنِحَت من لدن الله. والأيمان لا ياتي من القراءة بل من الأستماع. وعندما يأتينا مَن يُعلن عن هذا الأيمان لا يتحدث عن نفسه بل انه مُرسَل من طرف أخر. انه جزء من هرم تبشيري يبدا بيسوع المرسل من قبل الأب ويمر بالرسل ويتواصل في الخدمة الكنسية من خلال الرسالة التي أوصلها إلينا الرسل. أن نصبح مسيحيين هي عملية سلبية، أي تتطلّب منا فقط ان نكون مُستَلمين: لا يمكننا أن نكون مسيحيين إلا على أيدي شخص أخر. وهذا "الأخر" هو الذي يجعلنا مسيحيين ويعطينا هبة الأيمان: إن هذا الأخر هو جماعة المؤمنين أي الكنيسة. إننا نتلقى من الكنيسة الأيمان وسر المعمودية. وبدون ان تؤّهلنا هذه الجماعة لذلِك لا يمكننا أن نصبح مسيحيين. إن المسيحية ذاتية الأكتفاء والصنع أمر يتناقض مع ذاته. وجماعة المؤمنين أيضا تعيش نفس العملية السلبية، فيسوع فقط يستطيع أن يبني الكنيسة. ان المسيح هو الذي يهَب الأسرار، هذه هي بالفعل النقطة الأولى: لا احد يستطيع أن يعمّد نفسه بنفسِه، ولا احد يجعل من نفسه مسيحيا دون الانتماء إلى جماعة مسيحية. ليس لنا إلا أن نصبح مسيحيين. والنقطة الثانية هي ان سر المعمودية هو اكثر من مجرد عملية غسل، انه موت وقيامة. وقد وصف بولس هذا الأمر في رسالته الى اهل غلاطية عندما يتحدث عن التغيير الذي طرأ على حياته بعد لقاءه بالمسيح القائم من الأموات قائلا: "قد مت" (غل 2: 19). ومن تلك الوهلة بالتحديد بدأت حياته الجديدة.

ان موضوع القيامة يفتح للمؤمن أفقا جديدا، وهو أفق انتظار عودة الرب. ذلك يدفعنا إلى التامل في العلاقة بين الزمن الحاضر، وهو زمن الكنيسة، وزمن ملكوت المسيح والمستقبل "éschaton" الذي ينتظرنا عندما سيسلّم المسيح ملكوته إلى الآب (انظر 1كور 15: 24).

ان مستقبلنا هو ان نبقى مع الرب لأننا أصلا مع الرب في حياتنا لكوننا مؤمنين. ان مستقبلنا، أي حياتنا الأبدية، قد بدأ. وانتظار المجيء الثاني ليسوع لا يعفينا عن التزاماتنا في هذه الدنيا بل على العكس، إنه يدفعُنا لتَحمّل المزيد من المسؤولية امام الديان الإلهي بما يتعلق بأعمالنا في هذه الدنيا، وهكذا تنمو مسؤوليتنا في العمل في هذه الدنيا ومن أجل إعمارِها.

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com