الأباتي سمعان أبو عبدو يدعو الكهنة إلى عيش التوازُنُ بينَ
عيش الكهنوتِ والعمل في مؤسساتِ الرهبانية الإداريةِ
في خطابه لكهنة الرهبنة المريمية بمناسبة السنة الكهنوتية
السهيلة، لبنان، الاثنين 21 ديسمبر 2009 (Zenit.org). – ننشر
في ما يلي كلمة الاباتي سمعان أبو عبدو الرئيس العام للرهبانية
المارونية المريمية الى اخوته الرهبان بمناسبة السنةِ
الكهنوتيّة 2009-2010 في دير القديسة تريزيا الطفل يسوع –
السهيلة، نهار السبت 19 ديسمبر الجاري.
* * *
(يو 15/9-17)
"لا أدعوكم خَدماً بعدَ اليوم، لأنَّ الخادِمَ لا يعلَمُ ما
يعمَلُ سيِّدُهُ، فقد دعوتُكم أحبّائي"
(يو 15/15)
نجتمِعُ اليومَ حولَ مذبَحِ الربِّ رهباناً وكهنةً، في إطارِ
السَّنةِ الكهنوتيَّةِ التي أعلَنَها قداسةُ البابا بندكتوسُ
السادِسَ عشَرَ في ذكرى مرورِ مئةٍ وخمسينَ عاماً على وفاةِ
القدّيسِ جان ماري فيانيه خوري آرْس شفيع كهنةِ الرّعايا في
العالمِ. وتمتدُّ هذهِ السنةُ من 19 حزيران 2009 عيد قلب يسوع
الأقدسِ إلى العيدِ نفسه من العام 2010، ولقد أعلن قداسةُ
البابا شعارَ هذه السنة الكهنوتيّةِ وهو: "أمانةُ المسيح،
أمانةُ الكهنة". وهدَفُ هذهِ السنةِ كما قالَ في رسالتِهِ التي
أصدرَها للمناسبة: "المساهمةُ في تقويةِ الالتزامِ بتجدُّدٍ
داخليٍّ عندَ كُلِّ الكهنةِ من أجلِ شهادةٍ إنجيليَّةٍ أعمقَ
في عالمِ اليوم".
إخوتي الأحباء!
نحن كمسيحيّين مدعوّون إلى قَبولِ مشيئةِ الله و تتميمِ
إرادتهِ بالطاعةِ لوصاياهُ ولوصايا الكنيسةِ، وإلى جعلِ يسوعَ
محوَرَ حياتِنا، لأنّه صورة الآبِ التي خُلقنا على مِثالِها
وهو المعلّمُ الذّي خَرَجَ من لدُنِ الآبِ ليرُدَّ الخرافَ
الضالةَ إلى بيتِ أبيه. أحبَّنا حتى النهاية، فوهَبَ نفسَه
ليخلِّصَنا. وبما إنّه مِثالُ المحبةِ الكاملةِ والشاملةِ،
أوصانا : "أحبّوا بعضَكُم بعضاً كما أنا أحببتُكم." (يو15:
12). هذه دعوتنا الأولى!
وَعَرَفَ يسوعُ أنّ قطيعَه سيضيعُ بين الذئاب الرابِضَةِ
لتهلِكَه، فاختارَ له رسُلاً وأوصاهم أن يرعوا خِرافه، فكانتْ
بدايةُ مسيرةِ الكهنوتِ بسؤالِ يسوعِ لبطرسَ: " يا سِمعانُ بنَ
يوحنَّا، أتُحبُّني أكثرَ مِما يُحبُّني هَؤُلاءِ؟ فأجابَهُ
نعم، يا ربُّ. أنتَ تَعرِفُ أنِّي أحِبُّكَ. فقالَ لَه إرعَ
خِرافي." (يو 21: 15) و هذا أساسُ الدعوةِ الكهنوتيّةِ
المقدّسةِ.
لكن ما معنى هذهِ الدّعوةِ؟
إنَّ الدعوةَ الكهنوتيَّةَ هي قبلَ كلِّ شيءٍ دعوةٌ إلهيَّةٌ،
بحسبِ قولِ الربِّ يسوعَ: "لستُمْ أنتمْ اخترتُموني بل أنا
اختَرتُكمْ" (يو 15/16). فنحنُ الذينَ دُعينا إلى الكهنوتِ
نشعُرُ بصوتِ الرَّبِّ يُدَوّي في أعماقِنا "تعالَ اتبعني"
(متى 19/21)، وهذا النداءُ الإلهيُّ هو جَوهَرُ الدَّعوَةِ
الكهنوتيَّةِ والرُّهبانيَّةِ، فالكاهِنُ يُدعى ويُرسَلُ إلى
العالَمِ من قِبَلِ اللهِ الذي يختارُ مَن يُريدُ، وليسَ من
تلقاءِ ذاتِهِ أو من قِبَلِ الناسِ.
في الليلةِ الأخيرةِ التي سَبَقَتْ موتَهُ، وَهَبَنا يسوعُ
اثنَتَيْنِ من أعظًَمِ النِّعَمِ وهُما:
*أعطانا ذاتَهُ من خلالِ الإفخارستيّا وذلكَ في العشاءِ
الأخيرِ مع تلاميذِه (لوقا22/14-20).
*أعطانا نعمَةَ الكهنوتِ لإِكمالِ حضورِهِ الدّائِمِ في
الإفخارستيّا، إذْ أوصى رُسُلَه أن يفعلوا هذا لذكرِه
(لوقا22/19).
لذا، فإنَّهُ من دونِ كهَنةٍ لا حضورَ ليسوعَ خلال القُدّاسِ
الإلهيِّ.
ومِن دونِ كهنةٍ، لا غفرانَ عندَ الإعتِرافِ بالخطايا،
ومن دونِ كهنةٍ، لا نستطيعُ الحصولَ على التناولِ المقدَّسِ.
و من دونِ كهنةٍ لا عمادَ ولا بيعةَ لله إذ إنَّ يسوعَ بعدَ
قيامتِهِ، أرسلَ تلاميذَه ليبشِّروا جميعَ الأُمَمِ،
ويعَمِّدوهُم باسمِ الآبِ والابنِ والرُّوحِ القُدُسِ (راجع
متّى 28:19).
وعليهِ، حَريٌّ بنا أن نكونَ واحداً معَ المسيحِ، لأننا
نتَّخِذُ مكانَهُ واسمَهُ، ونُرَدِّدُ كلماتِهِ، ونُتَمِّمُ
عملَهُ، فباسمِهِ نُعَمِّدُ وندعو إلى التوبة ونغفِرُ الخطايا
ونُحوِّلُ الخبزَ والخمرَ بشكلِهِما البسيطِ إلى جسدِهِ
ودَمِهِ.
إخوتي الأحبّاء!
أمورٌ كثيرةٌ تتهدَّدُنا اليومَ في أديارِنا ومؤسساتِنا
وحياتِنا الرُّهبانيَّةِ والكهنوتيَّةِ، ذلكَ أننا مُنشَغِلونَ
جدّاً بأعمالٍ إداريَّةٍ وتنظيميَّةٍ، فنكادُ نُهمِلُ حياتَنا
الكهنوتيَّة! أنا لا أدعوكُم إلى التخلّي عن المؤسَّساتِ
والأعمالِ الإداريَّةِ والإجتماعيَّةِ، إنَّما المطلوبُ هو
التوازُنُ بينَ عيشِ رسالة سرِّ الكهنوتِ والعمل في مؤسساتِ
الرهبانية الإداريةِ، بينَ الصلاةِ والعملِ، فالناسُ بحاجةٍ
إلى أنْ يَرَوا في الكاهِنِ رَجُلَ اللهِ والقداسَةِ، وأن يروا
في حضورِهِ مَعَهُم حضورَ المسيحِ، وفي زيارَتِهِ زيارَةَ يسوع
لهم. يريدونَ أنْ يروا فيهِ رَجُلَ الخلاصِ والسّلامِ
والرَّجاءِ والفرحِ، خصوصاً فيما يملِكُ من سلطةٍ مقدّسةٍ
يُمارِسُها من خلالِ الأسرارِ، بعمقٍ مُشبَعٍ برجاءِ المسيحِ
ومحبَّتِهِ للناسِ.
وفي غمرَةِ ما نحنُ فيهِ، تُطِلُّ علينا شخصيَّةٌ بارِزَةٌ ألا
وهيَ شخصيَّةُ خوري آرس القدّيسِ الشفيعِ المُمَيَّزِ لهذِهِ
السنةِ الكهنوتيَّةِ.
لقد وَصَلَ الأب جان ماري فيانيه إلى "آرس" تلكَ القريةِ
الصغيرةِ التي لا يتجاوَزُ عَدَدُ سُكّانِها 230 شخصاً، وفي
أذنيهِ يترَدَّدُ تحذيرُ الأسقُفِ له حينَ قال: "سوفَ تجدُ
حياةً إيمانيَّةً ضعيفةً في تلكَ الرَّعيَّةِ التي ليسَ فيها
من حُبٍّ كبيرٍ للهِ، وعليكَ أنتَ أن تزرَعَهُ". لم يَخفِ
الكاهنُ الجديدُ من المسؤوليَّةِ التي تنتظِرُهُ، وأدركَ أنَّ
عليهِ أن يُجَسِّدَ حضورَ المسيحِ ويشهَدَ لِحنانِهِ
الخلاصيِّ، لذا بدأ رسالتَه في الرعيَّةِ بهذهِ الصلاةِ:
"إلهي، أعطني ارتدادَ رعيَّتي، أقبَلُ أنْ أتألَّمَ بكلِّ ما
تريدُهُ لمدَّةِ حياتي كُلِّها."
هذا، وتعوَّدَ خوري آرس أن يُكَرِّرَ هذهِ العبارةَ المؤثّرةَ:
"إن الكهنوتَ هو حُبُّ قلبِ يسوعَ". هي عبارةٌ تذَكِّرُنا
بالعطيَّةِ العظيمَةِ التي يُشَكِّلُها الكهنةُ، لا للكنيسةِ
فحسبُ، إنَّما للإنسانيَّةِ جمعاءَ.
وعن ذبيحةِ القداسِ كانَ يقولُ: "كُلُّ الأعمالِ الحَسَنَةِ
مجتَمِعَةً لا تُعادِلُ ذَبيحَةَ القدّاسِ، لأنَّ تلكَ هي
أعمالُ البَشَرِ، بينما القُدّاسُ هو عملُ اللهِ". كانَ
مقتَنِعاً بأنَّ حماسَةَ حياةِ الكاهِنِ تعتمِدُ على
القُدّاسِ: "إنَّ سَبَبَ فتورِ الكاهِنِ يكمُنُ في إهمالِ
القُدّاسِ! معَ الأسَفِ! إلهي! كمْ أنَّ الكاهِنَ جديرٌ
بالشفَقَةِ عندما يقومُ بذلِكَ، كما لو كانَ شيئاً
اعتياديّاً."!
وكان قد اعتادَ أيضاً ومن خلالِ الإحتِفالِ بالقدّاسِ، تقديمَ
تضحيةِ حياتِهِ. "كَمْ من الجيِّدِ أن يُقَدِّمَ كاهِنٌ
حياتَهُ إلى الله في كلِّ صباحٍ".
تَحضُرُني كلماتُ القديسةِ تريزيا شفيعةِ هذا الديرِ حيثُ
تقولُ:
"إني أشعُرُ في نفسي بدعوةٍ إلى أن أكونَ كاهناً، فبأيِّ حُبٍّ
كنتُ لأحمِلَك َ يا يسوعُ بينَ يديَّ، حالما تَنْحَدِرُ من
السماءِ، لدى ندائي... وبأيِّ حبٍّ أهَبُكَ للنفوسِ!..."
(الأعمال الكاملة، مخطوط ب، (إلى أختي العزيزة ماري للقلب
الأقدس ي. م. ي. ت"، ص 188).
وَحَوْلَ حبِّها القويّ لعملِ الرسالة كانتْ تقولُ:
"... وأودُّ لو أجوبُ الأرضَ وأبشّرُ باسمكَ وأنصُبُ صليبَك
المجيدَ فوقَ الأرضِ غيرِ المؤمِنَةِ. ولكن، يا حبيبي، رسالةٌ
واحِدَة لا تكفيني. فإني أريدُ في الوقتِ نفسهِ أن أعلِن
إنجيلَك في أقطارِ العالمِ الخمسةِ، وحتّى في الجزُرِ النائيةِ
جداً... أودُّ لو أكونُ مُرْسَلةً، ليس لبضعِ سنينَ فحسبُ، بل
حبذا لو كنتُ مرسَلةً منذُ خلقِ العالم، وحتى انقضاءِ
الدهور..." (الأعمال الكاملة، مخطوط ب، "إلى أختي العزيزة ماري
للقلب الأقدس ي. م. ي. ت"، ص 189).
وفي ذكرى اليوبيلِ الخمسينَ لوفاةِ الاب جناديوس موراني،
نستحضِرُهُ بكلماتٍ موجَزَةٍ كتبها قبلَ استشهادِهِ بشهرٍ
تقريباً في 22 كانون الاول 1958،ص 407، حيث قال: "كلّما ازدادَ
قربي من يسوعَ ومريمَ ازدادَ قربي من إخوتي".
إخوتي الكهنةَ الرُّهبان!
لعلَّ هذهِ السنةَ الكهنوتيَّةَ تكونُ محطّةً أساسيَّةً لنا
جميعاً، وخصوصاً بالنسبةِ إلى الكاهنِ الراهِبِ المريميّ.
لعلَّها تكونُ سنةَ صلاةٍ للربِّ، صلاةٍ معَ الكهنةِ ولأجلِ
الكهنةِ؛ سنةَ تجديدٍ للروحانيَّةِ الكهنوتيَّةِ، وتجديدٍ
لِكُلِّ واحدٍ فينا، صلاةٍ من أجلِ الدعواتِ في الرهبانيةِ
لأنها مسؤوليةُ كل واحدٍ منّا. يقولُ البابا يوحنا بولُس
الثاني في أهمّيَّةِ الصلاةِ للكاهِنِ: "قُلتُ في بدءِ
حبريَّتي، إنَّ الصلاةَ هيَ، في نظري، أولى المَهمّاتِ، وإلى
حدٍّ ما أوَّلُ البشارةِ، كما أنَّها الشرطُ الأوَّلُ للخدمَةِ
في الكنيسةِ وفي العالم". (روميه 24-12-1914).
والبابا بندكتوس السادسَ عشرَ يقول في إحدى المقابلاتِ
العامَّةِ: "الصلاةُ هي الواجِبُ الأولُ، طريقُ القداسةِ
الحقيقيةِ للكهنةِ، وقلبُ "راعويةِ الدعواتِ" الحقيقية." (1
تموز 2009).
إخوتي!
أدعو نفسي وأدعوكم في هذهِ السنةِ الكهنوتيَّةِ لنتأمَّلَ معاً
في عظمةِ سرِّ الكهنوت، وإلى أن يعودَ كلٌّ منّا إلى البدايةِ
يومَ قالَ: "نعمْ"، بِكُلِّ حُبٍّ وشوقٍ إلى الربِّ.
هلمّوا نرجِعُ إلى المسيحِ كُلَّما شَعَرْنا بِضَعفِنا،
لأنَّهُ هو وحدَهُ راعي نفوسِنا.
نحنُ بحاجَةٍ إلى التعمُّقِ في هذا السرِّ بدلاً من التشَتُّتِ
والضياعِ في أمورٍ كثيرةٍ، فالقدّيسُ أغوسطينوس يعتبِرُ
الكاهِنَ مسيحاً آخرَ (Alter Christus)، لأنَّ الكاهِنَ خادِمُ
المسيحِ يأخُذُ من جوهَرِهِ طابَعاً علائقيّاً، فهو في المسيحِ
وله ومعه في خدمةِ البَشَرِ.
وعليهِ، نضعُ اليومَ ذواتِنا أمامَ اللهِ لِنكونَ كهنةً
بِحَسَبِ رغبَتِهِ، من دونِ أن ننسى دورَ العذراءِ مريمَ
شفيعةِ رهبانيتِنا، فهي أوَّلُ مَنْ قالَ "نعمْ" للرَبِّ، لذا
أصبَحَتْ نموذجاً لنا، وشاهِدَةً داعِمَةً لِكهنوتِ الرُّسُلِ،
بِوَصفِها أمّاً لهُمْ وللكنيسةِ، وما زالَ حُبُّها، حتّى
يومِنا هذا، يتدفَّقُ بغزارَةٍ على كُلِّ الكهنَةِ المدعوّينَ
إلى حملِ المسيحِ وإيصالِهِ إلى الآخرينَ كما حَمَلَتْهُ هي
إلَينا. آمين.