القبيات، الجمعة 18 ديسمبر 2009 (Zenit.org) . - نقدم نصي
رسالة وقداس الأحد بحسب الطقس الأنطاكي السرياني الماروني مع
تعليق مقتبس من "نشرة الأحد" - موقع القبيات الإلكتروني.
* * *
مدخل
* أحد النسبة هو الأحد السادس من زمن الميلاد وتدعونا الكنيسة
فيه، من خلال نصّين من الرسالة إلى أهل روما ومن إنجيل متى،
إلى تأمّل "النسبّ" البشريّ للكلمة الإلهيّ، ربّنا يسوع
المسيح.
* ففي الرسالة إلى أهل روما يؤكّد لنا مار بولس أنّ يسوع
المسيح "وُلِدَ بِحَسَبِ الـجَسَدِ مِنْ نَسْلِ داوُد،
وَجُعِلَ بِحَسَبِ رُوحِ القَدَاسَةِ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ".
* أمّا في إنجيل متى فتتوضّح لنا مدى إنسانيّة يسوع المسيح،
ابن الله الّذي وُلِد بالجسد من مريم العذراء.
* في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة إذاً، لنقبل ذواتنا وتاريخنا
كما قبل يسوع في نسبه كلّ أنواع البشر.
صلاة
نَشكُرُكَ أيّها الآب السماوي، يا من أرسلت ابنك الوحيد فأصبح
إنساناً مثلنا بعد أن تجسّد من مريم العذراء بقوّة الروح
القدس.
هب لنا، اليوم، أن نعي بنوّتنا لك فنقوى بها على ضعف ووهن
بشريّتنا فنجد في إنجيلك قوّة الخلاص لنفوسنا وقلوبنا وعقولنا،
لتملك عليها يا ربّ بالمحبّة وتغرس فيها الرجاء وتنمّيها
بالإيمان، يا من تحيا وتلك إلى أبد الدهور، آمين.
في هذا الأحد المبارك، نتأمّل مع أمنا الكنيسة في نسب يسوع،
كما رواه لنا إنجيل متّى، واختصره مار بولس في الرّسالة بقوله
إنّ يسوع المسيح "وُلِدَ بِحَسَبِ الـجَسَدِ مِنْ نَسْلِ
داوُد، وَجُعِلَ بِحَسَبِ رُوحِ القَدَاسَةِ ابْنَ اللهِ
بِقُوَّةٍ".
يتوافق محتوى هذين النصّين مع ما نقوله كلّ مرّة في قانون
الإيمان حيث نؤكّد أننا نؤمن "بربٍّ واحدٍ، يسوع المسيح، ابن
الله الوحيد، المولود من الآب قبل كلّ الدهور، إله من إله، نور
من نور، إله حقّ من إله حقّ، مولودٍ غير مخلوق، مساوٍ للآب في
الجوهر، الّذي به كان كلّ شيء..." لنتابع بعدها قائلين: "الّذي
من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسّد من
الروح القدس ومن مريم العذراء وصار إنساناً...".
ولكن هل يتوافق فعلاً قولنا هذا مع قناعاتنا العميقة؟
فهل أقبل مثلاً بأنّ الله تألّم أو صلب أو صفع أو حتى ولد أو
مات؟!
فمنطقنا البشريّ يرفض هذه الصورة الضعيفة لله بكون الألوهة
مرتبطة بنظرنا بالقوّة والبطش والقدرة والهيبة!
ولكن تجسّد يسوع المسيح قلب كلّ الموازين ليؤكّد للناس أن منطق
المحبّة مختلف عن منطق العقل!
فالمحبّة، كما شرحها مار بولس، "... تتَأَنَّى وتَرْفُق.
الـمَحَبَّةُ لا تَحْسُد، ولا تَتَبَاهَى، ولا تَنْتَفِخ، ولا
تَأْتِي قَبَاحَة، ولا تَلْتَمِسُ مَا هوَ لَهَا، ولا
تَحْتَدُّ، ولا تَظُنُّ السُّوء، ولا تَفْرَحُ بِالظُّلْم،
بَلْ تَفْرَحُ بِالـحَقّ، وتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيء، وتُصَدِّقُ
كُلَّ شَيء، وتَرْجُو كُلَّ شَيء، وتَصْبِرُ عَلى كُلِّ شَيء.
الـمَحَبَّةُ لا تَسْقُطُ أَبَدًا. أَمَّا النُّبُوءَاتُ
فَسَتُبْطَل، والأَلْسِنَةُ تَزُول، والعِلْمُ يُبْطَل" (1كور
13/4-8).
ما دفع يسوع إذاً إلى التجسّد والفداء هو المحبّة فهو فعل كل
ذلك "من أجلنا ومن أجل خلاصنا" دونما انتظار أي مقابل سوى سعي
كلّ واحدٍ منّا لتحقيق خلاصه وتبشير من حوله بهذا الخلاص.
وهو لم يشترط توبتنا ليخلّصنا بل خلّصنا أوّلاً ليمكننا من
التوبة وهو ما يظهر من خلال تقبّله لخطأة موصوفين في سلسلة
نسبه الّذين جعلهم الكتاب المقدّس نماذجاً للتوبة لاحقاً
كالملك داود الّذي دفع أوريّا ليُقتل حتى يقترن بامرأته، أو
راحاب الزانية.
وهو لم يشترط الولادة في قصرٍ ملكي وهو سليل الملوك (داود،
سليمان،...) ولا في رحاب الهيكل، بيت الله، مع إنّه ابن الله
لأنّه "... معَ كَونِهِ في صُورَةِ الله، لَمْ يَحْسَبْ
مُسَاوَاتَهُ للهِ غَنِيمَة، بَلْ أَخْلَى ذَاتَهُ، مُتَّخِذًا
صُورَةَ العَبْد، صَائِرًا في شِبْهِ البَشَر. ولَمَّا ظَهَرَ
في هَيْئَةِ إِنْسَان، واضَعَ ذَاتَهُ، وصَارَ مُطِيعًا حَتَّى
الـمَوْت، الـمَوْتِ على الصَّلِيب." (1 فيل 2/6-8).
ما العبرة إذاً من كلّ ما ذكرنا؟
العبر كثيرة في نصّي الرسالة والإنجيل ولكنّ أبرزها:
يدعونا يسوع أن لا نتنكّر لماضينا ولو لم يكن كما نشتهي أو
نتمنّى، فلولا هذا الماضي لم نكن نحن وما وجود خطأة في نسب
يسوع سوى تشجيع لنا لندرك أنّ بمقدور كلّ واحدٍ منّا أن يخلص
إذا ما تاب وترك للربّ أن يغيّر ماضيه ويبارك حاضره ويؤسّس
لمستقبله.يدعونا مار بولس لنقتدي بقوله: "لا أَسْتَحِي
بالإِنْجِيل، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِخَلاَصِ كُلِّ
مُؤْمِن"، فلا نستحي بدورنا بالمسيح الّذي ولد في اسطبل حقير
(لو2/7) وعاش فقيراً لا يملك بيتاً ولا أرزاقاً
ﻓ"لِلْثَّعَالِبِ أَوْجَار، ولِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَار،
أَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ مَوْضِعٌ يُسْنِدُ
إِليْهِ رَأْسَهُ" (متى8/20) ومات ميتة المجرمين، على الصليب!
لأنّه قام وغلب الموت فانتصرت الحياة الباقية على الحياة
الفانية!
أمّا التطبيق العملي فيكمن في مدى استعدادنا لسؤال ذواتنا:
متى كانت آخر مرّة زرت فيها أهلي الأحياء أو الاموات؟!متى كانت
آخر مرّة لم أستحِ فيها بالمجاهرة بإيماني في محضرٍ اجتماعيّ
أو في مطعمٍ قبل الطعام أو في حديثٍ سفيه ولا أخلاقيّ؟!متى
كانت آخر مرّة اقتربت فيها من فقير أو مريضٍ أو محتاجٍ وأنا
مدركٌ في قلبي أنّه أخي في البنوّة للّه وأدركت أنّه لا يحقّ
لي التنعّم لوحدي بالخيرات الدنيوية بل يجب عليّ اقتسامها مع
إخوتي في البنوّة الإلهيّة؟!
نحن في الأحد الأخير قبل عيد الميلاد لذا دعونا، قبل أن نفكّر
في وضع الطفل يسوع في المغارة، أن نبادر إلى وضع بعض الدفء في
قلوب المحتاجين وبعض الطعام في بطون الجائعين وبعض السعادة في
نفوس الحزانى، فلا يشعر يسوع بالأسر في مغارته بل يشعرون هم
بالحريّة التي منحهم إياها ويصبح حقّاً هو العيد لنا جميعاً،
آمين.