خواطر في الإيمان والعقل (2)

الأسطورة المنطقية: الأب المسيحي للمذهب العقلي


بقلم روبير شعيب

روما، الخميس 12 مارس 2009 (Zenit.org). – كما هو الحال في كل ظاهرة بشرية، ترتبط ولادة العقلية الحديثة بعناصر معقدة ومتداخلة، ولذا من البديهي أن اختزال هذه العناصر ببعض النقاط "الواضحة والمتمايزة" هو أمر ساذج. وعليه فإن العناصر التي سنعرضها هي هامة ولكنها ليست حصرية في نشأة العقلية الحديثة.

في صيغتها الحديثة، بدأت العقلية في مطلع القرن السابع عشر في القارة الأوروبية كردة فعل على موجة الشك التي كان روادها ميشال دو مونتِن (Michel de Montaigne) و بيار شارون (Pierre Charron). عبر عن انتصار العقل أول فلاسفة العصر الحديث، رُني ديكارت (René Descartes). إنطلاقًا من هذا الإطار، يتوجب علينا ألا نتهم ديكارت بالعقلية الساذجة، ففلسفته كانت "صراعًا يائسًا للخروج من شك مونتن" (راجع إيتيان جيلسون، وحدة الخبرة الفلسفية). ديكارت فيلسوف كبير تنصب فيه روافد متعددة ومتناقضة، منها عقلية رايموندوس دي سابوندي (Raymondus de Sabunde) وشك مونتن.

الإطار الاسمي (nominalist) ومسألة الله

إن مسيرة ديكارت الفلسفية تولد في إطار رد وردة فعل على إسمية باتت متطرفة ومنحطة. لوي دوبري (Louis Dupré) يربط بين نشأة العصر الحديث والإسمية، ويلحظ أن الفصل الذي تقوم به هذه الفلسفة بين الكلمة والواقع يشكل بدء التشرذم اللاحق (راجع: M.P. Gallagher, Clashing symbols. An introduction to faith and culture

).

وقد أدت الإرادية (volontarismo) المتطرفة التي وضعتها الإسمية إلى التشكيك حتى بالحقائق الأكثر وضوحًا، ولم يعد ممكنًا كما في السابق الارتكاز على فكرة الله كمعيار للحقيقة.

في مؤلفه "تأملات في الفلسفة الأولى" (Meditationes de prima philosophia)، يعبر ديكارت عن صراعه المؤلم مع فكرة إله قد يكون إلهًا خادعًا (genium aliquem malignum) يود بشكل إرادي أن يخدع، ويتحدى ديكارت إلهًا من هذا النوع فيقول بنوع من الكبرياء: "فليخدع بقدر ما يستطيع!" (fallat quantum potest)، لأنه بقدر ما يريد أن يخدعني، لن يستطيع أن يقنعني بأني لا أفكر. وبما أنه أمر حقيقي أني مفكر، فلا بد أن أكون موجودًا، لا بل أنا موجود بالضرورة.

نرى أن الفصل بين الفكرة والواقع، يضطر الإنسان إلى إحقاق الذات، ويؤدي إلى استقلالية في ضمان الذات والوجود الشحصي، بمعزل عن الكيان أو اللاكيان، عن صلاح الخالق أو شره. فقط في مرحلة لاحقة يرى ديكارت أنه من الضروري إدخال فكرة الله، أي بعد أن يوضح أن الـ "أنا" لا يستطيع أن يكون أكيدًا من ذاته ومن العالم من دون فكرة الله، وذلك لأنه لا يمكن أن يتم التفكير بالله ما لم يكن موجودًا: " Verum tamen, ne passim quidem cogitare Deum nisi existentem ".

هذا الأمر يجعلنا نفهم أن الله في تفكير ديكارت ليس مسألة إيمان بل مسألة فلسفية (بعكس ما سيقوله بليز باسكال في ما بعد). وفي إهدائه للكتاب إلى اللاهوتيين اليسوعيين يقول ديكارت: "لطالما كنت مقتنعًا بأن المسألتين المتعلقتين بوجود الله وبالنفس هما موضوعان فلسفيان لا لاهوتيان".

يعتقد ديكارت أنه يجد إثباتًا لأطروحته في كتاب الحكمة (الفصل 13) ورسالة بولس إلى أهل روما (الفصل 1)، ويرتكز أيضًا على ما يقوله اللاهوتيون، كل ما يمكن معرفته بشأن الله (ea omniaquae de Deo sciri possunt) يمكن التوصل إليه عبر العقل الطبيعي، ويمكن إيجاد الدلائل في العقل البشري.

نجد في ديكارت وجهة نظر معاكسة لتوما الأكويني. فإذا كان القديس توما ملتزمًا بالدفاع عن الاستقلالية مرتكزًا على وجهة نظر إلهية، يتحدث ديكارت عن وجهة نظرة لاهوتية تنطلق من استقلالية البشرية. ينطلق توما من الله ليصل إلى الإنسان فيعود به إلى الله، بينما ينطلق ديكارت من الإنسان ويعود إليه عبر وساطة الله. مع ديكارت، ليس الإنسان من يدور حول الله، بل العكس، الشمس الإلهية تدور حول آدم، "الأرضي". يضحي الإنسان نقطة إنطلاق ومرجعية الواقع، ويضحي الفاعل الذي تقف كل الأمور – بما في ذلك الله – كمجرد مواضيع. ليس الله هو الذي يختبر الإنسان (راجع مز 138) بل الإنسان هو الذي يمحص الله.

نجد النتائج المتطرفة لهذه النظرة في فكر لودفيك فويرباخ (L. Feuerbach)، حيث الإنسان هو الذي يخلق الله على صورته ومثاله، وليس العكس كما يقول سفر التكوين (راجع تك 1، 26 – 27).

هذه "الخطيئة الأصلية"، التي تحاول أن تجعل من الإنسان إله ذاته، تأتينا بشكل جديد في الكثير من الروحانيات الجديدة، حيث يظهر الإنسان كشخص متدين و "روحاني"، ويتحدث الكثير من علماء الاجتماع عن "رجوع الله"، ولكن إذا ما أمعنا النظر لرأينا أن الحقيقة مختلفة عن مظهر الأمور، الإنسان يعيش نوعًا من الإنطواء على نفسيته معتبرًا أن هذا الأمر هو روحانية، بينما الأمر لا يتخطى الحكمة النفسية والسيكولوجية التي لا تخرج الإنسان من ذاته بل تغلقه في أطر وجوده الضيق والمنغلق.

مشروع ديكارت

حاول ديكارت أن يحارب مذهب الشك ومذهب الإسمية، من خلال نظام فلسفي وأبيستيمولوجي محصن، لا يمكن دحضه لأنه يرتكز على مبادئ أكيدة ولا شك فيها. كخطوة أولى في عمل البناء هذا بدأ ديكارت في الشك مستعملاً وسيلة مذهب الشك عينه، إلا أن شكه لم يكن موقفًا بل منهجًا.

في جهده الفلسفي، رفض ديكارت استعمال السلطة معتبرًا أنها لا تستطيع أن تقدم أكثر من مجرد احتمالات. رغم أنه كان كاثوليكيًا مؤمنًا إلا أنه لم يدخل العقائد الدينية في برنامج شكه الشامل. فبحسب نظرته، من الممكن التوصل إلى معرفة حقة في العالم فقط عبر العقل دون الاعتماد على أيه سلطة خارجية (auctoritas)، لأن العقل هو بحد ذاته مرجعية وفاعل (auctor) حقيقته: "أنا أفكر إذًا أنا موجود" (cogito ergo sum).

بعد رفض السلطة والمعرفة الحسية بواسطة الشك المنهجي، يعرض ديكارت المعيار التالي لحقيقة معرفتنا: "كل الأمور التي نستطيع إدراكها بشكل واضح وجَلِيّ، هي حقيقية بالطريقة التي ندركها فيها". إنطلاقًا من هذا المبدأ حيث معيار الحقيقة هو المفهوم الذي يصل إليه فكرنا، يضيف ديكارت: "من ناحية أنا أملك بشكل واضح وجلي فكرة عن ذاتي كوني مجرد واقع مفكر لا متمدد، وبما أن لدي من ناحية أخرى فكرة عن الجسد كونه واقع متمدد وغير قابل للتفكير، فمن الواضح أنني – أي أن نفسي – التي بفضلها أكون أنا ذاتي، هي بكليتها وفعلاً منفصلة عن جسدي". ينشأ بهذا الشكل ما يعرف بالإزدواجية الديكارتية حيث التي تتحدث عن "الكيان المفكر" (res cogitans)، ومن ناحية أخرى هي مادة متمددة أو متجسدة (res extensa). هذا التمييز الازدواجي لا يأخذ بعين الاعتبار عنصر الحياة والعلاقة التي تشكل جزءًا هامًا من وجهة النظر الدينية بشأن الإنسان؛ يتم اختزال مكنون الروح البشري في الفكر.

خلاصة القول، فلسفة ديكارت، بالرغم من عظمتها، ومسيرتها التواقة، إلا أنها تعاني من تناقضين: "الأحادية العقلية" (monismo razionalistico)، والإزدواجية الوجودية (dualismo esistenziale). بكلمات أخرى، بينما يحصر ديكارت قدرات المعرفة البشرية بالفكر المنفصل وحده (sola ratio separata) متجاهلاً الإيروس والأغابي وشركة الأشخاص (communio personarum)، ويجعل الإرادة نوعًا من أحكام العقل (راجع فلاديمير سولوفيوف، المعرفة المتكاملة). من ناحية أخرى، يقيم ديكارت نوعًا من الازدواجية المتطرفة فيقسمه إلى مادة مفكرة ومادة متمددة (res cogitans e res extensa).

من الأهمية بمكان أن نتنبه لهذه الازدواجية لأنها لها تأثيرها اللاحق على الفصل بين الإيمان والعقل، بين الفكر والحياة، بين العالم المثالي والعالم الحقيقي. كل هذه الطلاقات تتأثر إلى حد ما بالفصل الذي ثبته ديكارت في الفلسفة (مع العلم أنه ليس أول من تحدث عن هذه الإزدواجية، فهي تعود إلى أفلاطون).
 

 

  العودة الى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com