الدين في حدود العقل وحده

خواطر في الإيمان والعقل (4)


بقلم روبير شعيب

روما، الثلاثاء 24 مارس 2009 (Zenit.org). – بعد أن استعرضنا النتائج المباشرة للفصل بين الإيمان والعقل، ننظر الآن إلى التطورات اللاحقة مستعرضين التيارات التي أخضعت الدين والإيمان إلى سلطة العقل المحض، وصولاً إلى التيارات التي تجاوزت إخضاع الدين إلى العقل متوصلة إلى نقده ونقضه.

الدين في حدود العقل وحده

إن ما يشكل نقطة الالتقاء بين معظم الفلاسفة العقليين في العصر الحديث هو صراع العقل المستقل والمنفصل، وحرب الأنا المفكر ضد المبادئ الخارجة عنه. وقد كان لهذا الصراع آثاره السلبية على العلاقة بين العقل والإيمان.

باروخ سبينوزا (Baruch Spinoza)

يمكننا أن نلحظ التأثير السلبي الذي مارسه المذهب العقلي على الإيمان في فلسفة باروخ سبينوزا الذي اعتبر الإيمان كمقاربة شعبية للمعرفة الحقة، وهذه المقاربة توافق أناسًا غير مثقفين وغير قادرين على الارتقاء إلى مستوى الأفكار الواضحة والمتمايزة.

والقيمة الوحيدة للإيمان – بنظر سبينوزا – هي ذات طابع أخلاقي، بحيث يدفع الإيمان البشر إلى عيش فاضل، ويحثهم على معاملة الآخرين بلطف ومحبة. هذا ووصف الإيمان بأنه "امتلاك معارف بشأن الله خاصيتها أنها تزول بزوال الطاعة نحو الله، وتقوم إذا ما تواجدت تلك الطاعة" (باروخ سبينوزا، البحث اللاهوتي-السياسي، تورينو 1972، 346). ويضيف أيضًا: "لا يتطلب الإيمان عقائد الحق بقدر ما يتطلب عقائد التقوى، أي تلك العقائد التي تحرك النفس إلى الطاعة" (المرجع نفسه، 348).

وبالتالي، بالنسبة لسبينوزا، الدين ليس إلا غطاءً شعبيًا للأخلاقيات، وغايته ليست المشاهدة الطوباوية بل التعايش السلمي. الدين بالنسبة له هو ما قاله نيتشه بإيجاز: "المسيحية هي أفلاطونية للشعب".

نلاحظ أن قراءة سبينوزا هذه للدين كوسيلة أخلاقة في المجتمع، هي واقع ممدوح كثيرًا في مجتمعنا المعاصر، بحيث نرى أن الكثير من السياسيين، حتى الملحدين منهم، يمدحون دور الدين ودور رجال الدين كـ "رجال شرطة متشحين بالأبيض"، ولكنهم يرفضون أي بعد يتجاوز العقل في واقع الإيمان.

إيمانويل كانط (Immanuel Kant)



انطلاقًا من عصر التنوير (illuminismo)، الذي يشكل عصر التحرر من قيود السلطات الفاعلة، والتاريخية والفائقة الطبيعة، شكل العقل البشري المقياس الأوحد والأسمى للحقيقة وللتصرف البشري. لقد خرج العقل من حالة القصور التي كان عائشًا فيها. إنطلاقًا من هذا التحرر تم تحجيم الدين لكي يدخل في نطاق التحليل العقلي. ويشكل عنوان كتاب إيمانويل كانط، "الدين في حدود العقل وحده"، والذي صدر في عام 1793، مثالاً بليغًا للنزعة السائدة في ذلك الزمان. لم يعد يتم البحث عن ركيزة للوجود والأخلاق خارج العقل البشرية بل داخله. لقد التهم العقل كل شيء آخر، بما في ذلك الله، وبقي المسؤول الأوحد عن المستقبل البشري، مبينًا بذلك تعصبًا كبيرًا نحو أي حد ممكن. لقد تحرر الإنسان من كل رهن فائق الطبعة وأعلن نفسه سيدًا لوجوده ولتاريخه.

بالنسبة لكانط، "التنوير هو خروج الإنسان من القصور الذي فرضه على نفسه. القصور هو عدم قدرة المرء على استعمال عقله دون هداية الآخرين. هذا القصور ليس نتيجة نقص في العقل، بل نتيجة نقص في القدرة على الخيارة ونقص في الشجاعة لاستخدام العقل دون هداية آخر" (إيمانويل كانط، "جواب على السؤال: ما هو التنوير؟" في كتابات في السياسة وفي فسلفة التاريخ والحقوق، تورينو 1965، 145). هذا ويميز كانط بين "الإيمان الكنسي التشريعي" المرتكز على شرائع استخلصها فكر شخص آخر، والإيمان بالوحي العقلاني أو "الإيمان الديني العقلي"، والمرتكز على قوانين داخلية في الإنسان.

يدعو كانط الإنسان إلى أن يتجرأ ليعرف "sapere aude"، لأن توكيل أخر بالعمل الفكري الذي يجب على المرء نفسه أن يقوم به هو دليل عن عدم النضج. تحت تأثير "سؤال ليسينغ" – "كيف يمكن لوقائع جانبية أن تضحي ركيزة لوقائع عقلية ضرورية؟" – يعتبر كانط أن الوحي يتمتع فقط بصحة محدودة. وحده الإيمان الديني الصافي المرتكز على العقل وحده يمكن اعتباره ضروريًا، ووحده يجب أن يميز الكنيسة الحقة.

كما ويعتبر كانط أن هذا النوع من الإيمان يستطيع أن يكون مرفقًا بإيمان تاريخي، ولكن دور هذا الأخير هو فقط أن يكون "وسيلة تداولية" لـ "حقيقة متسامية". فحقيقة الإيمان المسيحي، بالنسبة لكانط، تستطيع أن تحافظ على سلطتها، فقط إذا ما تمت ترجمتها إلى تعابير عقل عملي أخلاقي. من هذا المنطلق يعتبر كانط أن سر الثالوث هو أمر غير مهم، لأنه لا يمكن ترجمته في القيم الأخلاقية التي تجعل الإنسان أهلاً لكرامة عيشه.

إن نظرة كانط هذه، بكل ما تحمله من عقلانية وأخلاقيات حديثة، تغفل عن وقائع هامة مثل الحب، وهبة الذات، والعلاقة والشركة، وجميعها أمور كامنة في المفهوم المسيحي لسر الثالوث الأقدس.

هذه النظرة السريعة تكشف لنا كيف أن بعض الفلاسفة الحديثين ظنوا بأنهم "يطهرون" الدين من جميع العناصر التي ليست تحت سيطرة العقل، والتي لا تتجاوب مع معيار المنفعة. من خلال هذه العملية تعرض افتقر الدين بشكل كبير، لأن "الدين العقلي" استثنى أبعادًا هامة من الخبرة الدينية مثل الارتداد، الخبرة الصوفية، دعوة الحب المجاني والجواب على هذا الحب، الحياة الأسرارية والرمزية. هذا الافتقار استمر وكانت له عواقبه الوخيمة، بحيث تم تجاوز تحديد الإيمان في أطر العقل إلى انتقاد الإيمان ونفيه كما سنرى في المقالة المقبلة.

 

  العودة الى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com