من تحديد الدين إلى نقده: أخطاء مذهب العقلية على الصعيد الديني

خواطر في الإيمان والعقل (5)


بقلم روبير شعيب

روما، الثلاثاء 31 مارس 2009 (Zenit.org). – بعد أن استعرضنا إلى كيف قام الفلاسفة بتحديد الإيمان في أطر العقل وحده، ننتقل الآن إلى استعراض التحول التاريخي السلبي الذي تجاوز هذا التحديد إلى انتقاد الإيمان ونفيه.

من تحديد الدين إلى نقده

في إطار الثقة المطلقة بالعقل ونشوة وهم كلية قدرة الإنسان، تولدت انطلاقًا من القرن السادس عشر والسابع عشر نقمة على الإيمان المسيحي، وعلى مفهوم الوحي التاريخي في المسيح. وسعى العديد إلى إبطال إمكانية الوحي الإيجابي والتاريخي ومصداقيته من خلال نفي إمكانية تدخل الله في التاريخ. قام ما يعرف بـ "الربوبية" (deismo) [أي الإيمان بإله ولكن بمعزل عن أي دين أو وحي] بالدفاع عن الدين الحق الأوحد الذي يستحق أو يوجد في المدينة البشرية، أي "دين العقل"، أو ما يعرف أيضًا بـ "الدين الطبيعي". وكان مقصد الربوبية اعتبار الدين المسيحي من وجهة نظر عقلية بحت بشكل يجرده من كل ما يعتبره هذا المذهب الفلسفي تلويثًا واستغلالاً لسلطة الله من خلال زعم الوحي التاريخي.

الغريب في الأمر أن بعض هذه الانتقادات، أقله في الأوقات الأولى، كانت تدعي أنها تقوم بهذا النقد كعمل "دفاعي" عن المسيحية، معتبرة أنها إذا ما حررت المسيحية من مفهوم الوحي، تكون قد أعادتها إلى صورتها الأصيلة والأصلية. وبهذا الشكل سعى البعض إلى جعل العقل مبدأ المعرفة الأوحد، الذي ينفي أو يثبت انطلاقًا من محوريته كل ما يتجاوب أو لا يتجاوب مع مبادئه. نشأ بهذا الشكل "دين طبيعي" (أو دين عقلي) يناهض الدين الإيجابي أي الدين الذي ينشأ كجواب على وحي أولي من الله، باعتبار أن هذا العنصر الأخير هو أمر إضافي وزائد لا يرتبط بجوهر الدين الحق (راجع ب. مارتينلي، الشهادة. حقيقة الله وحرية الإنسان، ميلانو 2002، 29).

يمكننا أن نقول أنه مع نشر كتاب "في الحقيقة" لهربت من شيربوري (Herbert di Cherbury) في عام 1624، وحتى عام 1792، حيث نشر يوهان غوتليب فيختي (Johann Gottlieb Fichte) بنشر "مقالة في نقد كل وحي"، نشهد محاولة تصاعدية للحط من الدين المسيحي في أصوله.

يسعى شيربوري في كتابه إلى معالجة موضوع الدين الميتافيزيقي، ويدعو إلى سيطرة عقلية على الخبرة الدينية. لا يأخذ موقفًا معاديًا من الدين الموحى ولكنه يعبر عن رغبته بإرجاع الدين إلى سلطة العقل باعتبار أن دين الوحي "يحمل طابع فساد". الأديان الحقة بنظره هي تلك التي تسهم بالوصول إلى حالة الطوباوية، وهي مبنية على "عبادة عقلية". كما ولا ينفي أن هذا البعد الأخير يتجاوز العقل ولكنه يصر أن على العقل أن يسيطر على هذا التجاوز. وبالحديث عن البعد الإيجابي للدين يعتبر شيربوري أن الدور الأساسي هو تربوي، ولكن هذا البعد لا يصل إلى إدراك أية حقيقة خاصة.

في الإطار عينه نجد تفكير جون تولاند (John Toland) الذي يدعو إلى السيطرة على أي دين من خلال "المبادئ العقلية الفطرية". في كتابه "المسيحية دون أسرار" الذي صدر في عام 1696، يحارب تولاند مفهوم ما لا يمكن إدراكه بواسطة العقل، أي السر. ويعتبر أن الدين يتمتع بسلطته فقط إذا ما أقنع العقل، وكل ما تفعله الأديان ما عدا ذلك إنما هو فساد وحروب. ولذا يتوجب أن تخضع الخبرة الدينية للعقل بالتمام (راجع م. زكلر – م. كيسلر، "نقد الوحي"، في و. كرن – ه. ج. بوتمايير – م. زكلر، علم الأصول اللاهوتية. دراسة في الوحي، المجلد الثاني، بريشا 1990، 40 - 41). يعتبر تولاند أن كلمة "سر" هي فارغة فكريًا، وهي مجرد وسيلة للثرثرة وعدم قول شيء آخر. ما هو "سري" هو غير حقيقي. وبهذا الشكل يزعم تولاند أن ينزع عن الدين كل طابع فائق الطبيعة وكل طابع يتجاوز العقل.

خلاصة

لقد استعرضنا في هذه "الخواطر في الإيمان والعقل" ولادة مذهب العقلية الحديثة مع ديكارت، واستعرضنا الإرث الذي خلفه ديكارت في اللاهوتيين الذين اعتنقوا نظرته وصولاً إلى الفصل بين فكر الإيمان وعيش الإيمان. ومن ثم نظرنا إلى بعض ورثة ديكارت في العقلية، كانط وسبينوزا، على الصعيد الفلسفي، وشيربوري وتولاند، على الصعيد اللاهوتي.

إن نظرة شاملة خاطفة إلى فلسفة العصر الحديث تبين لنا أن إرث هذه الحقبة هو غني، متنوع ومتشابك. فمن ناحية هناك إرث عظيم لا يمكننا أن نتغاضى عنه. فديكارت كان من كبار علماء الرياضيات، وجميعنا يعرف العلاقة الوثيقة بين الرياضيات والفيزياء، والتكنولوجيا في ما بعد. لقد أسهم العصر الحديث أيضًا في وضع أسس تقييم الفرد الذي أدى إلى شرعة حقوق الإنسان في ما بعد.

ولكن في الوقت عينه يحمل العصر الحديث في طياته بعض الغموض وبعض المخاطر على الصعيد الإيماني. ولهذا يضطرنا إلى القيام بتمييز دقيق لإدراك منافعه ومخاطره، وتعزيز الأولى وتجنب الأخيرة. يتحدث بندكتس السادس عشر في هذا الصدد عن "التزام ثقافي هام" يتمثل بـ "الحوار مع الثقافة الحديثة، التي تفخر من ناحية بتقدم كبير على الصعيد العلمي، ولكنها تبقى في الوقت عينه موسومة بقوة بعلمية وضعية ومادية متطرفة" (بندكتس السادس عشر، خطاب إلى اليسوعيين في بازيليك القيس بطرس، 22 أبريل 2006).

هناك مبدأ واضح في منهجية العصر الحديث يشكل خطأ منهجي في مقاربة الإيمان هذا المبدأ هو اعتبار الوقائع "كما لو أن الله غير موجود" (etsi Deus non daretur). هذا ما قامت به الفلسفة، وللأسف، كما رأينا بإيجاز، هذا ما قام به بعض اللاهوتيين. وقد أدرك بشكل جيد البابا بندكتس هذا الأمر ودعا الفلسفة واللاهوت والمفكرين إلى تحدٍ كبير وهو التفكير واعتبار الأمور انطلاقًا من الاعتبار بأن الله موجود (etsi Deus daretur)، بطريقة يكون فيها اللاهوت لاهوتيًا حقًا، لا "ما-قبل-اللاهوتي".

خطر اللاهوت "الما قبل اللاهوتي" هو أنه ينطلق من إله عقلي، ويصل إلى إله الربوبية، إلى إله الفلاسفة، لا إلى إله يسوع المسيح. الإنطلاق من لاهوت عقلي محض يغلق نوافذ الفكر على أبعاد حياتية هامة جدًا، هي بُعد السيرة اللاهوتية، بُعد العاطفة، بعد علم النفس، بعد الحياة الكنسية كحياة جماعية، بعد الشهادة، وما إلى ذلك من أبعاد كثير تتجاوز العقل، وأهمها بعد المحبة المجانية التي تتجاوز العقل، والتي تشكل كنه الدين المسيحي. من هذا المنطلق الدين العقلي الذي أراد أن يوطد ركائزه المفكرون الذين أردنا استعراضهم لا يطابق البتة طبيعة الفكر البشري الذي يقوم فقط بالتعاون مع سائر الوقائع البشرية. خوفًا من ألا يعطوا العقل حقه، أراد المفكرون الذين استعراضناهم أن يمنحوا العقل حقوق جميع العناصر الأخرى التي تشكل الواقع البشري، ولهذا فإن محاولتهم هي فاشلة وغير مناسبة للواقع البشري

  العودة الى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com