مجمع خلقيدونيا وأثره على الكنيسة والشعب الأرمنيين(5)

مجمع خلقيدونيا والكنيسة الأرمنية


بقلم الأب الياس جانجي

روما، الثلاثاء 11 مارس 2009 (zenit.org). - يعود تاريخ المسيحيَّة في أرمينيا إلى القرون الأولى للميلاد. ويُفيد التقليد الكنسيّ أنّ الرسولَين "تدّاوس" و"برتلماوس" بشّرا الأرمن بالدين المسيحيّ الجديد في منتصف القرن الأوّل للميلاد .كما تؤكّد المصادر التاريخيَّة أنّه في نهاية القرن الثاني كانت قد تكوّنت جماعة صغيرة من المسيحيّين في أرمينيا حيث لجأت مجموعة من المتبتِّلات الهاربات من اضطهاد الإمبراطور الرومانيّ ديوقلييانوس، ومنهنّ القدِّيستان هرِبسيمة وكاياني اللتان استشهدتا مع رفيقاتهنّ حفاظاً على إيمانهنّ وعفّتهنّ .

ويعود الفضل إلى القدِّيس "غريغوريوس" (كريكور) المنوِّر في اهتداء الملك الأرمنيّ "درطاد" إلى الدِين المسيحيّ، الذي تعمد وحاشيته في العام 301. وبهذا تُعتبر أرمينيا أوّل دولة اعتنقت المسيحيَّة دِيناً رسميّاً لها. وقد نال "غريغوريوس" الدرجة الأسقفيَّة على يد أسقف قيصريَّة (كبادوكيا)، وحاز على لقب "كاثوليكوس"، ودُعي بالمنوِّر لأنّه أنار الشعب الأرمنيّ بنُور المسيح. شرع غريغوريوس بتنظيم شؤون الكنيسة الأرمنيَّة من حيث التعليم الدينيّ والطقوس الليتُرجيَّة، واختار مقرّاً له في "فاغارشاباد"، وبنى فيها كنيسة على اسم "إتشميادزين"، ومعناه "نـزول الابن الوحيد" . وكان للقدِّيس الكاثوليكوس "نرسيس الكبير" (353 – 373) الفضل العظيم في وضع القوانين الرهبانيَّة، وتنظيم حياة الأديرة، وإنشاء الأبرشيّات والمياتم ودُور العجزة والمستشفيات، فازدهرت الكنيسة الأرمنيَّة الفتيَّة في عهده ازدهاراً بارزاً . ولمّا كانت الصلوات والطقوس تُقام باللغتين المقروءتين: اليونانيَّة أو السريانيَّة، مع ترجمات وشروحات شفويَّة باللغة الأرمنيَّة، لعدم وجود أبجديَّة أرمنيَّة، فقد سعى الراهب "مِسروب"، على طلب من الكاثوليكوس "ساهاك"، إلى وضع أبجديَّة أرمنيَّة مؤلفة من 36 حرفاً. وقد تكلّلت أبحاثه بالنجاح في العام 406. فنُقلت أُمّهات الكتب الدينيَّة والفلسفيَّة والتاريخيَّة إلى اللغة الأرمنيَّة، وعُرف ذلك العصر "بعصر الثقافة الأرمنيَّة الذهبيّ" .

اعترفت الكنيسة الأرمنيَّة بالمجامع المسكونيَّة الثلاثة الأولى ورفضت الاعتراف بمجمع خلقيدونيا لأنّها لم تشارك فيه، إذ كان الأرمن في العام 451، رجالَ دينٍ وشعباً يدافعون عن إيمانهم المسيحيّ ضدّ هجمات الفرس، بقيادة البطل الشهيد القدِّيس "فارطان" .لم يكتفِ الملك الساسانيّ "شاهنشاه هازكيرد" بولاء الأرمن له، فأصدر في العام 449 فرماناً يطلب فيه مِن جميع سكّان الإمبراطوريَّة ومَن في حُكمها أن يعتنقوا الزرادشتيَّة، وأرسل الكهنة المجوس وأعوانهم إلى مختلف المناطق لبناء معابد لآلهة النار، وأَمَر بقمع كلّ حركة عصيان. ما إن وصل الجنود إلى أرمينيا حتَّى انتفض الشعب بقيادة فارطان ماميكونيان. فقد عانوا الكثير من الفرس ولكنّ الكيل كان قد طفح وأصبح الاضطهاد علانية. واجتمع الأساقفة والأمراء في أشتيشاد وبعثوا برسالة إلى الشاه يرفضون فيها اعتناق الديانة الزرادشتيَّة ويؤكّدون تمسّكهم بالدين المسيحيّ. حينذاك، جهّز الفرس جيوشهم النظاميَّة وساروا بعدد كبير لإخضاع الشعب الأرمنيّ. وكانت معركة أفراير في العام 451 التي استبسل فيها الجيش الأرمنيّ بقيادة فارطان ورفقائه الأمراء، ولكنّهم لم يستطيعوا مقاومة الجيش الفارسيّ المتفوّق بالعَدَد والعتاد، فاستشهدوا على أرض المعركة. أعلنت الكنيسة الأرمنيَّة قداسة فارطان ورفقائه لأنّهم ماتوا من أجل الإيمان بالمسيح. بعد معركة أفراير، خضعت أرمينيا للحكم الساسانيّ ولكنّ الشاه تخلّى عن سياسته القمعيَّة وسمح للأرمن بالحفاظ على ديانتهم المسيحيَّة وممارسة شعائرهم الدينيَّة، تحت ولاية أحد أفراد عائلة ماميكونيان مانحاً إياه لقب "مارزبان" أي رئيساً للولاية . وشهدت أرمينيا بعد تلك الأحداث ازدهاراً كبيراً في مجالات البناء والآداب والعلوم.

3ـ1. موقف الكنيسة الأرمنية من الجدالات اللاهوتية في القرنين الرابع والخامس

قبل الحديث عن موقف الكنيسة من مجمع خلقيدونيا، لا بد لنا من أن نلقي نظرة على الآباء الأرمن خلال فجر المسيحية في أرمينيا. تتلمذ القديس ساهاك بارتيف (387- 438) والقديس مسروب ماشدوتس (390-439) وكتّاب العصر الذهبيّ ، لدى المدارس الإنطاكية، حيث كان القديسان مسروب وساهاك زميلا القديس تيودوروس المُصيصي. إلا أنه وبالرغم من أنهم وكل من اتبع نهجهم في أرمينيا، قد طُبعوا باللاهوت الأنطاكيّ، نراهم قد تبنّوا قرارات مجمع أفسس ورفضوا البدعة النسطوريّة ، وذلك بدعم كبير من قبل بطريرك القسطنطينية . فقد ضحوا بصداقتهم مع تيودوريوس من أجل إيمانهم وعقيدتهم. وهكذا استمر الأرمن بقبول الفكر الأنطاكيّ حتى سنة 436. لكنهم تحوّلوا بعد ذلك إلى تبنيّ اللاهوت الإسكندريّ مع كيرلس. «إن هذا التحول الجذري مهم لأنه في القرن السادس بدأ الأرمن يؤمنون بتعاليم كيرلس، ويرفضون تعاليم معاكسيه. فبالتالي عن غير قصد منهم أخذوا يرفضون أتباع كريكور المنّور ومسروب ماشدوتس وساهاك بارتيف» . أما أسباب هذا التحول فتعود إلى:

ـ الأسقفان القديسان أكاكيوس ورابولا: بعد انتهاء مجمع أفسس، سيطر التيار الإسكندريّ ليس فقط في الإسكندرية، بل في أنطاكية أيضاً برئاسة أكاكيوس أسقف ملاطيا ورابولا أسقف يتسيا (الرها). حاول هذان الأخيرّان بكل جهدهم تحذير الناس من قراءة كتابّات تيودوروس المُصيصي، لاحتوائها على بذور البدعة النسطورية . فقام أكاكيوس بإرسال رسالة إلى كاثوليكوس الأرمن، الذي أجابه برسالة مماثلة لم يذكر فيها اسم تيودورس. لكن بعض علماء العقيدة ينفون هذا الحدث ويؤكدون بأن جواب البطريرك الأرمني كان غريباً وتهرّبياً. لأنه لا يُعقل أن كتابات شخص مشهور مثل تيودورس لم تصل إلى البلاد الأرمنية قبل هذه المراسلة. فنستنتج بأن الكاثوليكوس الأرمني لأسباب خاصة قد تحفظ عن إعلان رأيه حول عقيدة تيودورس .

ـ المراسلات مع برُكلّس بطريرك القسطنطينية: لم يستطع أكاكيوس أن يحصل على الموافقة، من الكاثوليكوس الأرمنيّ، على التصرف بحرية داخل حدود الأراضي الأرمنية. وحاول للمرة الأخيرة أن يقنع الأرمن بالانضمام إلى التيار المعادي لتيودوروس، اعتماداً على مساعي برُكلّس بطريرك القسطنطينية، وذلك بإرسال رسالة يوضح فيها مطلبه.

بالمقارنة بين النص اليونانيّ والنص الأرمنيّ للرسالة ، نجد ما يلي:

• في النص الأرمنيّ، رسالة برُكّلس مرسلة إلى البطريرك ساهاك وإلى القديس ماشدوتس، بينما في النص اليوناني فهي موجّهة إلى أساقفة وشيوخ أرمينيا، حيث ورد في عنوان عنوان الرسالة "إلى أساقفة وشيوخ أرمينيا" وليس "إلى مسروب وساهاك".

• في النص اليونانيّ لا يذكر برُكّلس اسم تيودورس، على عكس النص الأرمنيّ الذي يحتوي على مقطع بكامله يحتوي على الفكر النسطوريّ والتيودوريّ المنحرف. لكن من الأسلوب المُستخدم في هذه الرسالة يبيّن لنا أن المترجم قد أضاف فيما بعد هذا المقطع.

• يذكر في النص اليوناني: «أنهم قد كتبوا رسالة لحضرتكم جواباً لرسالتكم، التي أرسلتموها لنا». فالمترجم يغير بعض الكلمات ويترجم: «إن كل هذا كُتب لحضرتكم، لأنكم سمعتم». بالتالي من الواضح أن المترجم بدون شك هو من أحد سعاة البريد. فقام بصياغة هذه الرسالة الموجهة إلى برُكّلس من قبل أساقفة أرمينيا. مما دعاه إلى تغيير بعض المقاطع، ليبعد الشبهات عن عمله الخاطئ الذي قام به. ومن الناحية الثانية لم يستسيغ جواب برُكّلس، فقام بإضافة اسم تيودورس ونسطوريوس. وأخيراً بدلاً من أن تكون هذه الرسالة موجهة إلى أساقفة وشيوخ أرمينيا، وجهها المترجم إلى مسروب وساهاك.

من هنا نستنتج بأن الجيل القديم لم يعارض حركة المُصيصي الجديدة. على عكس الجيل الجديد المؤلف من تلامذة ماشدوتس، حيث أنهم كانوا يتجولون في القسطنطينية وملاطيا والرها ويسمعون أقوال تعاكس الحركة المُصيصية، مما أدى إلى اقتناعهم بالحركة الكيرلسيّة. من هنا نستطيع أن نفهم هذا التحول الذي طرأ على الشعب الأرمنيّ والذي ساهم في تقوية التيار الكيرلسيّ في الكنيسة الأرمنية، هؤلاء الذين عارضوا القائلين بطبيعتي المسيح.كما إن تلاميذ ميسروب ماشدوتس هم الذين جلبوا قرارات مجمعي نيقيا وأفسس إلى أرمينيا وقام الأساقفة الأرمن بالتوقيع عليها .

  العودة الى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com