مجمع خلقيدونيا وأثره على الكنيسة والشعب الأرمنيين (4)

مجمع خلقيدونيا: أسبابه، مصادره اللاهوتية، مجرياته، قراراته


بقلم الأب الياس جانجي

روما، الجمعة 6 مارس 2009 (Zenit.org). – بعد الإطلاع على المراحل التاريخيّة التي مهّدت لمجمع خلقيدونيا، وبعد المرور على أهم الأحداث والهرطقات الذين ساعدوا بدورهم في عقد مجامع كان لا بد منها، يجب النظر إلى الأسباب المباشرة التي أدت لعقد هذا المجمع، الذي سوف يلعب دوراً كبيراً في حياة الكنيسة بعد مرور خمسة قرون على ميلادها. إذ أنه سيقوم بتقسيمها إلى جزئين، أحدهما يقبل المجمع والآخر يرفضه، بالإضافة إلى ذلك فسوف يحمل أثره معظم الكنائس المعاصرة. إن غرض هذا المجمع بالتأكيد كان جيّداً ومدعاة للإصلاح حيث كانت مهمته ليست فقط إدانة تعاليم أوطيخا ومحاربة المونوفيزيّة كما سنرى، بل الحفاظ على حقيقة إنسانيّة يسوع المسيح. إلا أنه كحدث قد رسّخ آثاراً مؤسفة في حياة وتاريخ الكنيسة لم يُستطع حتى اليوم إزالتها.

إن لاهوت اليوم يحكم على هذا المجمع، بالرغم من أهميته اللاهوتيّة البالغة، أنه سبّب أوّل انشقاق كنسيّ . فمن يبحث اليوم بموضوعيّة وبدون تحيّز في الأحداث الكنسيّة المعاصرة للقرن الخامس لا يجد سبباً كافيّاً لهذا الانقسام الذي تمّ بين الخلقيدونيّين واللاخلقيدونيّين، وإذا بحث المرء في التعليم العقائديّ الذي نما في القرون الخمسة عشر التالية بين الكنيستين، يجد هناك تطابقاً شديداً في كل النواحي تقريباً، والاستثناء هو اختلاف غامض في الرأي يتعلق في الصياغات اللفظيّة، ولعل الاختلاف اصطلاحيّ أكثر مما هو حقيقيّ.

في خلقيدونيا، قال الفكر المسيحيّ، للمّرة الأولى في تاريخ الفكر الإنسانيّ، بأن ثّمة "نموذجاً" هو يسوع الناصريّ، مزدوج من حيث وجوده، أي أنه إله كامل وإنسان كامل، وسيبقى كذلك حتى انقضاء الدهر. والإنسانيّ فيه لا يبتلعه الإلهيّ، بل يحتضنه ويحميه. كما أن الإلهيّ فيه لا يغيبه الإنسانيّ، بل يؤيّده ويظهره. الإلهيّ والإنسانيّ قائمان في يسوع ابن مريم معاً، في انسجام لا ينتابه تناقض.

تمّ الدفاع عن هذا المجمع من قبل العديد من العلماء التابعين للكنائس الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة، وفي الحقيقة لم يتلق أي مجمع آخر في التاريخ المسيحيّ دفاعاً متعمّداً ومقرّراً كالذي تلقاه هذا المجمع، ولم تكن نقطة النزاع بين أولئك الذي قبلوا هذا المجمع والذين نبذوه هي أن الأولين أكدوا والآخرين رفضوا الاعتراف بالاتحاد الكامل للذات الإلهيّة وللناسوت في المسيح الواحد، لأن الفريقين كانوا يعلنون الحقائق ذاتها ولكن بتعابير وكلمات مختلفة، وأحياناً أخرى بضعف واضح في هذه التعابير والألفاظ. مما أدّى إلى حدوث خلاف اعتبروه جوهريّاً، لكنه كان لغويّاً. هذا ما سأسعى لأبينه من خلال هذه الدراسة.

2ـ1. الأسباب التي أدّت إلى عقد هذا المجمع

لا يمكن لمجمع ما، وخاصّة مجمع مسكونيّ أن يعتبر حدثاً معزولاً في تاريخ الكنيسة. فله خلفية تاريخّية ويتبعه تاريخ ذو ديمومة تكون أكثر طولاً أو قصراً. ينشأ كل مجمع من مجريات ضمن الكنيسة، وأحياناً ينشأ من أزمة. فهو غالباً نتيجة لتوترات لاهوتيّة أو تنظيمّية تؤثر على الكنيسة برمتها.

كانت المشكلة الكريستولوجيّة المطروحة على التفكير المسيحيّ في النصف الثاني من القرن الرابع وبداية القرن الخامس متعلّقة أساساً بإنسانيّة المسيح. كان السؤال المطروح هو التالي: إذا كان كلمة الله قد أخذ في ذاته الطبيعة البشريّة، فماذا سيحل بهذه الطبيعة في عملية الإتحاد، هل سيحافظ كلمة الله - اللوغوس على الطبيعة البشرية، أم ستذوب هذه في الطبيعة الإلهيّة.

في ذلك الحين كانت القضايا التي سببها مجمع نيقيا قد تمّت معالجتها، أي لم يكن يوجد خلاف على ألوهيّة المسيح، لكن الخلاف تمحور حول حقيقة إنسانيّته، ومصيرها. فالابن المولود من الآب والمساوي له في الجوهر، هو نفسه الذي صار إنساناً في ملء الزمان من خلال العذراء مريم. كانت هذه العقيدة من أهم العقائد التي تداولها الآباء في مجمعي القسطنطينيّة وأفسس . وكما رأينا فيما سبق أن مجمع أفسس شدّد على وحدة شخص يسوع المسيح، لكنه لم يميز بين الطبيعتين الإلهيّة والإنسانيّة. وبالتالي ترك المجال للعديد من المناقشات والشروحات التي أدّت آخراً إلى عقد مجمع خلقيدونيا وذلك للتشديد على تمييز ازدواجيّة الطبيعتين مستنداً إلى وحدة الشخص التي أقرها مجمع أفسس . ويمكننا تقسيم الأسباب المباشرة التي أدت لعقد هذا المجمع إلى قسمين: أولاً تصارع المدرستين الإنطاكيّة والإسكندريّة على الكريستولوجيا القائمة وفقاً لتصميم "الكلمة-الإنسان" و"الكلمة-الجسد" ، وثانياً لاهوت أوطيخا، وسأتحدث عن كل منهما فيما يلي.

2ـ1ـ1. تصادم مدرستي الإسكندرية والإنطاكية

منذ فجر المسيحيّة اهتم الشرق القديم باللاهوت وأقبل عليه بشغف، وابتداءً من القرنين الرابع والخامس قاد تطور العقائد والجدالات الكريستولوجيّة إلى ظهور مدرستين لاهوتيتين لكلّ منهما ميزتهما الخاصّة: مدرسة إنطاكية ومدرسة الإسكندرية . غالباً ما دخلت هاتان المدرستان في صراع وتنافس على زعامة العالم المسيحيّ الشرقيّ القديم، وكانت الخلافات بينهما تتمحور حول تمايزات لاهوتيّة، أصبحت فيما بعد تتمحور على مستوى السياسة الكنسّية . كان لكلّ من المدرستين خلفية ثقافيّة ولاهوتيّة مختلفة أدّت إلى ظهور تمايز في العبارات وبالأخص الاختلاف في فهم كل من العبارات التالية: "شخص" و "طبيعة". سيطرت هاتان المدرستان على الفكر اللاهوتيّ خلال القرون الأولى وحتى يومنا الحاضر ، وأدّتا إلى عقد عدد كبير من المجامع لحل الخلافات العقائدّية التي كان ظاهرها اختلافٌ على بعض المصطلحات، أما باطنها اللاهوتي والفكري، فقد تقارب لدرجة كبيرة.

ـ تصميم Logos-Sarx (الكلمة ـ الجسد): برز هذا التصميم في الزمن الذي تلا مجمع أنطاكيا 268، كان هدفه تفسير وحدة الألوهة والناسوت في يسوع المسيح بما يتفق مع وحدة الجسد والروح في الإنسان . فإن اللوغوس يحلّ محل الروح في المسيح بشكل كامل ، لكن دون الوقوع في هرطقة آريوس الذي اعتبر أن اللوغوس يتحد "اتحاداً مادّيّاً" مع الطبيعة البشريّة.

إن الوحدة البشريّة للجسد والروح مطبقة بلا شك على تفسير شخص المسيح. المسيح هو طبيعة واحدة Physis لأن الذي يتحدّث عن طبيعتين يعطي أداة ممتازة لأولئك الذين يميلون إلى تقسيم الوحدة في المسيح، لأن الانقسام يعتمد وجود ثنائيّة . هذا ما أشار إليه أبوليناريوس في رسالته إلى ديونيسيوس. ويضيف بأن الجسد ليس على نحو الطبيعة، لأنه لا يقدر أن يمنح الحياة بنفسه. وبالتالي لا يمكن أن ينفصل عن اللوغوس المانح للحياة. فاللوغوس لا يوجد فقط في حالة ما قبل الوجود متحرراً من الجسد، لكنه في هذا العالم متّحداً مع الجسد .

كان سبب هذه الهرطقة غزو الفلسفة الهلينية الفكر المسيحيّ، والتي طرحت فكر الطبيعة. وخاصة أن سمو اللوغوس الإلهيّ وعلاقته مع الجسد Sarx كانتا عرضة للخطر. لقد فات أبوليناريوس وكل المتمسكين بهذا الفكر إدراك معنى نيقيا وهو سمو اللوغوس وألوهيته. ولقد تصدى لهذا التفسير الأبوليناريّ ذريوذورس الطرسوسيّ وتيودوروس المصّيصيّ، اللذان دافعا عن التمييز في المسيح بين ما يعود إلى الألوهة، وما يعود إلى البشرية فيه . يشدد هؤلاء على الفرق بين "الكلمة الذي يأخذ" و"الإنسان المأخوذ" (Homo assumptus). فالسؤال الأساسيّ الذي تحاول المدرسة الإنطاكية الإجابة عليه هو: بأي طريقة أُخذ الإنسان من قبل الكلمة .

ـ تصميم Logos-Anthropos (الكلمة – الإنسان): ظهر هذا التصميم كرّد فعل على ما سبق، حيث أعلن أن جسد المسيح وروحه متّحدان تماماً كأي إنسان. وشدد على الناسوت التامّ ليسوع المسيح . وهو بخلاف التصميم السابق، يعطي الأولوية للطبيعة الإلهيّة من حيث أنها مبدأ العمل الوحيد في المسيح. حيث لا يمكن تصوّر بشرّية تعطي إمكانيّة العمل كـ"مبدأ مستقل". في الكلمة المتجسّد، الإنسان هو الكلمة، ولكن من حيث أنه الكلمة المتّحد بجسد . فالجسد هو لباس الكلمة ومكان عمله، وهو يشكل كياناً واحداً معه.

وُصف اللاهوت الإنطاكيّ بالنظرة العقلانّية، أما اللاهوت الإسكندريّ فوُصف بالصوفّي . وكان هذا الخلاف بينهم عميق، يحتوي على عدد من المقومات التي تدفع إلى الانشقاق. فمن خلال مجمع أفسس انتصر نوعاً ما اللاهوت الإسكندريّ على الإنطاكيّ. ورفض التعليم الإنطاكيّ العبارات "الأقنوم الواحد"، "الطبيعة المتجّسدة الواحدة لله الكلمة"، "الاتحاد الاقنوّمي" . واستبدلوا الأقنوم الواحد بالـ"prosopon" وأقروا بوجود "طبيعتين بعد الاتحاد" وذلك لأنهما وُجدتا معاً وهما متحدتان . وسيقبل الإنطاكيون الموقف الذي أكّده كيرلس والاسكندرّيون الذي يقول بأن اتحاد الطبيعتين كان دون تشويش أو انفصال. إلا أنهم لم يقبلوا الاتحاد الأقنومّي، أقنوم واحد، وطبيعة متجّسدة واحدة لله الكلمة.

2ـ1ـ2. لاهوت أوطيخا

لا بدّ بداية من التعريف عن هوية أوطيخا، قبل تحليل لاهوته.

كان أوطيخا أرشمندريتاً في أحد أديرة القسطنطينيّة. قاوم البدعة النسطورّية، عُزل سنة 448، ثمّ أعيد إليه اعتباره في مجمع أفسس (اللصوص) سنة 449. لكنه أُدين خلال مجمع خلقيدونيا ونفاه الإمبراطور مرقيانس إلى مصر . لم يكن "لاهوتيّاً" بارعاً، بل كاهناً عجوزاً له تأثير في بلاط الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني . تعاطف مع اللاهوت الإسكندريّ وخاصّة مع كيرلس، إلا أنه ظلّ محدوداً في إمكانياته وعنيداً في طبعه .

تمحور تفكيره اللاهوتيّ حول عدم إمكانية رفضه أن يكون المسيح مؤلفاً من طبيعتين بعد الاتحاد، وسبب ذلك يعود إلى اعتقاده بأن الخصائص الإلهيّة والإنسانيّة في المسيح قد اختلطت (Sugkhusis-Krasis)، خلال فعل التجسّد. فكان يعتقد أن الطبيعة الإلهيّة امتصت الطبيعة البشرّية، فزالت وتلاشت الإنسانيّة في الألوهة ، أي أن الطبيعتين امتزجتا معاً في طبيعة واحدة. كان أوطيخا معارضاً للتقليدين الإسكندريّ والإنطاكيّ. ومن هنا جاءت تسمية أوطيخا "مونوفيزيسم" monophysisme وتعني "طبيعة وحيدة". راجت تعاليمه في القسطنطينيّة وخارجها، خصوصاً وأنّه كان رئيساً لدير يضمّ 300 راهب .

وفي هذا السياق اتهم أوطيخا بالهرطقة، وعُقد مجمع في القسطنطينية عام 448 لمحاربة هرطقته. فأُدين في رفض الاعتراف بـ "الطبيعتين بعد الاتحاد" ، لأن هذه المقولة جزء من الأرثوذكسيّة المعلنة، والتي لم يعترف بها الجانب الإسكندريّ، وبما أن المجمع طلب من أوطيخا تأكيد هذه العبارة فهو بالتالي سيقوم بإدانة ورفض تعاليم معلميه أمثال اثناسيوس وكيرلس وتعاليم المدرسة التي ينتمي إليها. كما أنه عبّر عن تحفظه حول صيغة "المتساوي في الجوهر مع البشر".

أما الطرف الإسكندريّ فقام بعقد مجمع في أفسس عام 449، أصرّ على أن التأكيد على عبارة "الطبيعتين بعد الاتحاد" هو معارض للإيمان الأورثوذكسي. ونقض ما تم التوافق عليه في مجمع القسطنطينيّة عام 448، وتمّ إعادة اعتبار أوطيخا وحرم فلابيانس الذي كان قد ترأس مجمع 448 .

في هذه الأثناء قام البابا لاون الكبير (Léon le Grand) بكتابة رسالة عقائدّية إلى فلابيانوس أسقف القسطنطينية، مقدّماً حلاًّ لاهوتيّاً من دون الأخذ بعين الاعتبار وضع الشرق العصيب، ويمكن أن يتشابه موقفه مع التقاليدين الإنطاكيّ والإسكندريّ معاً، إلا أنه اقترب من الموقف الإنطاكيّ الذي كان قد أعلنه مجمع أفسس في عام 431 على أنه الإيمان القويم. لذلك رحّب المدافعون عن مجمع القسطنطينية بهذه الرسالة. أما في مجمع أفسس المعروف بمجمع اللصوص، فلم يقم أحد بقراءة رسالة البابا لاون، فاستاء هذا الأخير وبدأ يسعى لعقد مجمع جديد في إيطاليا لرفض مجمع 449، وتكللت مساعيه بالنجاح وذلك من خلال مجمع خلقيدونيا.

يمكننا أن نستنتج من دفاعات أوطيخا أثناء محاكمته الأفكار اللاهوتية التالية: قبل أن يصبح الله الابن متجّسداً وقبل أن يتّحد اللاهوت بالناسوت في يسوع المسيح كان مؤلفاً من "طبيعتين". لكن عندما اتحدت الطبيعتان أصبح المسيح ذا "طبيعة واحدة". وبما أن أوطيخا كان ممانعاً يرفض وجود الطبيعة البشرية في المسيح، فإن تعبير "طبيعة واحدة" ربما عنى له على نحو صحيح أن الناسوت فُقد، بعد الاتحاد . وهذا المعنى هو الذي استشفه البابا لاون، وبعض أساقفة خلقيدونيا إذ إن أوطيخا استعمل كلمات مضللة فقال: «صار الكلمة بشراً بطريقة تتضمن أن المسيح حُبل به من رحم العذراء وامتلك شكل إنسان بلا جسد حقيقيّ متّخذاً من أمه» .

إلا أنه في الوقت عينيه يقرّ أوطيخا بالإيمان القويم وذلك حين قال: «إن كلمة الله نفسه نزل من السماء بلا جسد وصار جسداً من جسد العذراء نفسه بلا تغيّر ولا تحوّل على نحو عرفه وأراده هو نفسه. فالذي هو دائماً إله كامل قبل الدهور صار بشراً لأجلنا ولأجل خلاصنا» . من الملاحظ أن إيمان أوطيخا هنا هو قويم لكنه ناقص ولم يكتمل. ولذلك هناك العديد من العلماء الذين يعتبرون أن آباء المجمع استشهدوا فقط ببعض أقواله .

2_2. المصادر اللاهوتيّة للمجمع

كانت المصادر الأساسيّة لهذا المجمع دستور الإيمان الذي أعلنه مجمع نيقيا وأكمله مجمع القسطنطينيّة، ورسائل كيرلس الإسكندريّ، بالإضافة إلى رسالة لاون أسقف روما إلى فلافيانوس. وسأقوم الآن بتحليل العبارات الهامة لهذه الرسائل التي سبقت عقد المجمع.

ـ رسائل كيرلس المجمعية: قُرأت خلال المجمع رسالتان لكيرلس الإسكندريّ، إحداهما كانت موجهة إلى نسطور والأخرى وُجهت إلى يوحنا أسقف إنطاكيا . وعلى أثر قراءة هاتان الرسالتان، صرخ الأساقفة: "كلنا نؤمن بهذا" .

عندما بدأ كيرلس بمعارضة نسطوريوس عام 429 بدأ اعتقاده يتكّون حول فكرة أن في المسيح «طبيعة الله الكلمة الواحدة المتجسدة» . كانت هذه الصيغة أبوليناريّة، مع أنه لم يكن هو أبوليناريّاً، لأنه كان يعترف بناسوت المسيح الكامل بالجسد والروح. وكانت صورة المسيح لدية تتلائم مع صورة "العليقة المحترقة"، فكما استطاعت العليقة أن تحمل النار، كذلك استطاعت طبيعتنا أن تحمل المسيح في إلوهيته؛ فكلّ شيء تم تصوّره على ضوء الوحدة في اللوغوس .

اعترف كيرلس بأن ألوهة المسيح هي طبيعة واحدة Physis، وأن الناسوت هو أيضاً طبيعة واحدة Physis. وشرح أيضاً أن الطبيعتين غير مشوشتان في المسيح الواحد، وأكّد على تمايزهما فيه .

يقبل الخلقيدونيين واللاخلقيدونيين كلاهما الصيغة السابقة بكونها الدليل الآبائي الوحيد والأول على المسيحانيّة الأرثوذكسية ذات الإيمان القويم، لكنهما يتهمان أحدهما الآخر بعدم الإخلاص الكليّ لها. لكن للأسف الشديد وبسبب الاختلاف المتبادل في فهم المصطلحات اللغوية، نجد العديد من الآباء ومن بينهم كيرلس يفسرون عبارة "طبيعة واحدة" مثل عبارة "أقنوم واحد" ، وينظرون إلى هذه العبارة بالمعنى الذي ورد عند الإنجيلي يوحّنا في عبارته «الكلمة صار جسداً» . فإن الألفاظ مثل "طبيعة"، "أقنوم"، "شخص"، كانت مترادفة في ذلك الوقت. ولذلك يجب أن نفهم لفظة "الطبيعة" في العبارة التي نحن بصددها كـ "شخص" في ذاته ومن ذاته أي شخص الإله – الكلمة السرمديّ. ومن خلال لفظة "الواحدة" يقضي على كل معنى نسطوريّ متعلقّ بانقسام شخص كلمة الله المتجسّد الواحد وهي بالتالي تؤكد وحدته. أما "المتجسّدة" فتدل على أن الطبيعة الإنسانيّة التي اتخذها كلمة الله واتحد بها اقنوميّاً في ملء الزمان.

ـ رسالة البابا لاون أسقف روما: أرسل البابا هذه الرسالة إلى القديس فلابيانوس اسقف القسطنطينية حين ارتاب في تعليم أوطيخا كشكل من الظاهرّية (Docetisme) والمانوّية (Manichaeisme) ، وقد فنّد فيها تعاليم أصحاب الطبيعة الواحدة. ولما قُرئت الرسالة علناً في المجمع صرخ الآباء: «هذا هو إيمان الآباء. هذا هو إيمان الرسل. القديس بطرس يتكلم هذه الأشياء بفم لاون» . ولهذا دعيت هذه الرسالة عامود الأرثوذكسيّة. كان تعبير البابا اللاهوتيّ أقرب إلى مدرسة إنطاكية وذلك بتشديده على طبيعتين اثنتين متميزتين. وكان لاهوته مماثلاً للاهوت كيرلس من حيث الاتحاد: "الإله الحقيقيّ وُلد كاملاً فيما هو له، كاملاً فيما هو لنا" .

لم يرغب لاون بالتفكير بطريقة نسطورّية، فيجعل المسيح شخصاً مستقلاً . ففي وحدة المسيح يتم الاحتفاظ بالطبيعة الإنسانيّة، كمبدأ للفاعليّة. حيث قال في رسالته: «إن كل واحدة من الطبيعتين اللتان للمسيح تحتفظ بخصائصها، بينما تكون في نفس الوقت متّحدة في شخص واحد» .

كانت الهتافات المناصرة لكيرلس ولاوون معاً في المجمع، ولا سيّما الهتافات الموجهة لرسائلهما. كان لاهوتهما واحداً، إلا أن تعبيرهما اللاهوتيّ كان مختلفاً، ولا سيما فيما يختص بارتباط وحدة الشخص بتمييز الطبيعتين. فكان يتوجب تحرير نص عقائديّ يدمج النظريتين، وهذا ما قام به الآباء في المجمع.

2ـ3. مجريات المجمع

في 17 أيار سنة 451 صدرت دعوة عن الإمبراطور مرقيانوس لعقد مجمع مسكونيّ في اليوم الأوّل من شهر أيلول في نيقيا، ولكن لظروف عسكريّة، والبعض يقول صحيّة، تم نقل المكان إلى خلقيدونيا لقربها من العاصمة. وبدأ المجمع أعماله في 8 ت1 451 بحضور 630 أسقفاً ومشاركة الإمبراطور وزوجته بلخيريا. في كنيسة القدّيسة أوفيميا في خلقيدونيا .

2ـ3ـ1. التآم المجمع

تُقسم وقائع هذا المجمع إلى ثلاثة أقسام. في القسم الأول تمّ البحث في رسائل متعدّدة. ونوقشت الأعمال التي أجازها فلافيانوس في القسطنطينية بالإضافة إلى الأعمال التي أجازها مجمع اللصوص في أفسس، أما القسم الثاني فبحث الآباء فيه أعمال هذا المجمع وهي ستة عشر عملاً، أما القسم الثالث فبُعثت رسائل مختلفة من المجمع ومن الملكين .

افتتح المجمع بخطاب من الملك، وتحوّلت الجلسة الأولى لمحاكمة ديوسقورس الإسكندريّ على تصرّفه خصوصاً عقده لمجمع أفسس اللصوص. وتداول الآباء ما جاء في أعماله، وأعلن أكثريّة الأساقفة أنّهم أُرغموا على توقيعها. ويظهر أنّ الحضور كان منقسّماً إلى جناحين من حيث الجلوس، كلّ تيار في جهة يتوسّطهما أرباب السلطة. وكان كلّ من يتراجع عن مواقفه ينتقل من جهةٍ إلى أخرى.

وبعدما ناقش الآباء تعليم فلابيانوس القسطنطينيّ حُكم على بطلان كلّ ما حصل في مجمع أفسس اللصوص، وحُكم على ديوسقوروس بالقطع.

عقدت الجلسة الثانية في 6 ت1 واقتصرت على تلاوة قانون نيقيا والقانون القسطنطينيّ ورسالة لاون وتوضيح بعض معانيها. وتلتها جلسة يوم السبت في 13 ت1 التي خصّصت لعرض ظلامات ديوسقورس في الإسكندريّة واستبداده وطمعه. وبعدما امتنع عن الحضور ثلاث مرّات حُكم عليه وأُبلغ الإمبراطور بقرار الحكم.

وعقدت الجلسة الرابعة نهار الثلاثاء الواقع فيه 16 ت1، وفيها وافق الآباء على الدستور النيقاويّ المكمّل بالقسطنطينيّ، ووافقوا أيضاً على تعليم القدّيس كيرلّس في مجمع أفسس ضدّ نسطوريوس ورسالة البابا لاون ضدّ أوطيخا. أما الجلسة الخامسة كانت نهار الاثنين في 23 ت1 وفيها وضع الآباء صورة إيمانهم وحفظوها في قبر القدّيسة أوفيميا.

الجلسة السادسة عُقدت في 25 ت1 بحضور الملك الذي تلا خطاباّ شكر فيه الله وأشار إلى السلام والإيمان الأرثوذكسيّ. ثمّ تُلي تحديد المجمع ووقّعه الآباء بخطّ يدهم وثبّته الملك. أما الجلسة السابعة فعُقدت في 29 ت1 وخُصّصت لمصالحة أسقفيّ أنطاكية وأورشليم وتحديد حدود كلّ أبرشيّة وسلطة كلّ أسقف.

وبعد ذلك عقد المجمع تسع جلسات تمّ فيها تبرئة كلّ الذين أُدينوا على يد ديوسقوروس في مجمع أفسس اللصوص، ووضعت القوانين التنظيميّة للكنيسة وكان عددها ثلاثون. وكانت الجلسة السادسة عشرة الأخيرة وفيها اعترض ممثّلو روما على القانون 28 الذي يمنح القسطنطينيّة التقدّم والمرتبة الشرفيّة بعد روما وعلى حساب الإسكندرية وإنطاكيا .

2ـ3ـ2. اعتراف الإيمان الخلقيدونيّ

«إنّنا نتمسّك باتّباع الآباء القدّيسين في الإعتراف بمن هو واحد وهو نفسه الابن في الألوهيّة وتام في البشريّة، إله حقّ وإنسان حقّ، وهو نفسه مكوّن من نفس عاقلة وجسد. إنّه مساوٍ للآب في الألوهيّة ومساوٍ لنا في البشريّة، شبيه بنا في كلّ شيء ما خلا الخطيئة. قبل كلّ الدهور ولد من الآب بحسب الألوهيّة، وفي الأيام الأخيرة هو نفسه، لأجلنا ولأجل خلاصنا، ولد من مريم العذراء والدة الإله، بحسب البشريّة. واحد هو، وهو نفسه المسيح، الابن الوحيد، الربّ، الذي يجب الاعتراف به في طبيعتين متّحدتين دون اختلاف ولا تحوّل ولا انقسام ولا انفصال. إنّ اتّحاد الطبيعتين لم يزل ولم يلغ بأي شكل من الأشكال ما فيهما من تباين. بل على العكس من ذلك، قد حفظت سالمة جميع خصائص الطبيعتين اللتين اتّحدتا في شخصٍ واحد وأقنومٍ واحد. وهو لم ينقسم ولم ينفصل إلى شخصين، بل واحد هو، وهو نفسه الابن الوحيد، الإله الكلمة، الربّ يسوع المسيح. هكذا تكلّم عنه الأنبياء قديماً، وهكذا علّمنا يسوع نفسه، وهذا ما علّمنا إياه الآباء في قانون الإيمان» .

قسم معظم العلماء المعاصرين نص مجمع خلقيدونيا إلى قسمين: القسم الأول عبارة عن تلخيص للمجامع التي سبقته، أما الثاني فهو جديد، يتميز بتعريف الطبيعتين الإلهيّة والإنسانيّة ويتحدّث عن اتحادهما.

ـ خلقيدونيا ملخص للمجامع الأخرى: يدعو هذا المجمع إلى ضرورة العودة إلى الكتاب المقدس. كما يدعو أيضاً إلى العودة إلى مجامع نيقيا والقسطنطينيّة الأوّل وأفسس، معترفاً خاصّة بقانون الإيمان الذي حُدد في نيقيا – القسطنطينية. أراد المجمع الوصول إلى التعليم الواحد للقضاء على الخلافات والصراعات وذلك عن طريق "تعليم العقيدة الثابتة المعلنة منذ البداية".

لتوضيح الإعتراف الإيماني لمجمع خلقيدونيا يمكن أن نوزعه على الشكل التالي:

يجب الاعتراف بالابن الأحد نفسه، ربنا يسوع المسيح .

لقد شرح آباء مجمع خلقيدونيا مبتغاهم انطلاقاً من ركيزتين أساسيتين في الإيمان المسيحي، هما الكتاب المقدس وعبارات الآباء والمجامع السابقة كتفسير للكتاب المقدس. من الجدول السابق يمكن استنتاج ما يلي:

* نقطة الانطلاق هي وحدة شخص المسيح الذي أقر بها مجمع أفسس، ونقطة الوصول كذلك، فضلاً عن الإصرار على الوحدة بين كلمتي "هو نفسه" (le même) و"الأحد" (un seul). وقد تسلم منه مجمع خلقيدونيا هذا الاكتساب. ويكون التمييز بين الألوهة والإنسانيّة داخل هذه الوحدة.

* إن مجمع خلقيدونيا توسع في إنسانيّة يسوع مكملاً النظرات السابقة. فمن الجدير بالملاحظة أن كل ما يخص الإنسانيّة هو أطول مما يخص الإلوهيّة. فالمجمعان السابقان لم يشددا بالقدر الكافي على إنسانيّة يسوع، فأكدّ عليها مجمع خلقيدونيا.

* بما أن الإنسان مكوّن، بحسب العقلية اليونانيّة، من جسد ونفس. فقد أكد النص الجديد على هذه الحقيقة، رداً على بدعتين سابقتين: فبتأكيده على الجسد ردّ على المظهرانية (Docetism )، وبتأكيده على "النفس العاقلة" ردّ على الأبوليناريّة (ِApollinarisme) . ومن المهم أن يشار إلى أنه بعد التجسّد وفعل اتحاد الكلمة بالإنسانيّة، تظل هذه الإنسانية كاملة ومن جوهرنا نفسه، فلا تتلاشى في الإلوهيّة، كما ادّعى أوطيخا.

* ولادة يسوع مزدوجة: "من الآب قبل كل الدهور" / "في آخر الأيام...من مريم". فيمكن القول إن الكلمة الأزليّ دخل تاريخ البشرّية .

* الطابع المعاديّ (الإسكاتولوجيّ) للولادة الثانية ظاهر في استخدام التعبير الكتابيّ "في آخر الأيام". فالولادة الإنسانيّة للكلمة هي خلق جديد. حدث اسكاتولوجيّ، حين افتتح الكلمة نهاية الأزمنة بفعل تجسّده.

*الطابع الخلاصيّ واضح من خلال التعبير (لأجل خلاصنا).

* اقتبس هذا المجمع من مجمع أفسس لقب "أم الله" وأكده ثانيةً.

ـ الجديد في نص خلقيدونيا: تدخلت الفلسفة اليونانية في الجزء الثاني من نص خلقيدونيا، وكانت بمثابة الجديد الذي يشرح ما سبق من الفرق بين الوحدة والتمييز .

* "في طبيعتين": (en duo physis ) باستعمال النص للفظة (en ) «في» عن المسيح، يريد بها الحديث عن المسيح ذو الطبيعتين بعد التجسّد. فالمراد تأكيده أن المسيح هو واحد في طبيعتين، لا فقط أنه شخص واحد وطبيعتان. والنص يؤكد على أن داخل الشخص الواحد طبيعتين إلهيّة وإنسانيّة .

* "طبيعتان اثنتان": أراد الآباء بهذا التعبير الردّ على بدعة أوطيخا التي أنكرت الطبيعتين واعتبرت بأن الإلهيّ قد امتص البشريّ في المسيح. إن مجمع خلقيدونيا أراد أن يشير إلى أن الطبيعة الإلهية بقيت كما هي، وكذلك الطبيعة البشرية بقيت كما هي، بعد فعل التجسّد .

* "دون اختلاط ولا تغيير": إن الله الكلمة لم يفقد ذاته بفعل تجسّده. ولم يتحوّل بفعل اتحاده بالجسد، ومن جهة أخرى لم يمتص الكلمة الإنسان، فلم تختلط الإنسانيّة بالإلوهيّة بدون تمييز بينهما. فالله ليس إنساناً والإنسان ليس إلهاً، والفرق بينهما واضح، و«خصائص كل من الطبيعتين» لا تمتزج بخصائص الأخرى .

* "دون انقسام ولا انفصال": فالكلمة المتجسّد كائن واحد وليس كائنان ولا فاعلان، الواحد بقرب الآخر وخارج عنه، كما كان يدّعي نسطوريوس، ولكنه مسيح واحد يتصرّف تصرفاً إلهيّاً وإنسانيّاً في آن واحد .

وضع مجمع خلقيدونيا تحديداً للإيمان وكان أعضاء المجمع في البداية يرفضون هذا الأمر، ولكنهم تحت إلحاح مندوبي الإمبراطور رضخوا في النهاية. وكانت المسودة الأولى تنص على أن المسيح "من طبيعتين". ولكن مندوبي الإمبراطور ألحوا أن يتضمن النص "في طبيعتين". وبعد مقاومة كبيرة على أساس أن هذه العبارة متضمنة في رسالة البابا لاون الذي قبلها المجمع ولا داعي لوضعها في تعريف الإيمان، قبلها المجمع تحت إلحاح من مندوبي بابا روما وممثلي الإمبراطور.

لم يكن التحديد الذي قبله المجمع نسطورّياً، حيث أن المجمع في قراراته أكّد حرم كل من النسطوريّة والأوطيخيّة. ولكنه لم يتضمن عبارة "الاتحاد الأقنوميّ "ولا عبارة أنه "لا يمكن التمييز بين الطبيعتين إلا في الفكر فقط" وهى العبارات الهامّة في تعليم القديس كيرلس الكبير. كما أنه وردت عبارة تحرم "كل من يعتقد بطبيعتين قبل الاتحاد وبطبيعة واحدة من بعد الاتحاد"، والمقصود بهذه العبارة هو أوطيخا وعقيدة الامتزاج بين الطبيعتين. ومن المعلوم أن الجانب اللاخلقيدونيّ يحرم من يقول "بطبيعتين قبل الاتحاد" لأن هذا التعبير يفترض وجود الناسوت قبل اتحاده باللاهوت، لكن هذا الفريق يقبل "من طبيعتين في الاتحاد" و "من طبيعتين بعد الاتحاد". أما حرم من يقول "بطبيعة واحدة بعد الاتحاد" فكان يحتاج إلى توضيح، لأن هذا الحرم من الممكن أن يفسّر أنه ضد تعليم القديس كيرلس الكبير القائل "طبيعة واحدة متجسّدة لكلمة الله" الذي تمسك ويتمسك به الجانب اللاخلقيدونيّ حتى الآن، مع رفضهم التام لفكرة الامتزاج وتأكيدهم على استمرار وجود الطبيعتين في الاتحاد .

إن ميزة خلقيدونيا تكمن في الحفاظ على حقيقة إنسانيّة يسوع المسيح، التي كانت مهددة في لاهوت أوطيخا ومن بعده في لاهوت المونوفيزيّة، فهي تخلط بين الطبيعتين، فيكون أن إحدى الطبيعتين تمتص الطبيعة الأخرى، وبالأخص أن الطبيعة الإلهية تمتص البشريّة، كما ذكرت سابقاً، لأنها أعظم منها.

كان الجانب اللاخلقيدونيّ يرغب في نبذ النسطوريّة بتأكيد عقيدة الطبيعة الواحدة المتجسّدة لله الكلمة طبيعة واحدة من طبيعتين بغير امتزاج ولا اختلاط ولا تغيير، لأن تعبير الطبيعة الواحدة هو أصدق تعبير عن "الاتحاد الطبيعّي" الذي علّمه القديس كيرلس في رسالته الثالثة إلى نسطور والتي قبلها كلٌ من مجمع أفسس ومجمع خلقيدونيا.

وكان الجانب الخلقيدونيّ يرغب في نبذ الأوطيخيّة بتأكيد عقيدة وتعبير الطبيعتين غير المنفصلتين أو المتجزئتين لتأكيد استمرار وجود الطبيعتين وعدم تلاشيهما في الاتحاد، ولتأكيد عدم تلاشى الفرق في خصائص الطبيعتين بسبب الاتحاد بينهما.

ربما كان كل جانب مكمّلاً للجانب الآخر في تعبيره عن الحقيقة الواحدة؛ فالذين قالوا بالطبيعة الواحدة المتجسّدة من طبيعتين أضافوا "بغير امتزاج ولا تغيير" لنفي الأوطيخيّة والذين قالوا بالطبيعتين أضافوا "بغير انفصال ولا تقسيم" لنفى النسطوريّة. وقد تكلّم الجانبان عن حقيقة واحدة هي أن السيد المسيح كائن واحد إلهيّ ـ إنسانيّ، أي تكلموا عن كينونة واحدة من طبيعتين قد اتحدتا في المسيح والواحد. فالذين عبّروا بالطبيعة الواحدة المتجسّدة قصدوا التعبير عن حالة الكينونة بأنها واحدة. والذين عبّروا بالطبيعتين قصدوا التعبير عن حقيقة استمرار الكينونة للطبيعتين.

قُسمت الكنيسة بعد هذا المجمع إلى عدة أقسام، أولها كان الكنيسة الكاثوليكية في جميع أنحاء العالم التي تقبل الطبيعتين. أما قسمها الثاني فكان الكنيسة الأورثوذكسية التي قُسمت بدورها إلى جزئين، منهم مَن يقول بالطبيعتين، وتدعى هذه الكنائس بالكنائس الأورثوذكسية الخلقيدونية كالروم الأورثوذكس وجميع الكنائس الأورثوذكسية البيزنطية. أما الكنائس الأورثوذكسية المصرية والحبشية والسريانية والأرمنية، فهي الكنائس التي رفضت قرارات مجمع خلقيدونيا والتي تقول بالطبيعة الواحدة.

على هذا الأساس تم الاتفاق بين الجانب الخلقيدونيّ والجانب اللاخلقيدونيّ في الحوار الأرثوذكسي في دير الأنبا بيشوى بمصر (يونيو 1989) وفى شامبيزى بسويسرا (سبتمبر 1990). فقد قبل كل من الجانبين التعبير اللاهوتيّ للآخر، معترفاً بأرثوذكسّيته. واتفق الجانبان أن كلمة الله هو هو نفسه قد صار إنساناً كاملاً بالتجسّد مساوياً للآب في الجوهر من حيث لاهوته، ومساوياً لنا في الجوهر من حيث ناسوته - بلا خطيئة. وأن الاتحاد بين الطبائع في المسيح هو اتحاد طبيعيّ أقنوميّ حقيقيّ تامّ بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا انفصال. وأنه لا يمكن التمييز بين الطبائع إلا في الفكر فقط. وأن العذراء هي "والدة الإله" مع حرم كلاً من تعاليم نسطور وأوطيخا وكذلك النسطورّية الخفية التي لثيوذويطوس أسقف قورش. لعل هذا الاتفاق يكون هو أساس للوحدة بين الفريقين .

  العودة الى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com