إن صليت حقًا فأنت لاهوتي حقًا
التعليم المسيحي: بين اللاهوت، القداسة، والأبوة الروحية (8)
روما، الأربعاء 25 فبراير 2009 (Zenit.org). – ننشر في ما يلي
القسم الثامن من مقالة روبير شعيب حول موضوع "التعليم المسيحي:
بين اللاهوت، القداسة، والأبوة الروحية".
* * *
اللاهوت والصلاة
يقول إفاغريوس البنطي: "إذا صليت حقًا، فأنت لاهوتي حقًا. وإذا
كنت لاهوتي حقًا، صليت حقًا". يربط إفاغريوس بين اللاهوت
والصلاة، بين "الحديث عن الله" و "الحديث إلى الله". بالواقع،
كما يوضح الراهب اليسوعي فرنسوا فاريون (François Varillon)،
لا بد أن تُرفق كل كلمة نوجهها إلى الله (صلاة) بفكرة عن الله
الذي نتوجه بالكلمة إليه (لاهوت). عندما أرفع صلاتي إلى الله،
لا أتوجه إلى واقع مجرد غير شخصاني، بل إلى شخص أؤمن أنه حاضر،
أنه يسمعني (وإلا لما وجهت صلاتي إليه!). يأخذ الرب الذي أرفع
صلاتي إليه اسمًا ووجهًا. وهنا يلفت تكرار تعبير "الوجه" في
الحديث عن الله في المزامير وفي كتب العهد القديم، كما ويلفت
أيضًا أن التقليد اليهودي يعتبر "الإسم" (ها شِم) من بين أسماء
الله الحسنة: اسم لا يحدد واقع الله ولكنه يشير إلى إشعاعه،
تمامًا كما ضياء الشمس يشير إلى واقع الشمس دون أن يتمكن من
تحديده.
الخبرة اليومية تبين لنا أن الصلاة الحقة (الكلام إلى الله)
يتطلب اللاهوت (كلامًا عن الله) حتى ولو في أعمق أعماق كياني.
وهذا الأمر هو جوهري لدرجة أنه حالمًا يغيب واقع الله في
ضميري، لا تعود صلاتي صلاةً ونجوى بل تضحي نوعًا من التفكير
الباطني الفرداني. في المقابل، من يعيش التعليم اللاهوتي كواقع
وجداني حي، يشعر بأن كلمة اللاهوت التي يعلنها تفقد من قوتها
ومن واقعيتها عندما لا يعيش اللاهوتي علاقة حية من الحوار الحي
والمستمر مع الرب.
لهذا السبب يقول إفاغريوس: "علم المسيح لا يتطلب النفس التي
تفكر، بل النفس التي ترى". معرفتنا للمسيح هي ليست أولاً ثمرة
معرفة علمية ووليدة أبحاث، بل هي في المقام الأول ثمرة خبرة
معاشة مع كلمة الله في حياة الكنيسة.
أود أن أورد خبرة شخصية تفيد في إدراك الترابط القائم بين
الصلاة والمعرفة اللاهوتية. خلال خبرة الدرس في جامعة
الغريغوريانا الحبرية، التقيت بشخص ينتمي إلى ديانة أخرى، طرح
علي السؤال حول إمكانية التوحيد المسيحي الذي يقول في الوقت
عينه بثالوثية الأقانيم في الإله الواحد.
فانطلقت مما توفر لدي في تلك الآونة من الشروحات التعليمية
واللاهوتية. شاركت محاوري بخبرة القديس باتريسيوس مبشر
إيرلندا، الذي قدم مفاهيمَ عدة في محاولته لتبيان عقلانية
الإيمان بالإله الواحد والثالوث، إلا أن سامعيه ما كانوا
ليدركوا كيفية تواجد هذه المفارقة: الوحدانية والتعددية. إلى
أن رأى القديس نبتة الشامروك الثلاثية الأوراق لافتًا إلى
الطبيعة الواحدة التي تضم هذه الأوراق الثلاثة. كما وشرحت لهذا
الشخص كيف أن فهمنا لسر الله هو دومًا واقع متناظر
(analogical)، وبالتالي فكل كلمة نقولها تقدم تشابهًا يضاهيه
عدم التشابه (بحسب تعليم المجمع اللاتراني الرابع: "بين الخالق
والخليقة لا يكمن حدس تشابه، دون إدراك أن هناك عدم تشابه
يفوقه".
كما وانطلقت من لاهوت هانس أورس فون بالتازار الذي يتحدث عن
هبة الذات التي يقوم بها الآب واهبًا ذاته بالكلية إلى الابن،
مفرغًا بالتالي ذاته بالكلية. والابن جوابًا على حب الآب، يهب
ذاته بالكلية إلى الآب. ليس هناك أحد يهب ذاته بالكلية إلى آخر
ويبقى أحدًا، وبالتالي فالأحد يهب ذاته إلى الآخر، ولا يعود في
ذاته بل في الآخر. والآخر يهب ذاته إليه بدوره ولا يبقى في
ذاته بل في الأول... وهذه الهبة هي أقنومية لدرجة أن الهبة
بالذات هي أقنوم، هي واقع شخصاني، هي الروح القدس.
وقد شرح القديس أغسطينوس هذا الواقع بشكل بسيط يسهل إدراكه:
الله محبة. والمحبة تقوم عندما يكون هناك محبّ ومحبوب. الآب هو
المحب، والابن هو المحبوب الذي يجب على محبة الآب بالحب عينه
الذي يحبه به الآب، وهذا الحب هو الروح القدس.
الحديث عن "الله محبة" بالعمق، هو واقع ثوري في الفكر الكوني
بشأن الله، ثورة قامت بها المسيحية – لا انطلاقًا من خلاصاتها
– بل انطلاقًا من خبرتها مع يسوع المسيح الذي كشف له عن حب
الله بكلامه وبأفعاله. وقد صدقت القديس كاترينا السيانية عندما
قالت متحدثة عن جنب المسيح المطعون: "الجرح المرئي في جنب
المسيح يبين عن جرح الحب اللامرئي في قلب الآب".
تأثر محاوري في هذا الكلام عن الله كمحبة، ولكنه طرح علي
سؤالاً صعبًا: "ولكن عندما تصلي؟ إلى من توجه الصلاة؟ إلى
الثالوث؟ أو إلى أحد الأقانيم؟...".
في الجواب على هذا السؤال، لم أذهب وراء النظريات اللاهوتية بل
وراء الخبرة الشخصية الوجودية. وأجبت محاولاً أن أجعل محاوري
يدرك كيف أن خبرة الصلاة المسيحية تحاكي خبرته، رغم أنه لا
يعرف المسيحية.
أخبرت محاوري أننا أمام الصلاة نجدنا في واقع متناقض. فمن
ناحية نشعر بعطش وبجوع إلى الله، إلى مصدر الحياة ولكن في
الوقت عينه، عندما نحاول الصلاة نشعر برغبة في الهرب من الصمت
ومن السكينة. التوق إلى الله يتعايش في قلوبنا مع التوق إلى
الهرب من الله. وعندما نصلي، وعندما نثبت في الصلاة نشعر وكأن
قوة تفوق قوتنا تساندنا وتساعدنا على الثبات في الصلاة. هذه
القوة، يتحدث عنها القديس بولس في الرسالة إلى أهل روما، لا
كواقع ينبع من داخلنا، بل كأقنوم، كشخص يصلي فينا. يقول بولس:
" إن الروح يأتي لنجدة ضعفنا لأننا لا نحسن الصلاة كما يجب,
ولكن الروح نفسه يشفع لنا بأنات لا توصف. والذي يختبر القلوب
يعلم ما هو نزوع الروح فإنه يشفع للقديسين بما يوافق مشيئة
الله" (روم 8، 26 – 27).
وعليه فالصلاة تبدأ فينا بفعل الروح القدس. عندما أصلي، هو روح
الرب الذي يرفعني إلى الصلاة، يقودني إلى اللقاء بالله،
ويجعلني أشعر بعطشي إلى الله الحي.
ومن ثم، تابعت الحديث عن الفكرة التي يحملها كل منا في قلبه عن
الله. وقلت لمحاوري: هناك من يتخيل الله كقاضٍ قاسٍ، هناك من
يعتبره مدير أعمال، وهناك من يظن أن الله هو العفريت الذي يحقق
لعلاء الدين كل رغباته... كل منا يبني تماثيله وأصنامه ويخلق
الله على صورته ومثاله.
ولكن الواقع هو أننا نحن على صورة الله، لا الله على صورتنا
ومثالنا، وبالتالي لا بد أن نصغي إلى كلمة الله في صلاتنا لكي
ندرك حقيقة الله، والكتاب المقدس يحتوي كلمة الله ولكنه لا
يحصرها. يسوع المسيح، اللوغوس الأزلي الذي تجسد في الزمن هو
كلمة الله الأزلية وصورة بهائه. وبالتالي في صلاتنا لا بد أن
نلتقي بيسوع أن نصغي إليه أن نسأله أن ينقي صورة الله في
داخلنا لكي لا نسجد أمام صنم بل أمام الله الحي، إله يسوع
المسيح. في نظري إلى يسوع المسيح أرى الآب. وعندما أرفع صلاتي
باسم المسيح تكون مرضية ومقبولة لدى الآب.
وبالتالي، بالروح القدس وفي المسيح أرفع صلاتي إلى الآب الذي
منه تأتي كل الخيرات. وبهذا الشكل تكون صلاتي ثالوثية في علاقة
خاصة مع كل أقنوم من الأقانيم.
بالواقع، هذه هي الصلاة الليتورجية، فالصلوات الليتورجية تُرفع
بالروح القدس، بواسطة المسيح إلى الآب.
لقد أردت في سرد هذه الخبرة أن أبين كيف أن الإدراك الإيماني
للثالوث الأقدس يمر لا محالة بواسطة التفكير اللاهوتي وفي
الوقت نفسه بواسطة الخبرة الإيمانية. فمن صلى حقًا كان
لاهوتيًا حقًا، ومن كان لاهوتيًا حقًا صلى حقًا.
* * *
- روبير شعيب يعلم "الكريستولوجيا" و "مدخل إلى الفكر اللاهوتي
الآبائي" في مدرسة الرسالة في فلورنسا إيطاليا، ويقوم حاليًا
بكتابة أطروحة دكتورا في اللاهوت الأساسي في جامعة
الغريغوريانا الحبرية في روما حول موضوع "معاني وحواس الإيمان.
نظرة إلى الأبعاد ما قبل وما بعد العقلية في فعل الإيمان"، كما
ويعمل كصحفي لوكالة زينيت العالمية.
|