القبيات، الجمعة 11 ديسمبر 2009 (Zenit.org). – نقدم نص إنجيل
قداس الأحد بحسب الطقس الأنطاكي السرياني الماروني مع تعليق
مقتبس من "نشرة الأحد" - موقع القبيات الإلكتروني.
في هذا الأحد المبارك، نتأمّل مع أمنا الكنيسة في حدث البيان
ليوسف، كما رواه لنا الإنجيلي متى، الذي يحدّثنا عن الوحي
الإلهي ليوسف "البار" وكيف برّر له حبل مريم وحدّد له مهامه
كحارسٍ للعائلة المقدّسة وكربٍّ لها، ويظهر لنا أيضاً تبنّيه
ليسوع كابنٍ له (من خلال الحقّ بتسميته) وتربيته له، والحفاظ
على مريم "والدة الإله" الدائمة البتوليّة.
يشهد متى أنَّ يوسف كان رجلاً صالحاً. فالصلاح ركيزة وفضيلة لا
بُدّ منها للانفتاح على الوحي الإلهي. مهما تزيّن الإنسان
بصفات حميدة يبقى الصلاح أرضيَّةً تُمَكِّن المرء من الانطلاق
إلى الأمور السماوية، لأن الصلاح ليس إدعاء خادعاً يتباهى به
الإنسان بل هو سيرة حياة ذاتية ونهج مثابر في طريق الرب، وهو
جملة من الخصال الروحية. فيوسف هو رجل صالح جعل اهتمامه لإرضاء
الله تعالى في كل ما يقول ويفعل وهذا ما ساعده على اختيار هجر
مريم سراً من دون أن يُعرِّضها للإهانة عندما عرف بحبلها من
الروح القدس. لم يشأ أن يضيِّق عليها ويُربِكها بكثير من
الأسئلة، بل سلك طريق غير عادي ضارباً عرض الحائط كل أحكام بني
البشر، وهذا نتيجة غناه بالفضائل الروحية.
لم يتسرع يوسف بل أخذ وقته في التفكير لئلا يأتي قراره تعسفاً
ومجحفاً ومتهوِراً بحق مريم. لم يفقد يوسف رجاءه بل استسلم
لأمر الله وكان بأمس الحاجة ليعرف إذا كان قراره هذا مرضياً
لله، وهنا بلحظة التفكير بالموضوع يظهر له ملاك الرب حاملاً
اليه بلاغاً روحياً حتى يُشرق على قراره بنورٍ آمن لا ضلالة
فيه. فالملاك يُطَمئِن يوسف ويحثَّه على البقاء في الصلاح لكن
بقرار معاكس أي في اتخاذ مريم إلى بيته وليس بتركها سراً.
فالملاك زاد يوسف ثقة وشجاعة وإيمان، لأنه بفعلته هذه أصبح
جزءاً من التدبير الإلهي. ويوسف بفعل إيمانه الكبير يقبل ويعمل
بكلام الملاك وبهذا يختتم مسيرته الإيمانية ويحظى بإكليل الظفر
ويستحق أن يكون إلى جانب مريم أم الله وأم المخلص.
هذا هو الدور الذي لعبه يوسف وكم تمنى الكثيرون أن يكونوا
بموقعه ولم يستطيعوا، وحده يوسف الرجل الصالح والمطيع استطاع
الحصول على هذا الدور وكان خير معيل لمريم ونِعمَ مربي ليسوع.
والآن بعد أن تعرفنا على يوسف الصديق والبار والصالح يبقى
علينا أن نتعلم منه الكثير:
ثانياً يوسف فَعَلَ كَما أمَرَهُ الرَّبّ«: بَيْنَ ما
تَطْلُبهُ ٱلشَّريعَة (وَنحنُ نَعْلَم أنَّهُ في حالَة مَريَم،
أي المَرأة المَخطوبَة الّتي تَحبَلُ مِنْ شَخْصٍ آخَر، يَجِبُ
مُعاقَبَتها بالرَّجم، وَ هذا ما تَطْلُبهُ الشَّريعَة) وَ
بَيْنَ ما يَطْلُبْهُ الله (»وَ لَمَّا قامَ يوسُفُ مِنَ
النَّوْمِ، فَعَلَ كَما أمَرَهُ مَلاكُ ٱلرَّبّ وَأخَذَ
ٱمْرَأتَهُ«) ٱخْتارَ يوسُفْ أنْ يَفْعَلَ ما يَأمُرُهُ بِهِ
الرَّبُّ. كَم مِنَ المَرَّاتِ نَفْعَلُ ما يُمْليهِ عَلَيْنا
مُجْتَمَعُنا؟ كَم نَخْتارُ ما يَراهُ ٱلنَّاسُ لَنا وَ لا
نَخْتارُ ما نُريدُهُ نحن أو ما يَراهُ إيماننا المَسيحي؟ هَل
لله مَكانٌ في حَياتي؟ هَل لَدَيَّ ٱلإسْتِعْداد لِتَغْييرِ
مَشْروعي وَ قَرارِي وَ فِعْلِ ما يَطْلُبْهُ الرَّبُّ مِنِّي؟
وَ كَيْفَ أعْرِفُ ما يَطْلُبْهُ مِنِّي الرَّبُّ وَ ما
يُريدُهُ لي. يبقى أن ننهي بأن يوسف كان رجل الصمت فقد خدم
بصمت وعاش مع عائلة الناصرة بصمت دون أن يتباهى بأنَّه هو من
يربي الملك المنتظر. وهنا نسأل: أين نحن من صمت يوسف العميق؟
أين نحن من ذواتنا المتعطّشة للإصغاء إلى صوت الله في أعماقنا؟
فيا أيها القديس يوسف يا من كنت قدوة بالصمت والطاعة والصلاح
أعطنا أن نقتدي بك وساعدنا لنتبنَّى يسوع ملكاً ومخلِّصاً
لحياتنا، آمين.