المواطنون الكاثوليك والحرية بين السياسة والدين
حول العلاقة بين السّياسة والكنيسة (2)
بقلم الأب فرنسوا عقل المريمي
روما، الاثنين 19 أكتوبر 2009 (Zenit.org). - ننشر في ما يلي
القسم الثاني من مقالة الأب فرنسوا عقل المريمي "حول العلاقة
بين السياسة والكنيسة".
* * *
IV. المواطنون الكاثوليك
الشّعب هو أيضا عامل أساسيّ في مقوّمات الدّولة؛ إنّه جماعة
أفراد مواطنين يتعايشون ويعملون في سبيل تحقيق الخير العام
-"فإنّ من يعمل الخير لا يخاف الحكّام" (روما 3:13)-،
وبالتّالي، يقع عليهم واجب حبّ الوطن بدون مواربة (ك ع 75)؛
والمواطن الصّالح هو مَن لا يفضّل أبدا، منفعته الخاصّة على
مصلحة الوطن.
لنحصرنّ الحديث هنا في المواطن الكاثوليكيّ. فبما أنّ حضوره في
الحقل المدنيّ، شخصيّ ومستقلّ ومسؤول، ينبغي له أن يمارس دوره
في الدّولة بصفة شخصيّة، وليس باسم الكنيسة (Cf. A.
Ferrari-Toniolo, “Guida allo studio della Costituzione
pastorale”, in Il Concilio Vaticano II, vol. IV, Roma 1966,
p. 290). هَمّ المواطن الكاثوليكيّ يجب أن يكمن في محاولاته
المستمرّة لجعل النّظام الاجتماعيّ في الدّولة أكثر إنسانيّة،
من خلال تحسين الخير العام عبر تعزيز الحرّيّة واحترام
القوانين والكرامة والمسؤوليّة، والابتعاد عن الفوضى والغشّ
وأعمال الفساد وجميع ألوان التّعصّب المنغلق، والتطرّف الأعمى،
والرّفضيّة المتخلّفة، عن طريق التّحلّي بالنّزاهة والاعتدال
واحترام الاختلاف بالرّأي والمعتقد. كما يجب التّخلّي عن منطق
"التّعصّب الوطنيّ" (Nationalisme) المتقوقع، والتّربية على
مفهوم "محبّة الوطن" (Patriotisme)المنفتحة والبنّاءة.
لهذا السّبب، نعتقد أنّه من الضّروريّ تطوير نمط جديد من
التّربية المدنيّة العالميّة المشتركة، قد تقرّرها وتصدرها
هيئة الأمم المتّحدة على منوال شرعة حقوق الإنسان مثلا، تساهم
في فهم المعنى الحقيقيّ للعدالة الشّاملة، وعمل الخير
الموضوعيّ، وقواعد خدمة المجتمع، وكيفيّة المشاركة المسؤولة في
الشّأن العام، وممارسة السّياسة بتجرّد وتفان.
V. علاقة الدّين بالجماعة السّياسيّة
إنّ الدّين المسيحيّ في معناه اللاهوتيّ ولو كان هدفه ربط
الإنسان بالله كما أسلفنا، لا يقتصر فقط على مجموعة من
المعتقدات والحقائق الإيمانيّة والمسلّمات اللاهوتيّة، بل
ينطلق أيضا من "الجماعة البشرية المنظورة" فيناضل من أجلها في
المكان والزّمان، في التّاريخ والجغرافية، Hic et nunc "هنا" و
"الآن"، ساعيا إلى بناء مملكة عدالة ومحبّة وحرّيّة حقيقيّة في
العالم، مستفيداً من الوسائل الزّمنيّة الخيّرة، بقدر ما
تتطلّبه رسالته السّامية. إلاّ أنّ هذه المملكة المرتجاة، ليست
دولة بالمعنى السّياسيّ. فالمسيحيّة ليست دينا ودولة؛ والإسلام
على ما نعرف هو دين ودنيا لا دين ودولة. كما أنّ ثمّة فرق بين
اليهوديّة كديانة سماويّة، والصّهيونيّة العالميّة التي لا
تمتّ للدّين بصلة.
فلا يختلطنّ الدّين، بحال من الأحوال بمبادئ السّياسة
وتشعّباتها! ولا يرتبطنّ اللاهوت بأيّ نظام سياسيّ، لأنّ
الدّين حياة وروح، وهو العلامة والضّمانة لما يمتاز به الشّخص
البشريّ من تسام وتوق إلى "مدينة الله" أو "الجنّة" أو
"الفردوس" أو "أورشليم السّماويّة" أو "ملكوت السّماوات".
وعليه، فإنّ الجماعة السّياسيّة والكنيسة مستقلّتان، لا ترتبط
الواحدة بالأخرى في الحقل الخاصّ لكلّ منهما (ك ع 76).
فالدّولة هي مجتمع مدنيّ ذو بعد أفقيّ والكنيسة هي مجتمع
إيمانيّ ذو بعد عموديّ-أفقيّ أي روحيّ واجتماعيّ؛ تتألّف
الأولى من مواطنين وتتكوّن الثّانية من معمّدين. تُعنى الأولى
في خدمة الخير العامّ الأفقيّ وحسب، فيما تهتمّ الثّانية
بالخير العامّ العموديّ الذي هو "خلاص النّفوس" من جهة،
والأفقيّ أي نشر المحبّة والعدالة والتّسامح والقيم الخلقيّة
من جهة أخرى، إذ لا ينبغي لها "أن تفعل هذه وتترك تلك".
لذا وجب على المؤسّستَين المستقلّتين، أن تتعاونا تعاوناً
صادقاً وسليماً من أجل خير الجميع؛ فتنميان معا وتتكاملان، من
دون أن تذوب الواحدة في الأخرى. فالكنيسة تخدم الدّولة لأنّ
رسالتها تكمن في نشر القيم والمحبّة والأخلاق في المجتمع،
وتتناول خير جميع قطاعات النّشاط البشريّ، وتحترم مسؤوليّة
المواطنين وحرّيتهم، وتعمل على رفع اسم الوطن عاليا، كما أنّ
سياسة الدّولة يجب أن تحترم حرّيّة الكنيسة ومعتقداتها
ورسالتها وطقوسها واستقلاليّتها.
غير أنّ الكنيسة من جهتها، تتمسّك بحقّها في إصدار حكمها
الأدبيّ حتّى في القضايا التي لها علاقة بالشّأن السّياسيّ،
إذا تطلّبت ذلك حقوق الشّخص الأساسيّة بما فيها خلاص النّفوس،
مستخدمة مختلف الوسائل الملائمة للإنجيل وخير الجميع (ك ع 76)،
لأنّ ما يعنيها هو دورها الخلُقيّ في الشّأن العام عبر سلطتها
التّعليميّة التي تلزم ضمائر أتباعها، بالعمل في الحقل العام
الاجتماعيّ والسّياسيّ، على ضوء تعاليمها وتوجيهاتها. ففي هذه
الحالة فقط، على الكنيسة أن تتمسّك بحقّها في إصدار حكمها
الأدبيّ في القضايا التي لها علاقة بالشّأن السّياسيّ.
VI. الحرّيّة الدّينيّة والمدنيّة
لا يمكننا البحث في مسألة الكنيسة والسّياسة من دون التّوقّف
ولو مليّاً أمام موضوع الحرّيّة الدّينيّة. فهي حقّ من الحقوق
الأساسيّة للشّخص البشريّ، لممارسة دينه ومعتقداته حسب
متطلّبات ضميره. لذلك، من الضّرورة بمقدار، تجنّب الخلط بين
الحرّيّة الدّينيّة وعدم الاكتراث للدّين، أو العلمنة
السّلبيّة أو "النّسبيّة الاعتقاديّة".
لذلك، يجب أن تُحترَم الحرّيّة الدينيّة من الجميع، لأنّ ما من
سلطة بشريّة تستطيع أن تحلّ مكان ضمير الإنسان الذي له وحده
حرّيّة القرار عبر الانسجام مع مستوجبات الحقّ الإلهيّ.
فالكنيسة لا تدافع فقط عن حرّيّة الرّأي بل عن حرّيّة الشّخص
بممارسة معتقده الخاصّ والعامّ أمام الله والنّاس؛ لذا على
السّلطة المدنيّة الاعتراف بحقّ الحّريّة الدّينيّة وضمانة
ممارستها من قبل جميع المواطنين. كما أنّ للدّولة حقّ الحماية
الخاصّة من سوء استعمال البعض للحرّيّة الدّينيّة (Cf. G. F.
Svidercoschi, Storia…, pp. 555-559).
والكنيسة التي تؤيّد كلّ نظام سياسيّ يحافظ على حرّيّة الأشخاص
وحقوقهم وسط الحياة العامّة، تشجب كلّ الأنظمة التي تقف حاجزا
في وجه الحرّيّة الدّينيّة والمدنيّة، كما يحصل في بعض البلدان
حيث يتحوّل عمل السّلطة لمصلحة البعض أو لمصلحة الحكّام أنفسهم
عوضا من أن يكون في خدمة الخير العام.
خاتمة:
لم يعد همّ الكنيسة بعد "الفكر الكنسّي الجديد" الذي أطلقه
المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، التدخّل في الشّؤون السّياسيّة،
بل ما يعنيها هو دورها الخلُقيّ في الشّأن العام، وسلطتها
التّعليميّة، Potestas magisterii، التي تلزم ضمائر المواطنين
الكاثوليك، بمعطاة الشّأن العام الاجتماعيّ والسّياسيّ، على
ضوء تعاليمها وتوجيهاتها.
إنّ هذه السّلطة الأدبيّة أو الخلقيّة هي تطبيق لما قاله
البابا بيوس الثّاني عشر قبل انعقاد المجمع المسكونيّ: "ما من
سلطة بشريّة، وما من دولة، وما من مجموعة دول مهما كان طابعها
الدّينيّ، يحقّ لها أن تسمح بالتّعليم أو العمل بخلاف الحقيقة
الدّينيّة والخير الأدبيّ" (AAS, 20 (1953) 798).
يبقى لنا أن نؤكّد أخيرا، أنّه من الضّرورة بمقدار، تعزيز
مفهوم التّعاون السّليم المتبادَل، بالنّسبة إلى كلّ "الأمور
المشتركة" بين المؤسّستين السّياسيّة والكنسيّة Una sana
cooperatio in materiae mixtae.
ففي ذلك فقط، يتحقّق الانسجام المنشود بين الكنيسة والدّولة،
ويلتقي الكرسيّ الأسقفيّ بكرسيّ الرّئاسة، وتتّحد غاية الكنيسة
التي هي "خلاص النّفوس" Salus animarum، مع هدف الدّولة الذي
هو الخير العام.
* * *
الأب فرنسوا عقل، راهب مارونيّ مريميّ يعمل في مجمع الكنائس
الشّرقيّة في الفاتيكان، حائز على دكتوراه في القانون الكنسيّ،
من جامعة مار يوحنّا اللاتران الحبريّة في روما، وبكالوريوس في
الفلسفة واللاهوت من جامعة الرّوح القدس –الكسليك- في لبنان،
وجامعة مار يوحنّا اللاتران الحبريّة في روما، ودبلوم في
الدّراسات العربيّة والإسلاميّة، في المعهد البابويّ للدّراسات
العربيّة والإسلاميّة في روما. من مؤلّفاته: "شِعْر وْصَلا"،
صدر عام 2001، و"أضواء على العلاقات السّياسيّة والقانونيّة
بين البطريركيّة المارونيّة والدّولة
|