هوية الكاهن (3)

بقلم رئيس الأساقفة عصام جون درويش

استراليا، الخميس 15 أكتوبر 2009 (Zenit.org). – ننشر في ما يلي القسم الثالث من رسالة رئيس الأساقفة عصام جون درويش، رئيس أساقفة أبرشية الروم الملكيين الكاثوليك في أستراليا نيوزيلاندا.

هل يمكن أن ننادي الكاهن " أبونا"

كان والدي أول المهنئين لي بعد سيامتي كاهنا في دير المخلص في 17 أيلول 1972، قال لي "مبروك يا أبونا". نظرت إليه متعجبا فأنا ابنه وهو يسميني "أبونا"، نظر إليّ ودمعة الفرح في عينيه وكأنه عرف ما يدور في خاطري وأردف: "نعم ناديتك أبونا لأنك منذ الآن صرت أبا روحيا لعائلتك أولا ومن ثمّ للجميع". كانت هذه أجمل لحظة في حياتي.

سمعت مرارا بعض الأشخاص يعترضون عن تسمية الكاهن "أبونا"، هذا الاعتراض هو بدعة دخلت الكنيسة مثلما دخلت بدع أخرى منذ بداية تأسيسها وقد حذّر منها القديس بولس الرسول حين قال لأهل كورنثوس: "بلغني أولا أنَّه، إذا اجتمعت كنيستكم، تَفرَّقتُم فِرَقا. وإني أُصدِّقُ بعضَ هذا لأنّه لا بُدَّ من الشقاق فيما بينكم ليظهرَ فيكم ذوو الفضيلة" (1 كور 11/18). فالبدعة هرطقة فكرية انحرفت عن التعليم الصحيح وهي ليست بطارئة على الكنيسة ففي رسالته الأولى تكلم القديس يوحنا عن المنشقين القائلين بأن المسيح لم يتجسد فقد خرجوا بذلك من الجماعة وابتعدوا عن إيمان الرسل.

قال المسيح: "لا تَدْعوا أحدًّا أباً لكم في الأرض، لأن لكم أبًا واحِدًا هو الآب السماوي" (متى 23/9). يستند بعضهم على قول يسوع هذا ليثبّتوا صدق قولهم. لكنه فاتهم أن ما جاء في هذا المقطع أتى في سياق الكلام عن الفريسيين وإدانة كبريائهم وتسلطهم على الناس وقد شبههم يسوع بالقادة العميان. هؤلاء لا يستحقون أن يسمّوا آباء لأنهم مراؤون، أهملوا العدل والرحمة والوفاء (متى23/23).

لقد تحدث الكتاب المقدس مرارا عن الأبوة الروحية فبولس الرسول مثلا يقدم ذاته كأب روحي للكورنثيين "ليس لكم عِدَّةُ آباء، لأنّي أنا الذي وَلَدَكُم بالبشارة، في المسيحِ يسوع" (1 كور4/15)[1]. هذه الأبوة تراها الكنيسة بريق من أبوة الله المطلقة "فمِنه كُلُّ أُبُوَّةٍ في السّماءِ والأرض" (أفس 3/14-15)، فمنذ بدايتها ركزت على أبوة الكاهن الروحية التي هي إحدى الصفات الجميلة التي يتمتع بها الكاهن الذي يعمل على نسج علاقات طيبة مع الجميع وبخاصة مع الشبيبة الذين يرون فيه مثلا لهم في حياتهم، يأتون إليه في صعوباتهم ويطلبون منه النصح. فعندما يدعو الناس الكاهن "أبونا" يعرف جيدا أنه خادم أبوة الله وخادم نعمة الروح القدس وهو كيوحنا المعمدان "لم يكن هو النُّور بل شاهدًا للنُّور" (يو 1/8).

إن أجمل عمل يقوم به "الأبونا" هو منح الغفران فالناس يتقدمون إليه بتواضع وانسحاق يطلبون منه غفران خطاياهم. في هذا الوقت يختبر الكاهن قُدس أبوته الروحية ويتذكر ما جاء في مثل الابن الشاطر[2]، فالأب كان ينتظر بعطف وشوق عودة ابنه الضّال حتى يُظهر له محبته وغفرانه وقبوله من جديد في البيت الأبوي وبالفعل صنع له، عندما عاد، عيدا دعا إليه الجميع ليفرحوا معه. الكاهن هو أيضا هذا الأب الذي يستمد من حب الله قوة ليكون ال "أبونا" فيوزع محبة الله وغفرانه لأخوته البشر وكأني به قناة تجري فيها بلا انقطاع أبوة الله ورحمته ومحبته وحنانه وغفرانه.

الله هو "أبونا" الوحيد والمطلق والكاهن يستمد أبوته من الأب السماوي، إنه الأيقونة التي إذا ما تأملها الناس يرون فيها صورة هذا الأب، المسيح نفسه قال بوضوح "من رآني رأى الآب" (يو14/9)، بما أن دعوة الكاهن أن يكون مسيحا آخر، عليه أن يُظهر وجه الآب في حياته وتصرفاته ومسلكه. إن تأثير الكاهن على رعيته كبير جدا وهو يثير الانتباه عندما يرفع الذبيحة الإلهية أو عندما يكون في كرسي الاعتراف أو في زيارة لمريض أو حتى عندما يسير في الشارع، لذلك عليه أن يجهد بأن يُبين بوضوح صورة هذا الأب الحنون الذي ينتظرنا دوما لنعود إليه.

كيف يرى الكاهن دوره كأب في حياته اليومية؟ إنه يشبه أي أب في عائلة بشرية، فهو أب لعائلة أكبر، يمارس فيها سلطة المحبة والإصغاء والتوجيه، يحترم أولاده ويطلب منهم الاحترام. لذا وُجب عليه أن يكون ضليعا من المعرفة وعميقا في إيمانه ليساعد أبناءه الكثيرين ويدلهم على الطرق التي تمكنهم من المدافعة عن معتقداتهم وكيف ينقلونها إلى أولادهم. وهو مثل كل أب عليه أن يكون واضحا في تعليم أولاده، يبين لهم بوضوح تعليم الكنيسة وما هو الخطأ والصحيح في مسلكهم. كما عليه أن يرشدهم ويبين لهم السبل ليكونوا واحدا.

كان الآباء في العهد القديم يباركون أولادهم أما في العهد الجديد فالمسيح بارك تلاميذه مرات عدة، وعندما كان يبارك سامعيه كان يرفع عينيه إلى السماء ويصلي، وهكذا فعل الرسل ومن ثمّ آباء الكنيسة. الأب المسيحي أيضا يبارك أولاده ويطلب لهم القوة من السماء. أما الكاهن فأمامه مناسبات كثيرة يقدم فيها البركة لأولاده، لكن عليه ألا ينسى أن يضفي على بركته، عندما يمنحها، مسحة من أبوة الله.

بما أنه أب روحي، على الكاهن أن يدافع بقوة وبدون كلل عن القيم العائلية التقليدية، فيساهم بوعظه وإرشاداته وحضوره في أن تكون العائلة موحدة، وهو ليس ضيفا على عائلة يزورها أو يلتقي بها إنه فعلا أب لها وهذه هي هويته الحقيقية وعليه أن يبرهن على هذا بمثله وتعليمه.

كتب القديس يوحنا إلى أبناء رعيته قائلا "يا أبنائي الصِّغار، أكتبُ إليكُم بِهذا لِئلا تَخطأّوا. وإن خَطئَ أحدٌ مِنّا فَلنا من يسوعَ المسيحِ المغفرة" (1يو2/1)، "ليسَ أدعى إلى السُّرورِ مِن أن أسمَعَ أنَّ أبنائي يَسيرونَ على طريقِ الحقّ" (يو3/4).

بناء على ذلك أدعوكم أيها الأخوة الكهنة أن تدركوا أنكم نلتم قوة كبيرة من العلاء لتساعدوا الآخرين فاستعملوا هذه القوة لخير أبنائكم لا لإيذائهم، ولنرفع معا الدعاء إلى الله، الآب السماوي، ليمنّ علينا بأن نردد دوما كلام المسيح "يا أبت قد مجدتُكّ في الأرض فأتمَمتُ العملَ الذي وكلتَهُ إليَّ.. أن أهب الناس الحياة الأبدية" (يو17/2-4).

ولنكِل أبوتنا إلى مريم العذراء ونجعلها شريكة كهنوتنا فنجد عندها الحماية والمعونة ونستمد منها العزم لكي نحافظ على نقاء كهنوتنا. إننا على يقين بأنها ستكون دوما معنا، ترافقنا، تسهر معنا وتشجعنا لنبقى راسخين في هذا الفرح العظيم الذي لمسناه وشعرنا به يوم دعينا لأول مرة "أبونا".

[1] راجع أيضا 1 كور 4/15 ، 1 تس 2/11 ، 1 تيم 1/2 ، فيل 1/10

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com