استراليا، الثلاثاء 13 أكتوبر 2009 (Zenit.org). – ننشر في ما
يلي القسم الأول من رسالة رئيس الأساقفة عصام جون درويش، رئيس
أساقفة أبرشية الروم الملكيين الكاثوليك في أستراليا
نيوزيلاندا.
* * *
الأخوة الكهنة والشمامسة الأحباء
أحيانا كثيرة ينسى بعض الكهنة هويتهم الحقيقية وآخرون لا
يرونها بوضوح وبعضهم الآخر يعيش قلق المستقبل. ربما هذا من أهم
الأسباب التي تجعل عدد الكهنة يتضاءل يومًا بعد يوم. ويعود هذا
الواقع إلى أسباب كثيرة أهمها التحولات التي طرأت على المجتمع
في السنوات الثلاثين الأخيرة وإلى طرائق التربية في
الإكليريكيات التي ربما لم تعرف حتى الآن أن تتلاءم مع الأزمات
التربوية التي تمر فيها هذه المجتمعات.
إزاء هذه الأزمة لم تتوقف الكنيسة عن السعي إلى حلول يكتشف
فيها الكاهن أسس الحياة الكهنوتية وطبيعة رسالة هذه الحياة.
كما أنها لم تتوان عن التأكيد يوما بعد يوم على الأمور
الأساسية الموجودة في الكهنوت وعلى التصدي للتحديات التي تواجه
الكهنة. وقد أصدرت الكنيسة وثائق كثيرة تحدد بوضوح طبيعة
الحياة الكهنوتية ورسالتها في عالم اليوم، نذكر منها "الإرشاد
الرسولي في الحياة المكرسة"، و"أعطيكم رعاة" ودليلا في خدمة
الكهنة وحياتهم... وكلها لقداسة البابا يوحنا بولس الثاني. لقد
أحبّ هذا البابا الكهنة وأعطاهم الكثير من حبه وفكره كما أراد
عبر رسائله كل عام يوم خميس الأسرار وفي كل إرشاداته الرسولية
أن يثبّت الكهنة في هويتهم ويؤكد على دورهم الحيوي في حياة
الكنيسة.
ففي رسالته للكهنة يوم خميس الأسرار عام 1982 يربط بين ولادة
الكاهن وبين سر الافخارستيا فالكاهن، كل كاهن، وُلدَ "خلال
العشاء السري الأخير وعلى أقدام الصليب على الجلجلة، حيث هناك
ينبوع الحياة الجديدة وكل أسرار الكنيسة وهناك أيضا منشأ
كهنوتنا". إن الله أشركنا في عمله ومسؤوليته، مسؤولية الراعي،
وصرنا خُداما لكهنوته ودعوتنا الأساسية هي أن نبني جسد المسيح،
الكنيسة. والكاهن يجب ألا يُحزن الروح بقلة إيمانه ولا بنقص
استعداده للشهادة أو بميله إلى التصرف "بوحي ذهنية عالم
اليوم". في نهاية رسالته يدعو البابا الكهنة إلى أن يعيشوا
التزامهم بسخاء وفرح وأن يعملوا بكل قواهم على إيقاظ الدعوات
في نفوس الشباب.
أمّا في رسالته عام 1986 فركّز على كهنوت الخدمة لأن دعوتنا
التي ثُبِّتَتْ بهبة وضع اليد طبعت حياتنا بطابع الخدمة ويقدم
لنا البابا يوحنا بولس الثاني القديس يوحنا فيانيه، خوري أرس،
مثلا لخدمتنا الكهنوتية الذي شكل لمجتمعه آنذاك "ما يشبه
التحدي الإنجيلي الكبير الذي أثمر ثمار ارتداد عجيبة".
إن الكاهن يجد هويته في المسيح الكاهن الأول وبفضل هذه الهوية
المشتركة بينهما تنفتح له أبواب واسعة لخدمة النفوس، إذ هو
مرسوم ليعمل باسم المسيح، ومسؤوليته الأولى أن يوزع عليهم
الكلمة والغفران وخبز الحياة ويجمعهم ليصيروا أخوة في عائلة
واحدة هي عائلة المسيح. لذلك لم يعد باستطاعة الكاهن أن يبقى
بعيدا عن هموم الناس بل، على العكس، عليه أن يكون قريبا منهم
دون أن يقع في خطر علمنة نفسه، كما عليه أن يسعى باستمرار
ليتقدس ليكون أهلا لتقديس غيره.
عام 1990 تدارس آباء الكنيسة أثناء اجتماع سينودس الأساقفة في
روما المسائل المتعلقة بتنشئة الكهنة ... ونتيجة لذلك السينودس
أصدر البابا يوحنا بولس الثاني عام 1992 الإرشاد الرسولي
"أعطيكم رعاة" – Pastores dabo vobis – وهو بمثابة انطلاقة
حقيقية لتجديد برامج التنشئة الكهنوتية ولخدمة الكاهن وطرق
مجابهة الأزمات التي يتعرض لها. فالمطلوب من الكاهن أمر واحد
هو التشبه بيسوع المسيح، الراعي الصالح (يو10/11-14)، الرأس
والخادم، الذي يبحث باستمرار عن خرافه (متى18/12-14)، والذي
يبذل ذاته بمحبة لأنَّ المسيح "أحب الكنيسة وبذل ذاته لأجلها"
(أف5/25). تقول الوثيقة : "على الكاهن أن يكون إنسانا واعيا
حرّا مسؤولا، وملتزما التزاما عميقا ممارسة خدمته". وهو مدعو
ليعيش موهبة النعمة التي أعطيت له لاسيّما تلك التي أعطيت
للكنيسة بالإفخارستيا.
من هو الكاهن ؟
هذا السؤال لم يتجرأ أحد على طرحه في بدايات القرن الماضي، ليس
لأنه صعب ولا لأنه مُحيّر بل لأن الجواب عنه كان من البداهة
لدرجة أنّه لا يخطر على بال، لكننا وبعد أزمة الدعوات العالمية
التي نشهدها حاليا، ولاسيّما في العالم الغربي، ونتيجة لبعض
الشكوك التي وقعت على أيدي بعض الكهنة والتي نسمعها من وقت إلى
آخر في الإعلام، لم تقتصر هذه الأسئلة حول الكهنوت على
العلمانيين الذين صاروا يطالبون وبحق بدور كبير في رعيتهم
ولاسيّما في إحياء الليترجيا وفي إدارة أموال الوقف، لكن
الكهنة أيضا بدأوا يتساءلون عن دورهم في الرعية وطرق قيادتهم
الجماعة المسيحية وحضورهم في مجتمع يتعلْمَن يوما بعد يوم.
ناهيك عن الدور الاجتماعي وأحيانا السياسي الذي يضطرون أن
يقوموا به على حساب اهتماماتهم الرعوية وربما على حساب حياتهم
الروحية. وأحيانا كثيرة يجد الكاهن نفسه مسؤولا عن أمور مادية
كثيرة كبناء قاعة قرب الكنيسة وتصليحات كثيرة وشراء مستلزمات
جديدة للرعية.. هذه الطروحات والأسئلة وغيرها من الأفكار
المتداولة بين الاكليروس والعلمانيين على السواء، تجعلنا نطرح
أسئلة كثيرة عن الكهنوت وتدفعنا لنبّين طبيعة الدعوة الكهنوتية
ونوضح هوية كاهن اليوم.
عندما يعتمد الإنسان يصير مسيحيًّا، يمنح الروح القدس ويصير
بنعمته ابنا أو بنتا لله. هذا يعني أنه يأخذ هوية جديدة وتصير
هويته مسيحية، وعندما يتزوج شخصان يأخذان أيضا هوية جديدة،
يصيران جسدا واحدا وهويتهما الجديدة هي العائلة الواحدة؛
وعندما يرتسم الكاهن يأخذ أيضا هوية جديدة، فنعمة الله تحوّله
إلى كاهن وتغيّر كيانه كله فلا يعود بعد إنسانا عاديا إذ قد
نذر ذاته للرب. هذا الكهنوت ليس وظيفة أو عملا مؤقتا يستبدله
بعمل آخر عندما يحلو له، إنه كهنوت مؤبد على صورة الكاهن
الأول، يسوع المسيح.
اختار المسيح الكاهن وأرسله ليكمل عمله على الأرض "كما أرسلني
الآب أرسلكم" (يو20/21) وأعماله كلها تكون باسم المسيح فعندما
يقول " أعمدك باسم الآب والابن والروح القدس" أو "أحلك من كل
خطاياك" لا يفعل هذا من تلقاء نفسه بل باسم المسيح يُعمِّد
وباسمه يمنح المغفرة. بهذا يصير الكاهن "خادما للأعمال
الخلاصية الجوهرّية، وينقل الحقائق الضرورية للخلاص ويرعى شعب
الله ويقوده إلى القداسة" (يوحنا بولس الثاني، أعطيكم رعاة،
7).