إعداد الأب الياس جانجي
روما، الجمعة 16 يناير 2009 (Zenit.org). – ننشر في ما يلي
القسم الرابع من دراسة الأب الياس جانجي حول موضوع "الفكر
الإسكاتولوجي للكنيسة الكاثوليكية مع مقارنته لبعض أفكار
أوريجانس".
* * *
رابعاً: المطهر
لا نصادف تعبير "المطهر" في الكتاب المقدّس، فهو تعبير لاتيني
(purgatorium) إستعمله التقليد الكنسي منذ القرن الحادي عشر،
للإشارة إلى مكان أو حالة متعلقة بالعالم الآخر، اعتبرت هذه
الحالة كحالة وسطى بين السماء والجحيم، وهي حالة مؤقتة، فيها
يوجد الأموات غير المقدّسين بالكامل، وغير المطبوعين جذريًّا
بالخطيئة. فلذلك وجب عليهم أن يتطهروا قبل دخولهم في شراكة
كاملة مع الله، وقبل استعدادهم للقيامة العامة أو
النهائيّة[1].
الأسس الكتابيّة :ليس من السهل إيجاد شهادة كتابيّة واضحة
لعقيدة المطهر الكنسيّة. فالعهد القديم لا يتكلم بوضوح عن
مطهر، وإن كنا نجد في بعض النصوص اليهوديّة غير الكتابيّة
المتأخّرة (القرن الأول بعد المسيح)، تلميحًا إلى إقامة مؤقتة
في الجحيم لبعض الخطأة غير الكفّار. لكنّه يمكننا إيجاد إطار
غير مباشر للكلام عن ضرورة تطهير ما بعد الموت، خصوصًا إذا
استندنا على الربط الذي يقيمه الأنبياء بين الدينونة والتطهير:
ليست غاية الدينونة الملاشاة أو العذاب بلا نهاية، بل التطهير
والخلاص النهائي. ويمكننا أن نستند على نص 2 مكابيين 12/42-45،
الذي يتكلّم عن الصلاة لأجل الموتى لنجد فيها إطارًا لمفهوم
التطهير بعد الموت. هذا النص يتكلم عن ذبيحة يهوذا المكابي
وجماعته عن اليهود الذين سقطوا في الحرب مع أنطيوخوس الرابع
إبيفانوس الذي دنس الهيكل.
في نفس خط العهد القديم، يتحفظ العهد الجديد أيضًا حول مسألة
مصير الأموات، ولا يكثر من الصور والأفكار حول ذلك لكنه يعلن
أن الموت لا يلاشي الكائنات البشريّة التي يمسها فهناك
استمراريّة للحياة بعد الموت أي أنّ هناك حياة أخرى. فالأموات
الذين يشتركون في المسيح تعطى لهم نعمة المشاركة في قيامته ومن
ناحية أخرى يشدد العهد الجديد على غاية ونهاية هذا الرجاء أي
على ما نسميه القيامة الأخيرة لا على الفترة المتوسطة التي
تمتد بين كل موت واليوم الأخير أو الدينونة العامة. لدينا نصان
من العهد الجديد يدعمان هذه الفكرة. 1 تس 4/14 "فأمّا ونحن
نؤمن بأن يسوع قد مات ثم قام فكذلك سينقل الله بيسوع ومعه
أولئك الذي ماتوا " . و1 تس 5/10 : " بيسوع المسيح الذي مات من
أجلنا لنحيا معه متحدين به ، أساهرين كنا أم نائمين". يعتبر
بولس الأموات نائمين ومدعوين إلى الإتحاد بالقائم. وهذا يدل
على الإيمان بالقيامة أكثر منه على مصير الأموات الحالي. أمّا
التقليد الكنسي فقد استند إبتداءً من أوريجانوس في تبريره
ضرورة التطهير للمؤمنين على 1 كور 3/12-15: سيخلصون ولكن كمن
يخلص من خلال النار". إلا أن التفسير المعاصر لهذا النص يظهر
أن بولس لا يقصد الإشارة إلى حدث محدد أو مكان بعد الموت بل
إلى صعوبة الخلاص كما يلمح مزمور 16/12 إلى النار المطهرة
"خضنا النار والماء ثم أخرجتنا فانتعشنا". ومتى 12/32 "من قال
كلمة في الروح القدس فلن يغفر له لا في هذه الدنيا ولا في
الآخرة" . دليل على إمكانيّة المغفرة في الآخرة[2] .
النار المطهرة في تعليم المعاودة: يشير تعبير
"معاودة"Apocatastase إلى الإصلاح، إلى إعادة التركيب والعودة
إلى الأصل. نصادف هذا التعبير بتواتر عند الآباء الرسوليين
والمدافعين، بمعنى العودة إلى وضع سابق سواء في الاكتمال
وتحقيق وضع أفضل، أو في الفداء وتأسيس البشريّة من جديد في
المسيح (يوستينوس، إيريناوس). ويعتبر أكليمنضوس الإسكندري
المعاودة إمكانية تطهير النفوس بعد الموت. فطريق النفس نحو
معرفة الله، الذي يتخطى هذا العالم، هو تطهير فقط. عندما تجتاز
النفس هذا الطريق، يمكننا الكلام عن إكتمال الإنسان. من جهة
أخرى، يطرح تعليم إكليمنضوس هذا عن المطهر مسألة خلاص جميع
البشر الممكن. لأنّه يبدو أن لعقوبات بعد الموت دورًا مطهِّرًا
أكثر منه عقابيًّا نهائيًّا. لذلك يمكننا اعتبار إكليمنضوس
الشاهد الأول على تعليم التطهير ما بعد الموت[3].
لكن تعليم المعاودة ارتبط باسم أوريجانوس الإسكندري، الذي
تطرقت إليه سابقاً، وذلك بسبب التأثير الكبير الذي مارسه على
اللاهوت الشرقي، وبسبب إدانته من قبل الكنيسة. تعني المعاودة
عند أوريجانوس إعادة وحدة العالم الأصليّة، أي اكتمال التاريخ
النهائي بقوة الله، الذي يوجِد ويعيد التناغم بين الإرادة
والكيان. إنطلاقًا من 1 كور 15 / 28 "ليصبح الله كل شيء في كل
شيء"، يتصور أوريجانوس الطريق الذي يقود غلى ذلك : في خضوع كل
شيء للابن وخضوع الابن للآب. في عمليّة الخضوع هذه، يلعب
المسيح دور المعلم والشافي: إنّه يعلّم كل الراغبين في التقدم
بالقوة الخلاصيّة الساكنة فيه؛ كما أنّه يشفي النفوس من
عاهاتها. هذا يعني أن لكل عقوبات ما بعد الموت دورًا تربويًّا
وشافيًا: إنّها تؤهل الإنسان ليصبح بحريّة ما يطمح إليه في
طبيعته. يفسر أوريجانوس النار المطهرة على أنها الأثر الذي
تتركه الخطيئة فينا، والتأنيب الذي يشعر فيه الخاطئ بسببها .
كما تصور أوريجانوس فكرة "عماد النار" تطهيرًا إسكاتولوجيًّا ،
إنطلاقًا من تفسير لـ 1كور 3 / 11-15 : الله نفسه هو النار
التي تطهر . من خلال هذا الامتحان يثبت ما عمله كل واحد من
مواد غير فاسدة ذهب أو فضّة ويحترق ما عمله من مواد قابلة
للاحتراق، قش أو خشب. يشاهد البار المخلَّص والمطهَّر أعمال
الله، والله نفسه، ويتحد فيه بالحب. مع ذلك، تبقى فترة تطهير
الأموات غير محددة. من الواضح أن الآباء تصوروا هذه الفترة
لاحقة للدينونة الأخيرة .
التطهير في اللاهوت الشرقي: على عكس ما كان يجري في الغرب،
أدّت المجادلات التي نشأت في الشرق، حول تعاليم أوريجانوس، إلى
اعتبار كل فكرة حول التطهير ما بعد الموت ، عودة إلى تعليم
المعاودة، المحروم في مجمع القسطنطينيّة الثاني (553).
وبالتالي رفضت غالبيّة آباء الكنيسة اليونان تعليم التطهير بعد
الموت.
وخلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ومن بعد القطيعة مع
الشرق (1054)، حاولت الكنيسة اللاتينيّة تحديد حالة النفس في
طور التطهير. ويبدو أن عبارة "مطهر" Purgatoire قد ظهرت لأول
مرة حوالى سنة 1170، للإشارة إلى مكان مميز، فيه توجد "أنفس
المطهر". وقد عرف هذا التعبير إنتشارًا واسعًا وتطويرًا في
اللاهوت المدرسي، في فترته الذهبيّة. فمن جهتها رفضت الكنائس
الشرقيّة فكرة المطهر الغربيّة، أمانة للكتاب المقدّس
واحترامًا للسر (mystère)، ولكن هذه الكنائس تمارس الصلاة
التقليديّة لأجل الموتى، وتتحدّث غالبًا عن ألم الضمير عند ذاك
غير المتطّهر بعد، لكنّها ترفض كل فكرة عن مكان أو عن نار
مطهّرة وتفضّل ترك أمر حقيقة النار الأبديّة إلى الدينونة
الأخيرة[4].
خلاصة لاهوتيّة :تطرح العقيدة المسيحيّة المتعلّقة بالمطهر
مسألة تفسير خاصة حول العلاقة بين التأكيدات الإيمانيّة
والتصاوير. لقد وجدت هذه العقيدة نفسها مضطرة إلى استعمال صور
ورموز لتتكلم عن اختبار يتم خارج حدود هذه الحياة ، ويتعلّق
بالحياة بالله . فكانت صور النار والمكان والزمان للكلام على
التطهير الضروري قبل دخول السعادة الأبديّة . هذا ما قاد
اللاهوت إلى الوقوع أحيانًا في بعض التفاسير الشيئيّة لهذه
الصور والتصاوير . فغلب الاهتمام بتقديم وصف إخباري لنهاية
الأزمنة على حساب واقع الحياة المسيحيّة . لكن اللاهوت المسيحي
المعاصر صحح هذه التصاوير الشيئيّة والمكانيّة في تعليم المطهر
، وأحلّ محلها مفاهيم شخصيّة : من هنا يجب أولاً فهم النار
بمعنى مجازي كما لا يجب تصور المطهر كمكان بل كحدث يتحقق في
الإنسان ذاته. من هنا يجب التخلي عن فكرة النار والزمان
والمكان ، والتمسك فقط بتصور التطهير الأساسي: ضرورة تطهير
الإنسان في سبيل رؤية الله[5].
وأمّا نار المطهر التي تحرق هي قبل كل شيء نار المحبّة
الإلهيّة التي تلهب كل نفس يقترب منها . يتكلم يوحنا الصليب في
كتابه "الليل المظلم" عن "ليل الحواس" الذي تعي فيه النفس
حقيقة شقائها الذي كانت تجهله، فتعاني النفس الجفاف والترك من
قبل الله . وفي هذه الحالة "ينير الله النفس" فتعرف شقاءها
وضِعتها وتكتشف عظمة إلهها وسموّه ، وبذلك تتحرر النفس من
ظواهر الإعجاب بالنفس. ربما يمكننا تطبيق كلام يوحنا الصليب
على مفهوم المطهر . ويضيف يوحنا الصليب أن النفس رغم عذابها
فهي تشعر بفرح محبة الله. وفي النهاية فإن سبب عذاب النفوس في
المطهر هو اقترابها من نار المحبة الإلهيّة[6].
ومن ناحية أخرى فإن المطهر هو ألم في سبيل الاكتمال . ففي
لقائه مع المسيح الديان والمليء بالحب في الوقت نفسه ، تنحل
ترسبات الخطيئة في الإنسان ، وتتلاشى بقايا الأنانيّة . من هنا
يجب تصور المطهر على أنّه ألم في سبيل الاكتمال ، ألمًا مطوبًا
، لأنّه يحرر ويكمل ، ألما مؤلمًا لأنّه يزيل بقايا الخطيئة
التي أصبحت جزءًا من "الأنا" . ليس المطهر إذًا حدثًا محدّدًا
يضاف إلى حدث الدينونة ، بل هو وقت من أوقاتها ، كما أن
الدينونة هي دينونة ذاتيّة ، فيها يتحمّل الإنسان نتائج
خياراته الأساسيّة في حياته . فالإنسان الذي لم يتمم نهائيًّا
نموه على الأرض يكمّله في مرحلة ما بعد الموت ، لكي يصل إلى
انفتاح كامل على الحب ، لأن ملكوت السماوات هو حب كامل . إذًا
من لم يستطع أو من لم يحقق على الأرض قبل موته هذا الحب الكامل
، والأرجح أنه لم يستطع أي إنسان تحقيق ذلك ، يواصل بعد الموت
تحقيقه .
الخاتمة
إن خاتمة هذا الدرس لا تنتهي بفكرة جهنم ، بل تنتهي بفكرة محبة
الله ، تلك المحبة التي هي كناية عن مسلسل بدأت أولى حلقاته
عند خلق الإنسان ، والحلقة الأخيرة تكون في القيامة العامة حين
يصير المسيح "كل شيء في كل شيء" . وهذه لنهاية سعيدة ، لا بل
إنها أسعد نهاية يمكن أن يتصورها إنسان . إذا كان هذا الدرس قد
بعث الرهبة في النفوس ، فإنه إعلان بأنه فشل في مهمته . وإذا
كان بعث الرجاء في القلوب وأظهر جليًّا محبة الله العظمى
للإنسان ، وهذا الرجاء دفعه إلى الإلتزام بطريق المسيح الذي هو
الطريق والحق والحياة ، لا خوفًا من دينونة بل تعمقًا وتجذرًا
في المحبة ، يكون وصل إلى غايته المطلوبة
[1] الأب أوغسطين دوبره لاتور، المرجع السابق، ص115.
[2] المرجع السابق، ص 117.
[3] معجم الإيمان المسيحيّ، اختار مفرداته ومعلوماته من شتى
المصادر الأب صبحي الحموي اليسوعيّ، أعاد النظر فيه من الناحية
اللاهوتيّة الأب جان كوربون، بالتعاون مع مجلس كنائس الشرق
الأوسط، دار المشرق، بيروت، 1998، ص 470.
[4] تيودول ري- مرميه ، المرجع السابق، ص 464.
[5] المرجع السابق نفسه.
[6] مجلس أساقفة كنيسة ألمانية ،المرجع السابق، ص 478